أحمد م. ياسين

عادة ما نرى الجنود بلباس العسكر والسلاح، أو على دباباتهم وخلف متاريسهم مع جيشهم النظامي، وكما يقال، سماهم في وجوههم، فتتبارى البلدان في عديد الجيوش وتتحارب فيما بينها لتحقيق مصالح ومكاسب إقتصادية تتيح لها القدرة على تعويم اقتصادها بما يتلاءم مع المتغيرات، مثلاً أمريكا وعطشها الدائم للنفط الذي يلامس حد شن الحروب لأجل ذلك، أو الصين التي تغزو العالم بسلعها، نعم، عمالقة اقتصاد وحيتان مال تتصارع، لكن ما الأدوات؟ الأدوات ليس فقط خططاً وطائرات أو سلاح، انما الأدوات هي الجنود المجهولين، فبغض النظر عن صوابية الحروب، فمن يصنع أدواتها؟

من يصب عرقه في مصانعها ومنشأتها دون أن يذكر؟ نراه كل يوم في حياتنا، في كل صباح ومساء، جندي بلا لباس يشير إليه، بلا خوذة تحميه إن ما سقط على رأسه حجر من مبنى يشيده، أو لا سلاح ينجده في مواجهة الأرض إلا يديه عندما يفلح ويزرع،وحتى عندما تطرق مطرقته على الحديد أو يذيبه، لا تصاريح يلقيها ولا مؤتمرات صحافية، فهو لا يعرف ربما كيف سيبدو على التلفاز، أو لا يفكر في ذلك حتى، اعتاد على التلفاز وسيلة يستمع من خلالها إلى أخبار اليوم، وبضع أغانٍ تغير ما يعاصره يومياً، قبل أن ينام ليستفيق في النهار التالي ويعود إلى الجري، الجري خلف لقمة عيشه و الرغيف الذي ما ينفك يصغر ف حجمه ويتقلص، يجري ويجري، كلما إقترب، أتى من يفسد عليه متعة الإقتراب، ويرمي بالرغيف كما العيش الرغيد مسافة أبعد، والجندي المجهول، مجبورٌ على الجري مجدداً خلفها، عله يمسكها يوماً ما.

   إذاً، تعود العامل على أن يكون جندياً مجهولاً في بلدي، يرمي بشباكه ليطعم من يأكل حقه، تارة بهضم مشروع الأجور ودفع وزيره الذي يمثله وللمرة الاولى منذ زمن إلى الإستقالة، وطوراً بالقضاء على ما يتمسك به من حرف ووسائل لكسب العيش من خلال الاقتصاد الحر والاستيراد، عدا عن ظلم الرزنامات الزراعية والاتفاقيات له، طبعاً مع تسجيل غياب من يدافع عنه، فمن المفروض منه تمثيل العامل، أو الجندي المجهول، ليس في الخدمة، وقد أغلق ضميره وإستعاض عنه بصفقات مشبوهة مع أرباب العمل، يقطف منها ما يقطف، ويجني منها ما يجني، طبعاً على حساب العامل وتعبه، فمن أين له هذا؟ أي هذا؟ هذا هو السيارة المتوقفة أمام مقر إتحاد العمال، سيارة يفوق سعرها المئة ألف دولار، لمن يفترض له أن يمثل من لا يفوق أجرهم الألف دولار، وهو المساهم الأول في تهميشهم وتهشيم امالهم، عامل بلا من يدافع عن حقه، لا بل بمتأمرين عليه خاصة بعد ما خسر وزيره، لم يكن النحاس غير حالة طبيعية ووزير يقوم بمهامه، لم يفعل أكثر من واجبه وهذا ما يؤكد هو عليه، لكن العامل، أو المواطن بشكل عام، هلل له وفرح به، لأنه لم يعتد على رؤية وزراء يعملون، إلا نادراً، عمل الوزير ورسم الخطط، طرح القوانين والمشاريع، فقام الاتحاد “العمالي” بطرح المشاريع أرضاً والعودة إلى المساومة، رفض موقع القوي المدعوم من الوزير، وأصر على موقع الضعيف الهزيل، لما فيه من مكاسب خاصة لمن يستفيد من ذوي القربى.

   من المفترض أن تخصص المقالة، أو النص التالي لمعايدة العمال في عيدهم، لكن عيد باي حال عدت يا عيد والعامل ليس في حياته تغيرٌ سعيد..يجري خلف الرغيف كل يومٍ من عمره المديد، من المفترض أن أهنأ صياد السمك، عامل اليومية، العمار، الفران، الحداد، المزارع، العتال وغيرهم، من المفترض أن انحني لأقبل أيديهم التي تعمل دونما كلل أو ملل أو إعتراض، تعطي لتأخذ القليل، قليلٌ يكفيها لدرء العوز والسؤال، لكن، من يرد التهنئة، عليه أن يحمل بيده خبراً مفرحاً بمناسبة العيد، عادة ما كنا نفرح بالعيدية أيام الأعياد، وأنا بما سأعايد العامل؟ ماذا أملك لاعطيه؟ لا أملك غير إصرار على التمسك بحقوقه وإكمال ما بدأه شربل نحاس في دفع إسمه إلا الأمام وجعله مركز القضية، لا مستفيداً على هامشها، لدفع إسمه إلى الواجهة بعدما عمل النظام ومعه الحريرية السياسية على القضاء عليه وعلى الطبقة المتوسطة، تمهيداً لاستغلاله كسلعة، سلعة تباع وتشرى ويزايد بها في البزار السياسي، كلما أفقر العامل، كلما دفع أكثر إلى اللجوء لمن يفقره، أو إلى التطرف، فاذاً، كل عام والعمال يعطون رغم عدم نيل ما يستحقون، كل عام والعمال هم ركيزة المجتمع، وكل عام وهم أصل القضية، بوزير يدعمهم أم من دونه، كي يقهروا من يتسلط على حقوقهم، ولا يمنحهم أبسط ما يملكون، من ضمان إجتماعي إلى ضمان شيخوخة وما شابهها…

صفحة المدونة على الفايسبوك : لبناني

نقلا” عن مجلّة جمّول

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s