أحمد م. ياسين
   للمرة الاولى منذ عصر الفراعنة يتوجه المصريون إلى صناديق الاقتراع في تكريس لانجاز من انجازات الثورة المصرية، توافد ما يقارب ال ٢٥ مليون  مصري إلى مراكز الاقتراع لاختيار من يرونه المرشح الأنسب لهم في أولى المرات التي يعبرون فيها عن رأيهم، مع أن الدورة الثانية لم تأتي بعد، لكن العديد من المفاجأت ظهرت، منها السلبي و منها الايجابي، ومنها ما ليس له تفسير، على أي حال، كانت إمرأة تنتظر على باب المركز، تقدم احدهم وسألها :”منذ متى تنتظرين دورك؟”..لتجيبه :”منذ أكثر من ثلاثين عاماً”.
   مضى أكثر من عام ونصف على بداية الثورة المصرية وكانت هذه الفترة غنية بالتطورات والأحداث المتلاحقة، من مظاهرات واعتصامات ومجازر بحق الثوار من قبل المجلس العسكري، وصولاً إلى الانتخابات البرلمانية التي حاز فيها الاخوان على الأغلبية يتلوهم الحركة السلفية وحزب النور السلفي، وكان قد سبقها الاستفتاء الدستوري ومن ثم مرحلة الانتخابات الرئاسية والتي وعد الاخوان أن لا يكون لهم مرشح فيها  فانشق عنهم عبد المنعم أبو الفتوح وترشح، قبل أن يعودوا ليطرحوا خيرت الشاطر مرشحاً ويرفض، ثم يرشح محمد مرسي “الاستبن” مكانه، وجرت الانتخابات لتظهر عدة مفاجأت لمن يتابعها، ابرزها هو المرشح حمدين صباحي، وطبعاً، مرشح الفلول أحمد شفيق وحجم الأصوات التي نالها، لما نال شفيق هذا الكم من الأصوات؟ وما مستقبل مصر؟ ما مستقبل حمدين صباحي؟
    فاحمد شفيق، هو رئيس الوزراء الأسبق في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك ويعد من أشد المدافعين عنه وعن رجال الأعمال الفاسدين في عصره، كما أنه المرشح الأفضل للمجلس العسكري والأضمن للاقليات الذين صوتوا له، ومن ابرزهم الأقباط، حيث أن الكنيسة القبطية دعمت شفيق سراً مما أغضب أصدقاء شهيد الثورة مينا دانيال، كما وإشتهر شفيق بعدة فضائح مالية وقضايا فساد  منذ عهد المخلوع، لكن، كيف حصل على هذا الكم من الأصوات؟ من صوت لشفيق؟، السؤال يطرح نفسه للمتابع ويشكل صدمة كبيرة خاصة بعد إنتشار صورة شفيق وهو يرمى بالاحذية عند خروجه من أحد مراكز الاقتراع، يومها انتشرت دعابة أن شفيق أصيب ب “جزمة” قلبية، إستطاع مرشح الفلول أو رجل النظام السابق أن يكتسح في مناطق عديدة من الصعيد المصري الفقير ومناطق القاهرة البرجوازية مثل الجيزة والمهندسين ومصر الجديدة، ففي الصعيد، إستغل شفيق قدرته المالية الضخمة ليسرق أصوات الصعيدين من  الاخوان المسلمين الذين اعتادوا على اللعب على وتر الفقر من خلال موائد الرحمن والمساعدات العينية الدائمة، أما في القاهرة، فالمناطق التي فاز فيها شفيق هي مناطق رجال الأعمال والميسورين مادياً الذين هم أصلاً من المستفيدين من النظام السابق، عدا عن حزب الكنبة، من ينشد الأمن والاطمئنان بعد فقدانهم من مصر بسبب الأحداث الراهنة والمستمرة، والليبراليين الخائفين من حكم الاسلاميين بعدما ظهر بأبشع صوره في الأشهر السابقة، هؤلاء هم من اختاروا شفيق ليعبر إلى المرحلة الثانية.
