يولد لدى المشاهد، عن مشاهدته تغطية المحطّات اللبنانية لأي حدثٍ كارثي، إنطباعٌ سوداوي. وسائل الإعلام اللبنانية تتسابق فيما بينها على إقتناص السّبق الصّحفي، لا ضوابط ولا موانع، لا دروس مستفادةً من أي تغطية لأي كارثةٍ عالمية، تعزل هذه المحطات، بمراسليها ومسؤولي تحريرها ذاكرتهم عن أحداث شبيهة، كأحداث 11 أيلول 2001، أو المسرح الرّوسي والشّاحنة التي إجتاحت الجماهير في “نيس” الفرنسية، فالإعلام العالمي هاوٍ أمام المراسل اللبناني، وكيف لا، والمراسل جاهزٌ للخروج من تابوت الميّت في بعض الأحيان، كرمى لعيون السّبق الصّحفي.

119462image1

  لم يخطئ مالكوم إكس، عندما وصف وسائل الإعلام بالكيان الأقوى على وجه الأرض، فهم، لديهم القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء، وهذه هي القوة. لأنها تتحكم في عقول الجماهير. يعي الإعلام اللبناني قوّته، ليوظّفها في غير هدفها. إبّان أحداث 11 أيلول 2001، بلغ عدد الضّحايا أكثر من ثلاثة آلاف ضحية، لم نرَ وجهاً مخضّباً بالدّم، ولا جُثّةً ملقاةً على قارعة الطّريق، لم نصادف أشلاءً يزهو يمنظرها المراسلون، جلُّ ما نُشر، كان صوراً للهاربين ساعة إصطدام الطّائرتين بالأبراج. عام 2010، سقطت طائرةٌ تابعةٌ للخطوط الأثيوبية قبالة السّواحل اللبنانية، وجدت وسائل الإعلام ضالّتها، بالرّغم من خبرتها في التّعامل مع الكوارث، لم تتعظّ هذه الوسائل، بل عكفت على نقل مشاهد الموت، جثّةٌ عائمة، بقايا شعرٍ وأسنان وكأن فظاعة المشهد لا تكفي، واكبت الكاميرات الأهالي، لا خصوصية تُحترم ولا معايير تُراعى، أمٌّ مفجوعةٌ وأختٌ ثكلى، بالمعيار الإنساني، هما حالةٌ يجب التّعاطف معها! بالمعيار الإعلامي المعتمد لبنانياً، هما مادّتان لجذب المشاهدين، فدموع الأم ووجعها تستقطب نسبة مشاهدةٍ عالية، لم يكن الأداء الإعلامي المحلي مستغرباً، بل طبيعيٌ على إعلامٍ إعتاد نقل صور المجازر الإسرائيلية من قانا 1996 إلى مروحين وغيرها في العام 2006، دون أي تطوّرٍ أو تطويرٍ في معايير إعلام حالات “الطّوارئ”.

   أقرأ باقي الموضوع »

بسم الله الرحمن الرحيم

نذير عاجل لكل آل سعود

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين و بعد.

هذه نصيحة ونذير لكل من تصله الرسالة من أبناء وأحفاد المؤسس الملك عبد العزيز رحمه الله.

أخاطبكم بإخلاص الإمام محمد بن سعود وإصرار الإمام فيصل بن تركي ومنهجية الملك عبد العزيز وخيرية سعود ودهاء فيصل و تديّن خالد وموازنة فهد و عقل نايف، بعيداً عن حُمْقِ عبد الله و سرقات سلطان و عجز سلمان.

أخاطبكم مستحضراً هذا كله، ومدركا مسؤوليتنا تجاه الله أولا ثم تجاه شعبنا ثم تجاه أنفسنا. أخاطبكم آملا أن نضع الاسترخاء واللا مبالاة جانبا وننظر إلى التحديات الخطيرة بعين الجد والقلق ونفكر بأمانة وصدق ونتصرف بمسؤولية وحزم.

إن العاقل هو الذي يتعلم من التاريخ ويستفيد من دروسه ويتفادى الخطر من معرفة أسبابه، والأحمق هو الذي لا يلتفت إلى حوادث التاريخ ولا تجاربه. لقد تعلمنا من التاريخ كيف تجاوز الملك عبدالعزيز تحدي السبلة وأم رضمة، وكيف استطاعت العائلة لم شملها بكفاءة بعد الخلاف بين سعود وفيصل رحمهما الله، وكيف صمدت أمام عاصفة الناصرية ثم أزمة الكويت. لكن كذلك تعلمنا من التاريخ أن الدولة الأولى لم تصمد أمام الغزو المصري وأن الدولة الثانية تمزقت بسبب الخلافات.

لا نزكي أنفسنا ولا ندعي الكمال، وكثير ممن كان في أعلى المناصب كان عليه ما عليه من المآخذ، لكننا كنا نجتهد أن لا نقترف ما يقوض الحكم ويهدم الدولة. وأفضل من ذلك أنه حين تحصل تجاوزات على مستوى القرار السياسي يكون في العائلة من يعيد القرار لجادة الصواب أو يتدارك المسألة من أصلها حتى لو كان في ذلك تضحية بمناصب كبيرة في الدولة.

لقد ربانا المؤسس على مجموعة مباديء تديم الحكم وتقوي الدولة وتبقي البلد متجانسا بين حاكميه ومحكوميه. لقد تعلمنا منه أن دوام الحكم يقتضي أن لا يصل للسلطة إلا الأكبر والأصلح، وأن يشرك الباقين في قراراته، وأن تبقى صبغة الدولة إسلامية صافية، وأن لا نتساهل في تطبيق الشرع، وأن نحترم العلماء ونحفظ لهم دورهم في المجتمع، وأن نعطي وجهاء الناس قيمتهم.

