نعم، نم يا علي قرير العين وأغمض جفناك، لا تصرخ بإسم القاتل ولا تصرح عنه، نم فقط، نم في بحر دموع أمك وصبر أباك، لا تطلق العنان إلا لصمتك، وإترك الجاني يغرق في دمائك لتلون وجهه الأسود، دعنا نلبس الأسود عليك حداداً على إبن التسع وعشرين ربيعاً، الذي لم يكن يحمل بندقية ولا أسلحة يخاف منها القاتل، ذنبه الوحيد أنه حمل كاميرته ليكون عين الناس حيث لا يكونون، ذنبه الوحيد، أنه مهني لا يخيفه شيء، من حرب تموز إلى نهر البارد و-٧ ايار، حتى أحداث سوريا نفسها..

      نم يا علي وارم علينا ثوب السواد، نم يا علي ومزق رداء صمتهم البالي، نم و إحرق جشعهم، نم ها قد أعلنا الحداد، نم يا علي وما ينفع الكلام في حضرة الإستشهاد، نم، نم صمتك يقتل القاتل ويخرس الشارب من دمك، نم أنت، فهم من سارعوا إلى صب الكؤوس، كؤوس يملأونها من الدم ليشربوا نخب المصالح، من أعلى الهرم إلى أسفله، وزير يسكر حاملاً كأسه في يمناه وقانون يخدمه في يسراه، نواب تتناطح على الشاشات لتلعب لعبة اتقنتها، لعبة إستغلال الدم، دم أي كان، معهم في الخط أم ضدهم، يلعبون على المشاعر والغرائز ويفتحون أفواههم لتخرج سما يقتل الانسانية، نم يا علي، نم وأنت المحظوظ في عدم سمعهم، نم وتأكد لن يستغلوك ولن يصغروا شهادتك كي توازي مستوياتهم، لن يجعلوا منك أداة لهم يضعونها على طاولة البزار المقيت، لن يستغلوك، لن يستغلوك، لن يستغلوك.

     نم أيها الشهيد، نم كما كنت تحلم أن تنام، ربما كان الحلم بالنوم شهيداً برصاص الاسرائيلي، لكن رصاص الغدر أتى من حيث لم تحتسب، من جيش لطالما حاولت الدفاع عنه وتكبير صورة عدستك كي تعكس المؤامرة الكبرى لا أن تنقل فقط مشاهد تفقدك موضوعيتك، ارداك الرصاص يا علي وكنت قربان الصحافة على مذبح الكلمة والقلم والصورة، نم، نم وإجعل من صدر أمك قبرك يا شهيد، يبكونك اليوم وغداً وربما بعده، قبل أن تصبح خبراً على صفحات الجرائد وأرشيف الفيديوهات، تصبح ذكرى لخبر، بعدما كنت صانع الخبر، تركض وراء الخبر العاجل، لكنك اليوم الخبر العاجل، اليوم، غداً وبعده وربما أكثر، من ثم يعود القاتل إلى قتله وهو من لم يتوقف أصلاً، ويعود رفاق المهنة والدرب إلى عملهم، بينما تبقى أنت نائماً، نائماً في صدر أمك وخطيبتك، تنظر إلى بدلة الخطبة وتحملها، كانت خطبته الأحد، إشترى البدلة وحضر لاولى خطوات حياة الزوجية، ستبقى نائماً في قلب أختك، تبكي وتلطم وجهها، من سيتصل بي بعد اليوم مطمئناً، أرادني أن اختار له قميص خطبته فما اخترت، إختار الرصاص له كفناً أبيض بلون فستان عروسه المنتظرة، وتنتظر وتنتظر..لكنه أتى قبل الميعاد، عاد، عاد مستشهداً..

       نم يا علي، نم كي لا ترى من يلومك لاستشهادك، نم كي لا ترى من يتجاهل شعار مؤسستك على السيارة كي يغفر أو يبرر للقاتل، نم، فهو باع شرفه أي أغلى ما يملك، فلا مانع لديه في أن يتلاعب بالحقائق، تارة كنت في الأراضي السورية، وتارة كنت تتسلل خلسة مع رفاقك، وتارة تم انذارك، نم يا علي واتركهم لغبائهم، نم فدموع حسين خريس تتكلم، نم فالم عبد خياط أبلغ من كل النظريات، نم فهم يعرفون أن الداخل إلى الحدود مفقود وأن القتل كان مصيرك وأصحابك لا وحدك، نم فهم يفقهون أن الداخل خلسة لا يدخل بسيارة حتى لو كان إنتحارياً، نم فهم يدرون أن لا سلطة للقاتل على أرض غيره كي يأمرك بالتراجع، نم، هم يعرفون، لكنهم يضعون اصابعهم في اذانهم ويغطون عيونهم كي لا يواجهوا أنفسهم ودموع أمك، نم فنحن نعرف جيداً من القاتل ولن يخفيه هؤلاء، نم فلسوء حظه أنه لم يقتل زملاءك، ولسوء حظنا أنه قتلك، بعدما لم يستطع الاسرائيلي في تموز أن يفعل، ولا الارهابي في نهر البارد أن ينجز، ولا حتى من اشتبكوا في ٧ ايار، نم يا علي، نم قرير العين، نم..

      نم يا علي وإترك الكاميرا فانت أخر صورة في فيلمها، نم تحت المطر، مطر رصاص من لا رحمة في قلوبهم ولا شفقة في نفوسهم، نم ما نفع الاستيقاظ؟  نم أنت ودع دمع أمك مستيقظاً، دع أحلام  خطيبتك، آلام اخواتك، جرح والدك المفجوع بوحيده، نم فقد ذهبت كما أردت، شهيداً ترفع صورته في بيته، ويلتحم جسده مع جنوبه، نم فصورة السيد ستجاور صورتك في المنزل بدل أن تكون وحدها، نم أنت حراً، فقد شاء الموت أن يبعدك أن دجل المعتاشين على الدماء، نم وإخلع عنهم رداء العفة كي يبان عهرهم وصغر حجمهم، دعهم ينأون بأنفسهم ويهربون بحكوماتهم،نم وتأكد، لن تكون لعبتهم، نم على أكفنا يا علي، نم…

 صفحة المدونة على الفايسبوك : لبناني 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s