   أما المرشح الناصري حمدين صباحي، أو المفاجأة الثانية في إنتخابات الرئاسة، فقد حصد من الأصوات ما يشكل سابقة على مستوى العالم العربي لم تحصل منذ زمن، فمصر بانتخاباتها جعلت الثورات العربية في لحظة حقيقة ومصارحة مع نفسها، هل نجحت أم لا؟ بما أن مصر أم الدنيا وانتخاباتها تعني العالم العربي أجمع، لا هي فقط، فصباحي حصد قرابة ال ٢٠٪ من أصوات المصريين مع العلم أنه غير مدعوم من أي طرف، أما مرسي مرشح الاخوان فمدعوم من المملكة العربية السعودية بما يقارب ٢.٥ مليار دولار تقضاها الاخوان عند زيارة الاعتذار الشهيرة للملك السعودي، بينما شفيق مدعوم من قبل المجلس العسكري والأقباط، ويبقى حمدين وأبو الفتوح مرشحي الثوار وميدان التحرير، حيث أن حلول أبو الفتوح بالمركز الرابع شكل صدمة لمن تابع حملة الرجل الانتخابية، فهو ظهر أو أظهرته حملته على أنه الرجل الأقوى من بين مرشحي الثورة، عدا عن إعلان الحركة السلفية دعمها له، بينما إختفى السلفيون يوم الانتخابات وغابوا عن السمع، مما أسقط الرجل وأعطى الأفضلية لصباحي، فصباحي مرشح ثوري ومن قادة ميدان التحرير، إشتهر بقربه من الطبقة الفقيرة التي كانت عماد الثورة، طبقة من هم على الأرض ولا يفقهون من مواقع التواصل الاجتماعي شيئاً، فهو مرشح العجوز والشاب وأمل الطفل، هو قائد الثورة المستقبلي إلى جانب محمد البرادعي، بعد المرحلة الاولى من الانتخابات ولو كانت سلبية، أصبح للثورة رأس، ولم تعد ثورةً بلا رأس كما كانت.
    إذاً ماذا لو فاز شفيق؟، فوز شفيق مستبعد إلا في حال قيامه بعقد صفقة مع الاخوان تجعل منه رئيساً شكلياً ورابطاً فيما بين الاخوان والمجلس العسكري، وفوز شفيق، يعني القضاء على الانجازات القليلة التي حققتها الثورة، إضافة إلى إرجاع وجوه النظام السابق وسياسته وإبدال مساجين النظام بمساجين من شباب الثورة، أما إذا فاز شفيق دونما صفقة مع الاخوان، فهذا يعني انه سيكون مشلولاً نظراً لسيطرة الاخوان على البرلمان والمؤسسات كلها، أو أنه والعسكري سيلتفون على الاخوان، وهنا  لن يجد الاخوان من ينجدهم من قبضة العسكري والنظام بسبب غدرهم للشباب والقوى الثورية، ففوز شفيق يعني أن الشهداء ماتوا وضاع دمهم هباءً، اما في حال فوز محمد مرسي، وهذا المرجح، فستكون مصر أمام عدة سيناريوهات ابرزها السيناريو التركي، وللمفارقة، في الحزبين الحاكمين في مصر وتركيا يحملان إسم “العدالة والتنمية”، ويحكم مرسي مصر بما يرضي من عينه، أي المرشد محمد بديع ويخدم سياسة أمريكا التي كان مبارك حليفاً متيناً لها ولاسرائيل، وإذا ما فكر في الإنقلاب على الاتفاقيات مع إسرائيل، مثل إتفاقية كامب ديفيد أو إتفاقية الغاز، سيكون له العسكري في المرصاد، فينطبق على مصر النموذج التركي الحالي، حزب إسلامي حاكم وعسكر مترقب، إذا ما خالف الحزب، ينقلب عليه العسكر، أما السيناريو الثاني، فهو فوز مرسي بعد “مبايعة” أهل مصر له وتحول مصر إلى النموذج الإيراني، أي رئيس معين ومرشد مقرر، وفي كلتا الحالتين، المقارنة تتم بشكل النظام لا مضمونه، فكيفما كان النظام، لن تسمح أنظمة الخليج لمصر بلعب أي دور تاريخي أو إقليمي ينتقص من دورهم ووجودهم.
   ومهما كانت النتيجة مصرياً، هذا لا يحجب حقيقة أن الحاكم اليوم هو المجلس العسكري المسؤول إراقة الدماء المصرية في بور سعيد وماسبيرو وأحمد محمود وغيرها، لكن تجربة الانتخابات الديمقراطية تعد مكسباً يضاف لمكاسب حصدتها الثورة بفضل دماء شهدائها ولو خانتهم الصناديق، أياً يكن الفائز، إذا ما كان من الفلول أو اخوانياً يريد الإنقلاب على الثورة، فنتائج الانتخابات ستكون شرارة الثورة المصرية الثانية، ثورة برأس كرأس صباحي والبرادعي، ثورة تؤكد أن الثورة، مستمرة.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s