كما علمنا رحمه الله أن لا نخلط بين الحكم والتجارة، وأن نأخذ نصيبنا من المال العام بشكل رسمي ولا نمد يدنا بتحايل وتدليس وغش مما يسمونه الآن الفساد والاختلاس. كما تعلمنا منه أن نحرص على الاستقامة في الأخلاق والدين، وإن ابتلينا بشيء أن لا نجاهر به ولا نتحدى. وتعلمنا منه أن ننزل الناس منازلهم ونتواضع في المجالس ونقبل النصيحة ولا نرد طالباً ولا نقفل باباً ولا ننهر سائلاً ولا نخذل متظلماً ولا ننصر ظالماً.

لقد بدأ التفريط ببعض هذه النصائح، ولم يتحرك العقلاء للأخذ على يد المفرطين، مما أدى للتساهل في بقيتها حتى فرطنا فيها جميعا، فصرنا قريبين من انهيار الدولة وخسارة السلطة، حتى توشك الكارثة أن تحل علينا وعلى غيرنا. وكان آخر ما فرطنا فيه هو تهميش الكبار وأصحاب الخبرة وتسليم الأمر لحدثاء الأسنان سفهاء الأحلام الذين يتصرفون خلف واجهة ملك عاجز.

آن الأوان أن نعترف بأخطائنا ونسعى لعلاجها بجد ومسؤولية وأمانة. كما آن الأوان أن نقر بأن المعطيات السياسية الإقليمية والعالمية تغيرت، وأن تطلعات الشعوب تختلف عما كانت عليه سابقا. وإذا أردنا أن نستدرك الوضع وننقذ الحكم والوطن فعلينا ان نتحلى بالجرأة والصراحة والاستعداد لكسر الحواجز المصطنعة والممنوعات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

إن مواجهة هذه الأخطاء القاتلة ليس إثارة فتنة ولا سبب فوضى، بل هو الذي يحمينا من الفتنة ويعصم الوطن من الفوضى، ولو سكتنا بحجة تفادي الفتنة فالبلد كله سينزلق في أتون الفتنة والفوضى ونكون أول من انزلق معه. ولذلك أتمنى من كل من تصله هذه الرسالة أن يتقبلها بصدر رحب، حتى لو لم يعجبه كل ما فيها، ويقبل من حيث المبدأ أن التناصح الصريح الجريء وبيان الأخطاء هو الطريق الصحيح لتدارك المخاطر.

لقد بدأ الوضع يتدهور باتجاه خطير منذ أكثر من عشر سنوات حين تجرأ الملك عبدالله -غفر الله له- على سياسات خلخلت ثوابتنا ومنهجنا، وحين سكتنا عنها فتحنا المجال لمزيد من التدهور لمن جاء بعد وفاته.

كيف -مثلا- رضينا بتهميش أبناء عبدالعزيز سواء في السلطة أو بالمشاركة بالقرار؟ وكيف رضينا بموقف سلبي وعدم التدخل تجاه وضع الملك العقلي الذي يجعله غير مؤهل للاستمرار في الحكم؟ وكيف رضينا لشخص قريب من الملك بالتحكم بالبلد سياسيا واقتصاديا وتركه يخطط كما يريد؟

ثم كيف رضينا بسياسة خارجية تضعف ثقة شعبنا فينا وتؤلب علينا الشعوب الأخرى؟ وكيف رضينا الدخول في مخاطرات عسكرية غير محسوبة مثل الحلف العسكري لضرب العراق وسوريا وحرب اليمن؟ وكيف رضينا أن يكون مصيرنا رهين نزوات مراهقين وتطلعات مستعجلين؟

وكيف رضينا كذلك بتمكين شخصيات معروفة بفسادها وتوجهها المحارب للدين في مناصب حساسة في الوقت الذي ندرك حساسية الدين عند شعبنا وعلمائنا؟ وكيف رضينا بالنزيف الهائل من أموال الدولة بما يزيد عن ضعف الإنفاق في السنوات الماضية؟

إن سكوتنا الأول هو الذي سمح بتراكم المخاطر، وعلينا أن نتحرك بجرأة على أن يكون هذا التحرك على مستوى صناعة القرار وإيجاد حل حقيقي لمشكلة الملك العاجز سلمان الذي يستغل وضعه شاب مراهق. ولن يمكننا إيقاف النزيف المالي والمراهقة السياسية والمجازفات العسكرية إلا بتغيير آلية القرار حتى لو استدعي الأمر تغيير الملك نفسه.

ثم علينا أن نستحضر أن شعبنا صار على درجة عالية من الوعي وقد توفرت لديه الأدوات التي يستطيع أن يتابع فيها الأوضاع، ومن الحمق والصفاقة أن نتصرف في الحكم كما لو كان الشعب مغيبا جاهلا عاجزا عن متابعة الأحداث والشؤون. ولذلك لا نريد أن نتحمل مسؤولية استغفال المواطنين والاستخفاف بهم، و لا نريد أن نتحمل مسؤولية التصرف سياسيا وإعلاميا دون استحضار تطورات وسائل الاتصال والمعلومات فضلا عن نشاطات المعارضين الذين يرصدون بكفاءة ما نحاول إخفاءه أو تضليل الشعب عنه.

أكتب لكم وأنا أدرك أن الوقت يمضي بسرعة، وكل يوم يمضي يجعل تدارك الأمر أصعب من اليوم الذي قبله، وأنا أعلم أن الكثير منكم يؤيدني فيما كتبت، لكن كلٌ يقول من الذي يرفع الراية. وها أنا قد رفعت الراية وأقولها بصوت مرتفع: لا يمكننا أن ننجح إلا بأعلى درجات المصارحة حتى لو خارج دائرة الأسرة ، وأقوى مستويات الجرأة والشجاعة في مواجهة المستغلين للوضع الخاطيء.

