شاورما يا ريس

Posted: مارس 20, 2012 by Ahmad M. Yassine in غير مصنف
الوسوم:, , , , , , , , , ,

أحمد م. ياسين

   كانت المرة الاولى التي أسمع بها هذا التعبير، اعتدت سابقاً على سماع “كوسا يا ريس” في وصف تعاسة أي وضع أو حالة، لكن صديقي سائق الباص له قاموسه الخاص، فكلما أراد أن يظهر امتعاضه من أي موضوع، كانت الشاورما هي الضيف الأبرز، لا سيما على مائدة النقاش الاجتماعي والسياسي معه، فحال البلد في رأيه، شاورما، والمستقبل شاورما، حتى يومه، شاورما، وإن سألته عن أي شيء، أجابك بالمثل، قبل أن يختم حديثه بإبتسامة.

Photo By Hana Yassine

    فطبق اليوم، أو شاورما اليوم كان إجتماعياً إقتصادياً، “شو رأيك بالحكومة يا صديقي”..

سائق الباص: “شاورما يا أستاذ”

أنا:”كمان هيدي شاورما، ليش بقى؟”

سائق الباص:”ما هيدي أصل الطبخة، بس نحن بناكلها، أما الطباخين، فهني ذاتن من زمان، بنخاف إذا جبنا طباخ جديد ما نلاقي الطعم ذاته، تعودنا يا أستاذ، شاورما”..

   وفي تحليلي البسيط بعد سماع اجابته، استطعت أن اقرأ بين سطور الجواب، فالشورما هي  المصائب التي تنهال علينا يومياً جراء سياسات إقتصادية فاشلة قائمة على المحاصصة وتقاسم المغانم، أي مغانم؟ مغانم الخزينة، والطباخون معروفون دونما حاجة لتسميتهم، انهم ٨ و-١٤ اذار، مهما إختلفت حكومتهم أو تبدلت، تبقى الحريرية السياسية جوهر أو عماد خطتهم، أترك الكلام لصديقي سائق الباص عن الحريري..

“هيدا الحريري، لا ارتحنا بحياتو ولا ارتحنا بمماتو، علم الكل يفكرو متلو، كلو بدو يانا ندفع، حتى على الهوا رح ينعمل ضريبة”

   وهذا الكلام ليس محض إفتراء، بل لسان حال أي مواطن لبناني، فسياسة حكومة ٨ اذار اليوم لا تختلف عن ما سبق، لا بل تعد حلقة جديدة في مسلسل الفساد الحريري، مع أن الناس استبشرت بها خيراً مع سقوط رموز الحريرية في الحكومة السابقة، وبروز وجوه من مدارس أخرى كشربل نحاس مثلاً، لكن حكومة ٨ اذار يتيمة من حيث البرنامج، فهي بنت شعبيتها الداخلية على أساس إنتقاد حكومات ١٤ اذار والحريري الأب  مع أنها كانت مكون رئيسياً فيها، حتى أن النقطة الرئيسية في سبب إسقاط حكومة الحريري الابن إختفى..”وين شهود الزور؟ أنا أكيد الشباب أذكى منا، أخفوا ملف شهود الزور، ومولوا المحكمة، نكاية ب-١٤ اذار، إنو نحن بنمول بس بدنا، مش بس انتو تقرروا، ذكاء عوني، شو بدك..شاورما يا ريس”

   “وعمك الميقاتي نازل فيهن فرم، رح يصير عندو شعبية سنية أكتر من أبو بكر وعمر، ومع هيك، ماشي على سياسة الحريري الآب، إنو الزلمي رجل أعمال، كيف بدو يحسبها؟”

بالفعل، ميقاتي حصد من هذه الحكومة ما لم يكن ليحلم بحصاده، فجعل منها رافعته سنياً  في الداخل، أي أن أبواب البرلمان أصبحت مشرعة له مع من يريد، لا صديقه أحمد كرامي فقط، خارجياً، أضحى الرقم الصعب المنافس للحريري، لا بل سرق منه الدعم الخليجي، ولم يفرق عنه في الاستقبال الباريسي، بل دخل القصر كما سلفه، بينما أبقى ريفي والحسن في أماكنهم، لم يحاسب عبدالمنعم يوسف، حتى سهيل بوجي المنتهية ولايته، ما زال مكانه، ونحاس، من أساء لشخصيات من الطائفة، أجبره على الإستقالة مدخلاً عون في لعبة المحاصصة، أي ضرب عصفورين بحجر واحد،  إقصاء نحاس المزعج للحريريين، ونزع ورقة التوت عن عون الاصلاحي، فالاصلاح والتغيير في عهد الميقاتي، هي شعار فقط، كالتنمية أو المستقبل، أو كل الأسماء الرنانة دونما فعل.

