أحمد م. ياسين

  قبل أن اكتب ما اكتب، تحيرت، أأكتب بطابع شخصي وجداني، أم سياسياً بما تحمل السياسة من أوجه، فاخترت أن اكتب ما أفكر أنا به، ما عايشته منذ الصغر وما تربيت عليه، لا أوجه كي يحملها، ولا يمكن تسيسه، الشرف لا يسيس أبداً، ولا المقاومة، لا بازار يحتمل ثقل انجازاتها، لا بل لن يقدر أي رئيس فاشل في تحقيق مكاسب على ظهرها، أو جعلها جزء من معادلة ال ٦ و ٦ مكرر، لأنها ببساطة، صنيعة دم شريف دفع لتحرير الوطن والانسان، تحرر الوطن، ولم يتحرر الانسان.

  أذكر، عندما كنت إبن اعوامٍ قليلة كان بيت جدي في إحدى ضيع إقليم التفاح “عربصاليم” وكانت الطريق إلى هناك، تستدعي المرور تحت خطوط النار، نيران جيش لحد في موقع “السويداء” المقابل للإقليم، ولنيران الاسرائيليين كما جيش لحد من مواقع “علي الطاهر” و”الدبشة” المشرفين على منطقة النبطية، كنا نمر، طبعاً قبل السابعة مساءً، لأن حذر التجول يبدأ عندها ويبدأ اللحديون بإصطياد السيارات المارة ومن فيها، هذا كان في التسعينات وصولاً إلى التحرير، وليس في الثمانينات أو فترة الاحتلال الاولى، المهم، كنا نمر وأذكر أني لم أصادف يوماً لم أرى في زجاجاً متكسراً على أطراف الطريق، أو رصاص فارغ، وكان لنا جار من جيش لحد، أو لبنان الجنوبي يتمختر ويجول ناشراً الرعب في كل مكان من المدينة، مرافقة وسيارات عسكرية، تعدي على الممتلكات والنساء وإعتقال للرجال فقط لغرض التسلية، وأذكر يوم مقتله على أيدي المقاومين، إقتحم رفاقه البيوت المحيطة، سرقوا منها ما سرقوا، واعتقلوا من اعتقلوا رغبةً بالثأر، أو بمعرفة من نفذ، رفاقه اليوم احرار بعدما امضوا أشهر في السجون، أشهر يفترض أنها تعويض من الدولة لنا عن سنوات الخوف، سنوات التهديد والاعتقال، سنوات طفولة ضاعت من كثر من اللبنانيين، ضاعت في متاهات الخوف من المستقبل والمصير، من رصاصة طائشة أو قذيفة طائرة..

 

   سأعود إلى ذكرياتي، أذكر عندما كنت طفلاً اعتدت على تطبيق مقولة “نام بكير وفيق بكير وشوف الصحة كيف بتصير” مجبراً لا بإرادتي، وعلى عكس أي طفل، ليس بضغط من الأهل لأن المدرسة تنتظرني في اليوم التالي، بل بضغط من موقع “الدبشة” المقابل للمنزل، كنت أتأمله من على الشرفة دونما أن ينتبه أهلي، بما أن الخروج إلى تلك الشرفة ممنوع، لم أكن أعرف لماذا، لكن اليوم، بت أعرف أن السبب كان الاسرائيليين واللحديين الذين يريدون التسلية، وكنت مؤهلاً أن أكون مادة قنص مثيرة لهم ولتسليتهم، كنت أنام على السابعة أيضاً، يبدو أن لطفولتي مع الساعة السابعة قصص كثيرة لم الحظها إلا الأن وأنا اكتب عن ما عايشت من ظلم إسرائيلي، وكما سبب عدم الخروج إلى الشرفة، كنت أجهل سبب النوم الباكر حتى في أيام العطلة، لاعرف لاحقاً أن المقاومين كانوا ينفذون عملياتهم ليلاً لأنها أسهل من التنفيذ نهاراً لما يحمل ضوء النهار من خطر على حياتهم، وعند تنفيذ أي عملية، تثور ثائرة المواقع المحتلة ويرمون بحمم القذائف على كل أحد وكل شيء، تبدأ المدافع بالقصف العشوائي لتقتل وترعب المدنيين كي ينقلبوا على المقاومة وينخرطوا في جيش لحد، لكن مع كل قذيفة أو طلقة، كان جدي يلتزم زاوية الغرفة مع سيجارة اللف وصمت يحمل في طياته سنواته الستين تحت نير الحروب والاحتلالات، حتى أصبحت حدثاً عادياً في حياته، يلتزم الزاوية إلى أن ينتهي القصف، يقف على قدميه ويشعل سيجارة جديدة يلعن فيها ظلم القدر مكملاً نهاره، هذه كانت طفولتي المنزلية، طبعاً مع لعبة الجنود، حيث كنت العب دور المقاومة واقصفهم ببقايا اللوغو كي يسقطوا، أو ارسم علم إسرائيل لادوس عليه أنا وأخي، هذا عندما كنا في المنزل، أما المدرسة، فحكاية تختصر بحكاية زينب، من يذكر زينب والباص المشظى؟ تلك الطفلة التي قتلت ورفاقها وهم متجهون إلى مدرستهم، حكاية بداية القصف الهرع إلى الملجأ بسرعة إلى حين وصول الأهل وردنا إلى المنزل أو مكان النزوح، هكذا ينتهي يومٌ مدرسي قبل أوانه، عدا عن ذكريات حرب عناقيد الغضب في نيسان ١٩٩٦، واعتذر لأني لم أكن واعياً كفاية عام ١٩٩٣ كي اتحدث عنها، لكن ١٩٩٦ أذكره يوماً بيوم، كانت أول مرة أخرج فيها من بيتي إلى بيروت، وشاء القدر أن يؤلمني أسناني في مكان النزوح، وفي عز الحرب خرج ابي باحثاً عن طبيب يقلع الضرس كي لا يزيد على ألم التهجير الماً جديداً، كان يطمئنني أن ألم أسناني سيزول قريباً، وسنعود إلى المنزل والجنوب، وبالفعل عدنا، حينها لم أكن أعرف غير كرتي وألعابي، لم أعرف أن الحرب توقفت بعد مجزرة قانا لأني كنت ممنوع من مشاهدة المجزرة أصلاً، ولم أفهم إتفاق نيسان أو مساعي الحريري وقتها، كنت صغيراً بما يكفي كي أغني “اللي مكتوب بحبر الدم انكتب” وأرفض إسرائيل كما عملائها، خاصة من كنت أراهم أمامي بشكل يومي وما زلت أرى البعض منهم، لكن للمفارقة، اليوم، هذا البعض يكاد يزايد علي وعلى الأخرين في الوطنية والدفاع عن المقاومة، متناسياً أنه السبب في تدمير طفولة كثر وتيتم أكثر، عن تدمير بيوت ومحال، عن حرمان الام، الزوجة والبنت من زوجها…