أرجو ممّن يصله كلامي هذا أن ينظر له بعين المسؤولية تجاه الدين والوطن، فإن لم يكن فلينظر بعين المسؤولية تجاه قوة وتماسك الأسرة وبقائها في الحكم، فإن لم يكن فلينظر بعين القلق على نفسه، فوالله لئن لم نتحرك ستمزقنا الأحداث جميعا ولآت ساعة مندم.

و فى ظل التدهور الحاد للأوضاع السياسية والإقتصادية، والإنخفاض الحاد فى أسعار النفط، والزيادة الهائلة فى الدين العام، نناشد جميع أبناء الملك عبد العزيز، من أكبرهم الأمير بندر، إلى أصغرهم سناً الأمير مقرن، تبنى الدعوة إلى عقد إجتماع طارىء لكبار الأسرة، لبحث الموقف، و إتخاذ جميع ما يلزم لإنقاذ البلاد، و إجراء تغييرات فى المناصب الهامة، و تولية أصحاب الكفاءات من العائلة الحاكمة، سواء كانوا من الجيل الأول أو الثانى أو الثالث أو الرابع. و نقترح أيضاً جمع توقيعات من أبناء وأحفاد الملك المؤسس بشأن الإجراءات المقترحة، و تنفيذ ما تُقِرّه الأغلبية للصالح العام.

و ما زال 13 من أولاد عبد العزيز على قيد الحياة، و بينهم كفاءات و خبرات كبيرة، و نخص منهم الأمراء طلال بن عبد العزيز و تركى بن عبد العزيز وأحمد بن عبد العزيز، بما لهم من باع طويل، و خبرات سياسية و إدارية يعرفها الجميع،  يجب استثمارها فى صالح الدين والمقدسات والشعب.

وعلى هؤلاء الثلاثة بصفة خاصة وعلى أبناء المؤسس ال 13 بصفة عامة أن يحملوا الراية وأن يجمعوا الآراء وأن يحشدوا الصفوف من آل عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، بقيادة الأكبر والأصلح منهم ومن أبنائهم القادرين، الذين هم كنز لا يفنى بإذن الله، للتحرك وتنفيذ ذات ما فعله الملك فيصل وأخوانه و أبناؤهم و أبناء إخوتهم -عندما عزلوا الملك سعود- والقيام بعزل الثلاثة الملك العاجز سلمان بن العزيز، والمُفَرّطْ المستعجل المغرور ولى العهد الأمير محمد بن نايف، والسارق الفاسد المُدَمّرْ للوطن ولى ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، ليتولى الأصلح والأكبر إدارة شؤون البلاد و العباد.

و ليتم تنصيب ملك جديد وولى عهد، و أخذ البيعة من الجميع على ذلك، و إلغاء المنصب المستحدث المستغرب و هو ولى ولى العهد. و نرجو أن يجد الخطاب آذاناً صاغية، و إيجابية فى التحرك، و نتمنى التوفيق و السداد للجميع، بإذن الله الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى.

ونبتهل إليه سبحانه أن يصل آل عبد العزيز ببعضهم و أن يوحد صفوفهم، و أن يوفق لدعم الاجراءات بوعى و ادراك من السعوديين لما يحقق تطلعات الشعب ومراعاة مصالحه وتقدير وعيه وإدراك إحساس الشعب.

{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب}.آل عمران:26-27

و ما توجهت إليكم بهذه الرسالة والنصيحة إلا عملاً بالهدى الشريف، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)

رواه الإمام مسلم.

و تحذيراً مما وصفه الشاعر العربى الحكيم القديم نصر بن سيار بقوله:

أرى تحت الرماد وميض جمر   ***   ويوشك أن يكون له ضرام

فإنّ النار بالعودين تذكى   ***   وإن الشرّ مبدؤُهُ كلام

فإن لم يطفئوها تجن حربا   ***   مشمّرة يشيب لها الغلام

وقلت من التعجب ليت شعري   ***   أأيقاظٌ أميّة أم نيام

فإن يقظت فذاك بقاء ملك   ***   وإن رقدت فإنى لا ألام

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

و(لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ )

توقيع

ابنكم المخلص

أحد أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، الذى يزيده شرفا الانتساب إلى المُؤسّس، و المملكة العربية السعودية خادمة الحرمين الشريفين.

تحريرا فى يوم االجمعة

20 من ذى القعدة عام 1436 هجرى،

الموافق الرابع من سبتمبر عام 2015 ميلادى.

أحمد م. ياسين
أن تفكّر في ما يجري حولك، او أن تقوم بما يُسمى بجولة أفقٍ على ما يجري، تتفكّر من خلف شاشتك التّي تسجن العالم خلفها وتسجنك معه. ماذا يجري؟ هل تغيّر في حياتي شيء غير بعض المتغييرات في الشّكل، تبديلٌ في شكل اللحية أو تساقط شعر ووزن زائد؟ هل أنا جاهز فعلاً لإستقبال عامٍ جديد؟
تراودنا جميعاً هذه الأسئلةُ على الأرجح، ما معيار القياس في مدى الإستعداد لإستقبال عامٍ جديد؟. عند القيام بجولةٍ على الفضاء الإلكتروني بما يحويه من آلام، خيبات، أحلام، طموحات وغيرها، إن كانت تجارب شخصية أو أحداثاً جماعية، ومن ثم مقارنتها بالعام الذي سبق أي 2013. يظهر الشّبه جلياً لا بل تتعاظم الكوارث مع كل عام، وكأن المصيبة كانت حُبلى وأنجبت طفلتها المأساة على أرض الشّرق الأوسط، فتكبر المأساة كل عامٍ لتأكل من أعمارنا وأيامنا، من أمننا وحيواتنا، من طموحاتنا، حتّى أمسى الطّموح بالخروج من المنزل والعودة إليه أقصى الطّموحات.

