أحمد م. ياسين

سيرحل زاهد، أو رحل، كما رحل نبيل والده قبله، مغلقاً صفحة أسى لم يكتب فيها إلا بدموعه، حكايات عن الفقر والعوز، نقلها ورواها إما بتجربة شخصية، أو بقصة عن ذاك الوالد الذي شنق نفسه خجلاً من دمع ابنائه، عل نظامه ومسؤوليه يخجلون ويهمون بالرحيل، لكن لم يرحل أحد، إلا نبيل، نبيل زغيب الخمسيني ومن بعده زاهد، وما زال القتلة احرار غير سائلين، ربما خجل نبيل دفعه لأن يقدم روحه قربناً على مذبح الوطن الفقير، كي يحي بموته مجتمعه وينفض عنه عار السبات، إما في التبعية أو إعتياد ألم الجوع، أراد أن يكون بو عزيزي، من يموت لنعيش، لكن رحل نبيل، ونسي نبيل، كما ابنائه وعائلته التي مات لاجلها..

  ربما ظن نبيل، أن روحه ستكون القشة التي سيتمسك بها ابنائه من بعده لتقيهم شر الغرق، و تلفت انظار أصحاب القرار اليهم، تخلى عن الحياة، كي يعيش زاهد واخوته، فوعد زاهد بحياة أفضل ومحى صورة الماضي، كأن حزنه على أبيه كان بقعة الضوء التي سيخرق ظلمة النفق، ظهر زاهد على الشاشات، حفظه الناس وتلقفه أصحاب القرار كمادة يستفاد منها في تسجيل المواقف، حتى انسوا الناس مأساة والده، كي لا تتكرر، وتبخرت بحيرات الماء التي وعد بها زاهد، لتعلن الحياة في صحراء أيامه، تبخرت كما مياه قهوته التي اعتاد مبيعها على المنارة، بيد واحدة يطعم بها نفسه وأخاه، تبخرت القهوة وتلون المستقبل بلون البن، أسود لا أفق له، يطل في سمائه وجه نبيل، يمد يده ليشد زاهد، ثم يسحبها مسرعاً، لعل الغد يكون أفضل، ربما بطء زاهد في التقاط يد أبيه أخر موته، أو ربما الأمل، لكن زاهد أخذ اليد، وذهب..

من يعطيه الأمل - هنا ياسين

  ذهب زاهد في طريق لم يختاره، بل فرض عليه، إختار نهايته، لكن لم يختار رسمه، فقره قتله، وجوعه طعنه، وذكرى الوالد أجهزت على ما تبقى من أحلامه، وبماذا يحلم؟ أكان يحلم باكثر من مأوى يقيه المطر؟ أكان يحلم بأكثر من طعامٍ يغنيه عن الجوع والسؤال، أبى زاهد كما أبيه، أن يكون دمية في متناول أحد، لم يسأل ولم يستعطي، عمل رغم إعاقة يده، حتى فنجان القهوة منع من بيعه، تسأله عن حلمه؟ ما أبسط أحلامه ومن مثله، لا يحلمون إلا بما لا تفكر في خسارته حتى أيها الزعيم، أتخيلت نفسك يوماً تنام دون عشاء إلا أيام حميتك الغذائية؟ أتخيلت يوماً نفسك تحت المطر وفنجان القهوة أملك باطعام عائلتك لا جيوب المواطنين؟ كم بو عزيزي منا تريد، كم روحاً كنبيل وزاهد تشبع نفسك التي تعتاش من لحمي ولحمه؟

  لاول مرة ينام زاهد على سرير وهو مطمئن لغده، لن يكون أسوء من ما مضى، على العكس، سيلاقي أباه، لكن ماذا عن كل زاهد في شوارعنا؟ مصيره الموت ولا من يسأل؟ لو أن زاهد كان من أتباع أي من الأحزاب لكان شهيد الوطن، وتعطل عليه الدولة في كل عام، ذنب زاهد أنه ليس زعيماً، ليس طائفياً، ليس تابعاً ولا ملحقاً، هو فقط مواطن فقير، بائع قهوة منع من البيع وسجن، سجن لمخالفته القانون، قانون لا يسري إلا على أمثال زاهد، غيره سرق، فعوقب بالمناصب العليا وحضر في عفته، زاهد لم يسرق ولم يقتل، لم يكن زعيم عصابة، ولا وريث بيت سياسي، بل وريث أب قتله فقره أيضاً، فقر اعتاد طرق باب آل زغيب ومثلهم اخرون مجهولون، يأخذ أرواحهم مقابل طعام لباقي عائلتهم، الروح مقابل الغذاء، و حتى الغذاء، لا يحصلون عليه…

  نعم، إنتحر زاهد، لا قرفاً من الكهرباء والطرقات والاجور و و، لا أملاً في أن يكون المخلص للفقراء أو المحتجين، فعلها فقط لأنه رأى في الموت حياة أفضل، فما نفع الحياة دون روح، و ما نفع الندم الآن، سيفرح زاهد إذا ما غيرنا و تغيرنا، سيفرح إذا ما كان الأخير في معسكر الفقراء،  لكن زاهد مات، لا لنحيا نحن، لا أمل فينا كما رأى، رحل ليلاقي روح أبيه، أملاً بحياة أفضل هناك، حيث أخذه القدر.

صفحة المدونة على الفايسبوك : لبناني

أخر ما رأى زاهد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s