 

   عن ما ساحكي أو عن ماذا، في بحر أي ذكريات أغوص ولماذا؟ في جعبتي الكثير الكثير من الخبريات، كنت أدونها كي تبقى لي ذكرى، لم أعرف يوماً أن ذكرياتي الشخصية والتي أتشاركها مع جيراني وأصحابي الجنوبيين، ستتعدى طابعها الشخصي لتشكل عصب مادة سياسية، جدي الذي شهد التحرير وهلل مكبراً يوم إقتحام موقع عرمتى مع ابي توفى، لعله كان سيفعل المثل اليوم، كان ليشعل سيجارته ويلعن ظلم القدر من جديد، أو يتمنى الموت لشدة الأسى، عملاء لحد احرار بلا حسيب أو رقيب، وأمسوا جزءًا من معادلة ٦ و ٦ مكرر، عميل من عنا وعميل من عندكم، ما حدا أحسن من حدا، ذكرياتي تحمل الكثير من مشاهد الحرمان والدم وأصوات الرصاص، ثقافتي الموسيقية هي أنغام الرصاص وغارات الطيران الوهمي، مترافقة بدقات من صواريخ الطائرات، لكنها تحمل صورة رجال مجهولين، لم أعرفهم إلا عندما كانت أمي من على سجادة صلاتها ترفع يديها بالدعاء، أو عيناي جدتي عند بشارة أي عملية أو نصر، عرفتهم أكثر في تموز ٢٠٠٦ وربما عن قرب، عرفت أن لهم أسماء غير “الشباب” أو “المقاومة”، عرفت أن قائدهم إسمه عماد مغنية وهو من كان خلف دحر الاسرائيلين، عرفتهم في فيديوهات وصاياهم، وكم انصدمت عند رؤية وصايا أناس منهم كانوا يمرون بدل المرة عشرات المرات من أمامي في كل يوم، كانوا أناس عاديين لا تعرفهم، العمار والنجار والحداد والميكانيكي في النهار، هو ذاته من يعمر الدشم ليتحصن فيها المقاومون والنجار هو من يصنع من الشجرة كراسي يجلسون عليها، أما الحداد فهو من يصلح درعهم وسلاحهم، ليكون الميكانيكي مسؤول عن تجهيز السيارات التي تقلهم نحو العملية، العملية الاستشهادية، لا أدري، موضوع العملاء أشبع تحليلاً وغوصاً في السياسة، أعطي بدل المبرر ألفاً، تارة بسبب السياسة وطوراً بسبب السلم الأهلي، مع أن العملاء أعظم خطر يهدده، لكن، تكفي دمعة أم أو إبنة شهيد، حرقة قلب أمه أو زوجته لتغطي على ألف مقابلة وتحليل وتصريح غاضب، لا أدري، لا أدري..هل من يفرج عن العملاء، قادر أيضاً على إعادة من استشهدوا؟ أو التخفيف عن جراحات الجرحى والتعويض عن عذابات الأسرى؟ هل يقدر؟ أيقدر على أن يعيد طفولة مفقودة؟ إذا ما أراد إبن أحد الشهداء أخذ القصاص من أي عميل مفرج عنه كرمى لشهادة والده، هل سيسجن ويحاسب؟ لا أدري.

تجدني هنا :

صفحة المدونة على الفايسبوك : لبناني 

نغرد هنا : مدونة لبناني – أحمد م. ياسين 

تعليقات
  1. هيهات ما كانت وما أصبحت عليه.
    المقاومة اليوم أشبه بأي ميليشيا طائفية لبنانية لا هم لها سوى المحافظة على وجودها السياسي والدفاع عن النظام وسلاحها وقتل غيرها مدعومة بإرتباط عميق مع دولة أجنبية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s