ماذا عن ليلة رأس السّنة؟
“كيف ستقضي ليلة رأس السّنة؟”، “وين السّهرة؟”، أحاول جاهداً أن أتجنّب الإجابة، لا أدري لماذا، لكن ربما أصبح لرأس السّنة طقوسٌ معيّنةٌ يجب     على الجميع ممارستها، ماذا لو كانت الإجابة: “في المنزل، كأي ليلةٍ من ليالي السّنة”. ستُرسم ملامح الصّدمة على وجه السّائل، “في المنزل؟!!”، أصبح قضاء هذه الليلة في المنزل فأل نحسٍ على صاحب القرار ربما.
طبعاً، دون أن نُغفل نجوم ليلة رأس السّنة –عدا ليلى عبد اللطيف، فهي نجمة كل شهر-. يحتل المنجّمون الشّاشات التّي تسمّر، يتسمّر وسيتسمّر    خلفها الملايين من الغرقى الباحثين عن خشبة الخلاص. تُستهل التّقارير طبعاً بجولةٍ على إنجازات العرّاف\المنجّم الخارق، كيف أصاب وأين أفلح، مع توريةٍ مقصودة لمكامن إخفاقه وفشله. يرسم العرّاف\العرافة إبتسامةً عريضةً وينطلق الحديث في أجواءٍ من الرّهبة والتّرقب. ماذا سيقول؟ هل ينتظرنا مستقبلٌ مُشرقٌ أم سيستمر النّفق الأسود في التّمدد وهوّة خلافاتنا في الإتساع؟ متى سيتكلّم! في جو توترٍ مترافقٍ مع قضمٍ للأظافر والأصابع ربما، بحثاً عن بارقة أملٍ ولو من عرّاف دجّال، او مشعوذة متموّلة.
قد يبدو الحديثُ شاعرياً، لكن لاعام جديدٍ إن لم يحمل من المتغييرات ما يمسح سابقاته من الأعوام. قليلٌ من الطّموحات أو الأحلام ربما لا تضرّ، ماذا عن وطنٍ عسكره حرّ لا يأسره غير حبّه لوطنه وواجبه بالدّفاع عنه، لا عصاباتٍ تكفيرية إحترفت الإجرام. ماذا عن وطنٍ سماؤه ليست مسرحاً تتراقص فيه سُحب دخان العوادم وغيرها، وطنٍ لا عجقة سير فيه بل نقلٌ عام منظم لا باصاتٍ متفلّتة كأنها قنابلٌ موقوتة، وطن لا تقنين مائي فيه وهو عائمٌ على ثروةٍ مائية، وطن لا يفهم سكّانه معنى كلمة “إشتراكٍ كهربائي” أو “ديجونتور”، وطن للقراءة فيه معنى وللإنجاز العلمي والرّياضي تقدير، وطنٌ بهيئة وطنٍ فعلي.

آمل أن أستقبل ونستقبل عاماً لا موت فيه، لا معاناة، عامٌ فيه قليلٌ من ضميرٍ يمنع إعلامه من الإتجار بأوجاع ضحايا الإرهاب أو الفساد، عامٌ مطابقٌ لأدنى مواصفات العيش الكريم، أو العيش أقلّه، لا الموت على أبواب السّفارات وفي عبّارات الهجرة، أو التّدافع على حجز وظيفة ولو بأجرٍ لا يكفي صاحبها قوت يومه، على أمل، كل عام ونحن كما كنّا من قبله.

أقرأ باقي الموضوع »

التّطبير بين الشّعائر والبدع

Posted: نوفمبر 3, 2014 by Ahmad M. Yassine in خربشات شخصية

أحمد م. ياسين

 

   فرض التّسوّط أو التّطبير نفسه مادّةً سنوية جدلية عند حلول ذكرى عاشوراء من كل عام. ضرب الرّؤوس بالأدوات الحادّة والسّلاسل، لطم الصّدور وغيرها من الممارسات التي سميّت شعائر حسينية، هذه      الممارسات التّي لم تقتصر على الكبار فقط، بل يقع الأطفال ضحيّتها أيضاً.
في دفاعه عن بدعة ضرب الرّؤوس بالآلات الحادّة، برّر أحد الخطباء المؤيّدين لهذه البدعة فعل التّسوّط بضرب السّيدة زينب رأسها بطرف المحمل عند رؤية جثمان الحسين، حتّى سال الدّم على وجهها.      كان لزينب الفضل الأكبر والدور الأساسي في نقل مأساة كربلاء للعالم بتفاصيلها وأحداثها. كما شكّلت الرّافعة الإعلامية للقضية الحسينية والحاضنة للبقية من أهل البيت، وهي من وقفت بوجه القتلة في مجالسهم.  ماذا عن ضربها رأسها بالمحمل حزناً حتّى أدمت نفسها؟ وصية الحسين لها كانت :”لا تشقّي علَيَّ جيباً, ولا تخمشي عليَّ وجهاً, ولا تدعي علَيَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت”، أتخالف زينب وصية الحسين وتضرب رأسها حتّى تُدمي نفسها؟ هنا تبرز الإشكالية الأولى الأساسية التّي تدحض الرّواية التّاريخية السّائدة معدومة السّند أصلاً، زينب لم تضرب رأسها.
يُنسب التّطبير، أو ضرب الرّؤوس بالآلات الحادّة إلى الشّعوب القديمة، حيث مثّل التّطبير عادةً وثنية إعتمدها البابلييون في تعبيرهم عن حزنهم على الإله تمّوز، وسرعان ما تناقلت الشّعوب عادة التّطبير حتّى وصلت إلى الفينيقيّين وإستعملوها في تعبيرهم عن حزنهم على أدونيس، ومن بعدهم الفراعنة. إستمرّت ظاهرة التّعبير عن الحزن باللطم وضرب الرّؤوس بالآلات الحادة حتّى أيامنا هذه، ورُبطت بالحزن على الحسين ومأساته في منتصف القرن التاسع عشر وصولاً إلى أيامنا هذه.