 “مشروع الكهرباء؟ إنت صدقت يا أستاذ؟ هيدا أكيد مل من الطائرة وصار بدو يشتري يخت، صار متل غيره وعلموه كيف ياكل الجبنة..شاورما يا ريس”

 والمقصود هنا، كان مشروع الوزير باسيل للكهرباء، إبان الأزمة والتقنين على التقنين والاعتصامات من احتجاجات وإحراق دواليب، مشروع أقر بعد معركة عنيفة وبروباغندا إعلامية هائلة من ٨ اذار على حكومتهم، لكن لا إصلاح ملموس، طبعاً الخطة بحاجة إلى وقت، لكن أين الحلول البديلة؟ نحن على أبواب صيف يبشرنا الوزير بحرارته، ما الحل؟ الخصخصة كما حلم الحريرية السياسية؟ أين اختلفت طريقة التعاطي مع ملف الكهرباء؟ اختلفت في الجهة القابضة فقط، أما المضمون، فهو أن المال العام، ضحية الجوع، كما يقال “بروح الشبعان وبيجي الجوعان”

“مستحيل ينجح أو يقدر، لا نحاس ولا ٤ مليون لبناني بيقدروا، من ١٩٩٢ وتحكمنا نفس العقلية، متخيل البلد بلا حريرية يا أستاذ؟”

  سقط النحاس ومعه مشروعه، على الرغم من شعبوية الوزير وقربه من الطبقات العاملة، لم يستطع -وهذا ما كان متوقعاً- أن يسجل خرقاً في جدار الحريرية الاقتصادية وعقلية الدولة الشركة لا الوطن الجامع، أرسل بدل المشروع أكثر من ٣ وكل منها مع تعديلات، ولم يقر أي شيء، فتغطية النفقات من ضريبة العقارات لا تنفع، لأنها تهدد مصالح المستفيدين منها، أو من ٧٠ شاحنة تدخل شاطئ صور ليلاً مغتصبةً رموله، لا تأمين صحي من ضريبة العقارات، هنا يهدد نحاس  أحد أقوى الأسلحة في المدرسة الحريرية، سلاح التجويع، تمهيداً للعطاء الذي يسهل القدرة على التحكم، فان اعطيت المواطن تأميناً شاملاً، لن يركع أمام وزارة الصحة طالبا المساعدة، وهكذا، تخسر صوته في الانتخابات، ما الحل إذاً؟ سهل وبسيط، الحل في قلب الطاولة على نحاس وعقد إتفاقية بين أرباب العمل -أي ٨ و ١٤- وبين ممثل العمال، أي الاتحاد العمالي، وهكذا يسحب البساط من تحت أقدام الوزير  ومن ثم اسقاطه وهذا ما جرى، سقط نحاس بالضربة القاضية، القاضية على مصداقية الاصلاح والتغيير، لا الوزير، وعلى الشباب إما الرضوخ لاجر لا يتعدى ال-٦٠٠ ألف، أو السفر، فلبنان غني بتصدير ثرواته الفكرية إلى الخارج، ويتغنى المسؤولون بذلك، انظروا إلى اللبنانيين في الخارج، يديرون الشركات ويؤسسون الأعمال والثروات، لدرجة أنهم -أي المسؤولين- لم يفكروا يوماً في سبب سفر الشباب، أليس لبنان أحق من الخارج بابنائه؟

“لو صار البنزين ب-٥٠ ألف والمازوت ب-٦٠، الشعب هو هو، بيدفع بس ما ينهان الزعيم، كيف بدك تحاسب وزير شيعي وإنت سني، هيدي فتنة، لا، خليه يسرق على راحته بس المهم السلم الأهلي”

  ببساطة، هذا توصيف الطائفية المستشرية كمرض في جسم المجتمع اللبناني، مزج لتوصيف الطائفية بارتفاع سعر البنزين وغياب قانون السلم المتحرك على ضريبة البنزين، فهذا طبعاً غير مقبول لتهديده مصالح أحد أقطاب الحكومة، والطريقة الوحيدة للدفاع عن السرقة هي اللعب على الوتر الطائفي وتحريك الغرائز، فيحتمي الفاسد خلف طائفته مع أنه لا ينتمي إلى أي طائفة، فهو يسرق الجميع دونما فرق بينهم، وعندما يحين موعد الحساب، أو المطالبة به، يختبئ رغم مخالفته القانون خلف طائفته التي تنزل بسلاحها إن إقتضى الأمر دفاعاً عن ابنها، فرئيس الحكومة يحمي رئيس جهاز أمني طمعاً بشعبية تتزايد، ويخرج مجرماً بسيارته من السجن كي يكسب شارعاً جديداً، يسمح لاحزاب تخالف روح الدستور والكيان اللبناني بالتظاهر في وسط العاصمة وبترخيص بينما يتغاضى أو يسمح بضرب شباب يحتج على سياسة المصارف اللبنانية، فهؤلاء الشباب يشكلون خطراً على إرث الحريرية الاقتصادية، وفكرهم يعد مشكلة حاله حال نحاس، لكن لا قدرة على ضرب وزير، يضرب شباب أعزل، مكانكم ليس الشوارع للإحتجاج، بل الطائرات للهجرة.

    إذاً، لا تختلف ٨ بحكومتها عن ١٤ بشيء إلا الوجوه، وتستمر بالعمل على محو الطبقة الوسطى وتكريس فكر رجال الأعمال، معتمدة على أسلحة شتى كالتجويع والطائفية و ما إلى هنالك من طرق حافظوا من خلالها على أماكنهم في البرلمان والحكومات، ورأي صديقي سائق الباص ليس غريباً، بل يردده ٤ ملايين مواطن يومياً، لكنه، أي المواطن ذاته، يعود لينتخبهم مجدداً كل ٤ سنوات، إنصياعاً خلف أحد اسلحتهم.

صفحة المدونة على الفايسبوك : لبناني   

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s