أقرأ باقي الموضوع »

 

أحمد م. ياسين

“ما تمكّن الجيش اللبناني من فعله في عرسال بيومين عجزت عنه جيوش المنطقة في ثلاث سنوات”، هذه الجملة وردت في تقريرٍ إخباري يحاكي معركة الجيش في عرسال، لو لم نكن في لبنان لكنّا ربما صدّقنا التّقارير والأغاني الوطنية والخُطب الرّنانة، لعل بيان الثّلاثي كبّارة – المرعبي والضّاهر كان الأصدق من حيث النّوايا قبل أن يتراجعوا عنه.

أقرأ باقي الموضوع »

أحمد م. ياسين
  “زمن البكي جايي ع كلّ البيوت”، قالها طلال حيدر وإتخذ  القتلة من هذا القول دستوراً حملوه من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا. شهية المفترس الأكول مفتوحة، يبتلع الأعمار ويسرق منّا كل يومٍ العشرات. أمسينا في هذا الشّرق أرقاماً، فمن أكمل يومه وأنهاه فبدأ بغيره بطل، نحن مشاريع شهداء لمشاريع لا نعرفها ولا ناقة لنا فيها أو جمل.

من كان ليصدّق أن أقصى طموحاتنا هو ميتةٌ على فراش تُعدّ نسبياً ميتةً مرفّهة، أقلّه بجسدٍ كاملٍ لا أشلاءَ متناثرة، أو رأساً إنفصل عن جسد صاحبه دونما سببٍ وجيه. أن تصبح عجقةُ سيرٍ أو أي تجمّعٍ بسيط عبارةٌ عن فيلم رعب، أن يغدو الخوف رفيقاً دائماً وإجبارياً، يعني أن تتحول الحياة إلى مرحلة  ترقّبٍ للموت الحتمي القادم، لكن لا نعرف على صهوة أي شيطانٍ سيركب، شيطانُ الإنتحاريين أم مقصلة الكبار، هذه هي حياتنا اليوم، فصول موتٍ متعدّدة الأوجه ولو أن مضمونها دونما شكّ، واحد.

ما كان الشّهيد هيثم أيّوب الذي قضى في تفجير السّفارة الإيرانية، أو محمود جمال الدّين شهيد تفجير ضهير البيدر الأخير ومعهم عبد الكريم حدرج شهيد تفجير دوّار شاتيلا أن بزّاتهم الرّسمية كأمنيين ستتلوّن بالأحمر، إرتضوا ومثلهم كُثُرٌ مجهولون أن يكونوا الأضاحي على مذبح الوطن وما تبقّى منه، آثروا أن يموتوا هم كي نحيا نحن، ومع ذلك، لا زال بعضنا يتذمّر من إزدحامٍ بسيطٍ على حاجزٍ أمني، مع أن المفاضلة الوحيدة الموجودة في هذه الحالة، هي بين ضياع ساعة أو أكثر، أو ضياع عمرٍ بأكمله. هيثم، جمال وعبد الكريم، لكم ولرفاقكم المجد والخلود، أبطالاً بأوسمة شرف، ولو أن طموحاتكم  وأحلامكم قد إنتهت، كل ما أردتموه كان عيشاً كريما، ولكن لحملة الموت الظّلاميين كلامٌ آخر وإن أفشلتم مخطّطاتهم بأجسادكم فكانت قرابين.
لم يختر عبد الكريم أن يكون إستشهادياً بل أُجبر على هذا الخيار بين المرّ والأمرّ، لعبد الكريم رفاقٌ وعائلة، ولغيره من الشّهداء أيضاً، يدفعون وندفع ضريبة تضارب المصالح والمشاريع من أحلامنا وحيواتنا. ترخُص دماؤنا كرمى لدقّ مسمارٍ في طاولة حوارٍ هي نعشٌ لنا وطاولة قمارٍ لهم. يقامر هؤلاء المتنطّحون على الشّاشات بخُطب رنانة وبيانات صدّاحة بأعمارنا ثم يتباكون علينا. لا يعنيني وغيري إنتخابُ رئيسٍ للجمهورية، ربما تُنصفني السّلسلة التي تنسفون، لا يعنيني تعيينٌ هنا ووظيفةٌ هناك، ما يعنيني بعد إنسحابكم عن الشّاشات هو أن أخرج من منزلي دون أن ألقي نظرة وداعٍ على أهلي بينما أذهب لشراء علبة سجائر، تعبنا.

جولةٌ صغيرة في أي حيّ أو شارع تكفي لقياس حجم اليأس بين النّاس، أو نظرةٌ على أبواب السّفارات، كفر الشّعب بالإصلاح فتعايش مع الفساد حتّى أمسى واقعاً، ضاق الشّعب ذرعاً بدعوات التّغيير فبقت المحاور السّياسية ذاتها من 8 إلى 14 وما بينهما من وسطيين، وصل الشّعب ووصلنا اليوم حدّ اليأس حتّى من الحياة ليقيننا بقرب شفرة المقصلة من نحورنا، قد أبدو متشائماً لكن كيف لي أن أتفائل؟ إعتدنا في كُتب الأساطير أن نؤمن بطائر الفينيق، لا بدّ أن ينفض طائرنا عنه الرّماد ويعود للتحليق رغم الجراح، لكننا نُغفل أن مع كلّ حريقٍ نخسر منّا أبرياء لا علاقة لهم بالمشاريع، أبرياء لا يعرفون أصلاً من هو بندر أو قاسم سليماني، لا يكترثون لا لمعارك إيران والسّعودية، ولا لمشاريع أميركا وتركيا، هؤلاء من يتحسّسون رقابهم في كلّ يومٍ كيفما تنفّسوا في حين أن القاتل يعدّ عليهم أنفاسهم، لكن يبقى الأمل لا شيء غيره، الأمل بأن يخترق شعاع النّورظلام الموت المخيّم فوق رؤوسنا.

أحمد م. ياسين

    أن تتحول من ناقلٍ للخبر إلى الخبر بحدّ ذاته. ان تتصدر صورك الصّحف وإبتسامتك الشّاشات وقد شدّدت الرّحال، أن نبكيك عريساً على مذبح الشّهادة والواجب المهني. هو الألم يا حمزة، لم تكن لتعلم أن رحلتك القلمونية هي الأخيرة بيننا والأولى إلى الأبدية. مَضيت يا حمزةَ وخلّفت وراءك قلمك وكرسيك، دفاتر شعرك وقصائدك، ورفاقً غير مصدّقين.

    لست أدري إنما كانت كلمات النّعي في محضر شهادتك يا حمزةَ ورفاقك هي سيدةُ الموقف. كيف يُنعى من كانت إطلالته وإبتسامته صنوان، كيف يُنعى الفرح يا حمزة، أو الحُلُم يا حليم، أيُرفع نعشٌ لمن رفع التّحية لمريم يا أبو جعفر؟ مهلاً..

أقرأ باقي الموضوع »

 أحمد م. ياسين

   من المعيب ونحن في ال 2014 أن أكتب أو أدوّن عن موضوعٍ كالذي سأكتب عنه.

     بينما أدوّن هذه الأسطر، ينشغل القضاء والمحقّقون بالتّحقيق مع زوج كريستال أبو شقرا، لا شيء أكيد بعد ولا إتهام مُثبت بإستثناء ما أعلنته جمعية “كفى” عن أن كريستال “تُوفيت” مسمومة  بمادة الدّيمول. كريستال أبو شقرا وبعد أيامٍ على أبعد تقدير ستصبح رقماً جديداً يُضاف إلى عدّاد الموت الذي لا يتوقّف عن حصد أرواح السّيدات. ستُضاف كرقمٍ وتُنسى، إلى أن تُقتل أخرى فيستحضر الرّأي العام إسمها وتُنسى هي والضّحية الجديدة مجدّداً وهكذا دواليك.

     كريستال هي الضّحية الثالثة في غضون فترةٍ قصيرةٍ بعد رولا يعقوب ومنال عاصي، هؤلاء بعض اللواتي دفعن ضريبة مجتمعٍ إعتاد إخفاء عيوبه كرمى حُججٍ واهية. ليس الزّوج هنا هو الجاني وحده، بل هو القاتل المباشر ومن خلفه قتلةٌ آخرون مسؤولون عن تبرير وتحفيز هكذا نوعٍ من الجرائم. ربما كان حظّ رولا، منال وكريستال عاثراً فأدركهم الموت تحت قبضة “شريك الحياة” المفترض، لكن من قبلهم كانت فاطمة النّشار التي أشبعها زوجها وعائلته ضرباً فقط لأنها أضاعت فاتورة المياه، وغيرهن كُثُر من مَن يضربون، يعنّفون ويموتون دون ان نسمع بذلك أو نعرف به.

      قانون حماية المرأة من العنف الأسري، يجد النّواب والوزراء صعوبةً أخلاقيةً في تقبّل مثل هذه العبارة وإستيعابها. يتوحّد رجال الدّين أو بعض تجّاره ممن يحتكرون صفة “رجال الدّين” ويتّحدون على رفض هذا القانون وإقصائه كلٌ بحجّة، والأنكى، أنّهم يتباكون ويصلّون على جثامين النّساء اللواتي قُتلن بسببهم، على أي حال، يعكس تعنيف المرأة جزء من التّركيبة العقلية للمجتمع الشّرقي والذي ينتمي إليه المجتمع اللبناني. مجتمع الذّكورية بإمتياز الذي يقيس رجولة الرّجل لا بعقله وشخصيته، بل بفحولته وقدرته القمعية، المجتمع ذاته الذي ينظر للمرأة كعورة أو مخلوقة من الدّرجة الثّانية بأحسن الأحوال، ما زال المجتمع يحمل بعضاً من تاريخه الجاهلي حيث كانت توأد الفتيات خوفاً من العار. لكن لا يخفَ على أحدٍ أن المجتمع طوّر تخلّفه وألبسه قميصاً جديدأ فبدل الوأد أصبح يعتمد العنف أو التّصغير والتّحجيم.

     من البديهي أن أطالب ويطالب كلّ مواطنٍ بقانون يحمي المرأة والأطفال من العنف الأسري، لكن هل يرتقي حجم المطالبة على العالم الإفتراضي لمستوى فظاعة الجريمة؟ من قُتلت ليست شخصية إفتراضية بل أمٌ بالأغلب، أمُ خسرها أولادها ودُفنت جسداً، قبل أن تُقتل مرّة أخرى بقرار تبرئة الجاني أي الزّوج أو لفلفة القضية تبعاً للأعراف المجتمعية. من المؤسف أن لا تأخذ جرائم العنف حيّزاً أكبر من حملةٍ لا تُعمّر أكثر من يومٍ أو يومين على الأغلب. بدل أن تُحرّك هذه الجرائم الأجهزة القضائية والمجتمع المدني بجمعياته وحقوقيّه ليضعوا حداً أو يرغموا المسؤولين على تمرير القانون، المجتمع أو المنظمات المدافعة عن المرأة ليست ضعيفةً متى ما آمنت بقدرتها على تشكيل مجموعات ضغط “لوبيّات” وسبق للمجتمع المدني أن أثبت نفسه قادراً، قانون منع التّدخين في الأماكن العامة مثلاً ولو أنّه لا يُطبّق.

   كثيرةٌ هي الجرائم التي ترتكب في حقّ المرأة في مجتمعنا، من تزويجٍ للقاصر، عنف جسدي ولفظي، إقصاء جندري وغيرها، قد يبدو ما أكتبه هنا شاعرياً، لكن أساس المجتمع السّليم هي المرأة، فهي من تبني المجتمع مع بناء أفراده في منزلها، هي من ترسم له هويته وأفكاره وميوله، المعنّفة ستُربّي جيلاً يرضى بالتّعنيف، المُنتفضة إن لم تحقق هي القانون، ستربي جيلاً يعمل على تحقيقه وينبذ العنف أيضاً. من واجبنا جميعاً دفع المعنّفات إلى كسر حاجز الخوف من التّقاليد والأعراف ليتمكّنوا من مواجهة القاتل، مباشراً كان أم غير مباشر، طالما أن شريعة الغاب هي السّائدة، وتزويج القاصر مثلاً مُستمر دون محاسبة من تزوّج، زوّج ورضي يتزويج قاصر، وطالما أن المرأة تُقتل وتُعنّف، فلتردّ هي الصّاع صاعين وتعنّف من عنّفها وتفضحه، ما هو الثّمن الذي ستدفعه؟ ترك منزلها؟ أليس ترك المنزل أفضل من الموت فيه بعد تحوّله سجناً للتعذيب؟ أيّ كان الثّمن، لن يكون أكبر من حياتها وسلامتها، إن عنّفك سيدتي، عنّفيه.

أحمد م. ياسين

   فنّ السّخرية، او الكوميديا الإستهزائية السّياسية ظهر إبّان الثّورات الملوّنة بشكل كبير. الدّكتور “جين شارب” المسمّى ب “مكيافيلي اللاعنف” و”كلاوسفيتس الحرب السّلمية” يعدّ الأب الرّوحي لهذا النّمط من النّقد، هذا النّمط النّقدي لطالما إستُخدم لتحفيز الرّأي العام وتكسير الهالات القدسية للرمّوز، هل هذا ما أراد شربل خليل فعله؟

   السّخرية على بساطتها الظّاهرية، تشكّل أساساً في مضمونها من حيث ضرب عدّة أسس كانت بالأمس القريب مقدّسات. أسلوب “شارب” الإستهزائي تجلّت نتائجه في خلع رموزٍ كانت بالأمس القريب مقدّسة، سلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا مثلاً عام 2000، وكان نموذج إقصائه مطابقاً للنموذج البلغاري في خلع رئيس بلغاريا، الكوميديا السّياسية كانت وسيلةً رئيسيّة في تبديل المزاج العام ليس في صربيا وبلغاريا فقط، بل سلوفاكيا 1998، كرواتيا 2000، والثّورة الوردية في جورجيا والتّي إسنخدمت فيها حركة كمارا أسلوب السّخرية لتخلع الرّئيس إدوارد شفرنادزه لاحقاً، طبعاً دون ان ننسى الثّورة البرتقالية الأكورانية بقيادة حركة يورا في العام 2004. وللسّخرية الإستهزائية أمثلة حيّة من عصرنا اليوم، أبرزها ثورة أو إنقلاب 30 يناير الشّعبي في مصر على الرّئيس محمّد مرسي، كان الدّور الأبرز في إسقاط مرسي إضافة إلى سياساته، الإعلامي السّاخر باسم يوسف وبرنامجه “البرنامج”، هل حقّاً أراد شربل خليل أن يشعل ثورة؟

   بلدٌ مديون، أوضاعٌ أمنيةٌ متردّية وحربٌ أهلية باردة، مجلس نوّاب لا دستوري مُمدّد لنفسه، رئيسيّ حكومة واحدٌ بحكومةٍ مستقيلة وآخر يسعى لدخول غينيس بأطول مدّة تشكيل، مواطنون بلغ فيهم حدّ اليأس عدم الإكتراث حتّى بثروتهم النّفطية، حالة موتٍ سريري للوطن. ظروف الثّورة مهيّأة وتحتاج فقط إلى عرّابٍ يقودها أو يشعلها. لا أسهل من الإعلام وسيلةً للمباشرة بذلك، ما المانع في ان تتكرّر تجربة باسم يوسف، أو يحظى لبنان بجون ستيوارت الخاص به؟ لماذا لا يحرّك الإعلام الشّارع خاصةً في ظلّ تسللّه لكل بيت من بيوت اللبنانيين؟ ربما هذا ما فكّر به شربل خليل قبل أن يستخدم السّلاح الذي بيده، سلاح الكوميديا السّياسية الإستهزائية، أي أن خليل قد عقد العزم على الثّورة وتغيير الحال، لا هالة من القداسة على الأحد “كلّن يعني كلّن”، الخطوة الأولى كانت منذ سنوات، صدم خليل الشّعب اللبناني بتقليده شخص السّيد حسن نصر الله مما أثار بلبلة حينها وإحتجاجات، إذاً عرف شربل خليل مفتاح تحريك شعبٍ في سُبات، قلّد جان بو جدعون شخصية السّيد حسن ثانيةً بتوجيه من خليل، لم يكتفِ بذلك، كي تكتمل عناصر الصّدمة، تطرق خليل للنّبي يونان ومرّر رسائل عدّها البعض في طرابلس تجاوزاً وتطاولاً على الذات الإلهية. نجح خليل في إستفزاز الشّارع اللبناني كلّه، لكن ما الخطوة الثّانية؟ هل وضع خليل سيناريو المرحلة المقبلة أم أنّها مرّة و”بس مات الحراك”؟

   لشربل خليل الحقّ في إنتقاد أيٍ يشاء طالما أنّ حقّه مكفولٌ بالقوانين والشّرائع، طالما أنّه لم يتعدّ على حرّية غيره في المعتقد والتّعبير، سخرية خليل من شخص أي إنسانٍ لن يغيّر في نظرة أحدٍ إلى الأخير. لربّما سبّب “سكتش” خليل الأخير إزعاجاً لكُثُرٍ من مناصري نصر الله، لكن أنسي هؤلاء أن هناك فضائياتٍ تشتم السّيد ليل نهار؟ أن هناك شخصياتٍ سياسيّة لبنانية وعربية تهاجمه وتصفه بأبشع الأوصاف في معظم الأحيان حاله حال باقي من يعملون في السّياسة؟ لماذا ثارت ثائرتهم فقط عند تقليد خليل لنصرالله؟ “بس مات الوطن” أصبح من ماضي الكوميديا السّياسيّة اللبنانية لعجزه عن اللحاق بركب التّحديث وتكراره نفسه بحكم تهكّمه على الطّبقة السّياسية الحاكمة ذاتها –من حظّ شربل خليل السّيء أن الطّبقة لا تتغيّر-، كاد ذكر البرنامج ان يختفي عن السّاحة الإعلامية لولا تقليده في كلّ مرّةٍ شخصية يعتبرها النّاس مقدّسة، تارة البطرك صفير وطوراً أحمد الأسير، إنتقاده للشخصيةِ حقّ مقدّس من حريّة الرّأي والتّعبير، لكن ألم نعتد على ذلك؟ يريد خليل تعويم برنامجه مجدّداً ولن يتورّع عن اللجوء إلى أي وسيلة، فمن جعل من برنامجه منبراً للعنصرية تحت شعار “حرّية التّعبير” لن يعنيه كثيراً نتائج سكتشاته على أرض الواقع، هي محاولةٌ يائسة لإستعادة الجمهور لا أكثر، ويمكن لأيٍ كان إنهاء البرنامج بالضّربة القاضية بكبسة زرٍ على أداة التّحكم، مما يعني، لا مُشاهدين، لا مُعلنين، لا “بس مات الوطن”.

     “عندما يتوصّل شخصٌ إلى إضحاك النّاس فترة طويلة، لا بدّ ان يكون عبقرياً”، هذا ما يختصر به المخرج غريغ بارسون تعريف الكوميديا او فنّ الإضحاك. من يتابع مواقع التّواصل الاجتماعي في السّنوات الثّلاث الأخيرة يلاحظ توجّه من الرّأي العام اللبناني لمشاهدة “البرنامج” لباسم يوسف، أو جان ستيوارت، إيلين دي جينيرس وغيرهم، بعد أن إعتاد مشاهدة “لول” على الأو تي في لأنه كان البرنامج الكوميدي الأول من نوعه الذي يكسر التابوهات المجتمعية التي نشأ الشّعب عليها، لم يعش “لول” كثيراً فوقع أيضاً في فخّ تكرار نفسه، هذا الإبتعاد الجماهيري عن البرامج الكوميدية اللبنانية لصالح البرامج الخارجية هو ربما بسبب “عدم الإضحاك”. مع العلم أن بعض البرامج اليوم تستعيد بعضاً من جمهورٍ فضّل النّزوح ولو من خلف الشّاشات. “بس مات الوطن”، “دي إن آي” و”إربت تنحلّ” مجتمعةً لا تستطيع أن تنافس نسبة مشاهدي باسم يوسف في لبنان! بالفعل هذا شيءٌ مُخزي، الإعلام مسؤوليةٌ وسلطة، يا حبذا لو يستعملها شربل خليل وزملائه في المكان والزّمان الصّحيحين، ويا حبّذا لو يتظاهر الشّعب لأجل حقوقه المهدورة، لا لأجل سكتشٍ تافهٍ في برنامجٍ سخيف.

أحمد م. ياسين

   إستفاق اللبنانييون صباح الثّاني  والعشرين من تشرين الأول على مفاجأة تتعدّى في أهميّتها دخول غينيس عن إنجاز أكبر صحن حمّص. لبنان الآن أصبح على رأس أكبر المنظّمات الأمنية العالمية، هكذا ودون مقدّمات، لبنان يترأّس الإنتربول الدّولي.

     رئاسة الإنتربول؟، هذا ما بدأ الإعلام اللبناني والمحسوب على المرّ بإشاعته، الرّجل عبر من الدّاخلية إلى العالمية الأممية، بحسب إعلامه، إرتقى الوزير الطّيار رتبةً فطار من المستوى اللبناني الضّيق إلى الفضاء العالمي، لم يعد المرّ منتظراً في منزله أن يُمنح وزارةً من حصّة الرّئيس، أصبح الرّجل رئيساً يُشهد له، رجل محاربة عبدة الشّيطان ذو القبضة الحديدية.

أقرأ باقي الموضوع »