أحمد م. ياسين

   إختياري للعنوان أتى ليتشابه مع عناوين نسمعها كثيراً منذ أكثر من عام، الربيع الشيوعي، أو إعادة الحزب العجوز إلى مرحلة الشباب بما أننا اليوم بأمس الحاجة إليه وإلى جميع القوى التي تؤمن بعدم حصر نفسها في قيودٍ طائفية أو مذهبية أو منطقية، قوى تستطيع أن تخرق الاصطفاف العامودي الحاصل في البلد منذ ٢٠٠٥ إلى الأن، لكن قبل أن تلعب هذه القوى دوراً كهذا، يجب عليها أن تكون بحجم الدور، وأن تكون قادرة جدياً على إحداث تغيير أو اقله محاولة تخرق جدار الفتنة، فهل يقدر الشيوعي على فعل ذلك؟

 

   ساحاول قدر المستطاع أن استخدم لهجة بعيدة عن التعابير الكلاسيكية الجامدة وان انقل ما يتمناه كثر وأنا أولهم مع أني خارج التنظيم، وربما ألام على ذلك، أي التنظير أو النقد بينما أجلس خارجاً بدل أن أكون في داخل التنظيم وأحاول التغيير ضمن الاطر الطبيعية والتنظيمية، لكن لما أنا خارج التنظيم؟ لسبب بسيط، لأني مؤمن بالقدرة على التغيير والتطوير من الخارج كما الداخل، وبأن النقد هو الوسيلة الأمثل للوصول إلى النجاح المنشود، طبعاً إذا ما كان نقداً بناءً مبنياً على أسس سليمة، لا مجرد نقد بهدف التهديم، ماذا لو كنت في داخل التنظيم؟ ما كان ليتغير؟ أليس الحزب بحاجة إلى ربيع ضروري اليوم عله يحافظ على مبادئ لطالما نادى بها وهي مهددة بالانقراض في ظل الاصطفاف الطائفي والعامودي بين فريقين يختلفان في الظاهر، ويتفقان في الباطن على تكريس سيطرتهم على الدولة ومفاصلها، أين الحزب الشيوعي من هذا؟ أين هو على الساحة؟

   ببساطة، واجه الحزب  حرب إلغاء وتهشيم معروفة بعد إنهيار الاتحاد السوفياتي على يد السوريين وأعوانهم في الداخل، فاقصي عن التمثيل بفعل قوانين الانتخاب المفصلة مسبقاً على قياس الحلفاء -حلفاء سوريا-، وضيق عليه من قبل الأجهزة الأمنية فلوحق ناشطوه من ما إضطر معظمهم إلى الهجرة، وطبعاً في ظل العجز الحزبي، معظمهم هاجر إلى احزاب أخرى يجد فيها مستقبلاً سياسياً له، هذا في التاريخ، أما اليوم، فتحقق هدف من أراد إلغاء الحزب، الحزب اليوم عاجز حتى عن فرض نفسه في الشارع إلا من خلال الحركات النقابية وخاصة المعلمين، بينما يستطيع أصغر بلطجي أن يرغم  الدولة على الانصياع وتنفيذ مطالبه، لا ادعو هنا الحزبيين إلى شهر أو حمل السلاح في وجه الدولة، بل إلى الاعتصام وقطع الطرقات ولو سلمياً إلى حين تحقيق مطلب من مطالبهم، وللمفارقة، لم تكن مطالب الحزب كما انصاره أو حتى المنكفئين عنه مطالب غير محقة، من إنتخابات بقانون عادل، إلى الدفاع عن حقوق العمال والفقراء مهما كانت اطيافهم حتى وإن لم يشاركوا هم، أي العمال، مروراً بأسعار المحروقات ورفض الضرائب الغير مبررة، إضافة إلى رفض تحويل العمالة من تهمة خيانة عظمى إلى وجهة نظر وجزء من معادلة ال ٦ و ٦ مكرر، لكن، هل إستطاع الحزب أن يغير منها شيئاً؟

    طبيعي، لن يستطيع الحزب أن يغير أي شيء في ليلة وضحاها، فهو يواجه نظاماً أقل ما يوصف به هو المافيوي المتامر على مصلحة المواطنين حتى من هم معه، يرضيهم بمكاسب انية في مقابل مكاسب جمة تحصل عليها الطبقة السياسية المسيطرة، إن موالاة أو معارضة، فتغيير هكذا واقع يحتاج إلى مدة زمنية وعمل متواصل بهدف التوعية يترافق مع تحركات رافضة لمجرد السكوت عن تمرير هكذا مشاريع، ابرزها العمالة وتبسيطها، وكي يقوم الحزب بذلك، ألا يحتاج أن يكون قوياً؟ كيف يكون الحزب قادراً قوياً؟، إذاً، الحزب الشيوعي ليس بالشرط حزباً أو تشكيلاً يضم تحت لوائه أعضاء منتسبين، فهو من الأحزاب القلة التي تمثل من خارجها أكثر حتى من ما تمثل من فيها، فمن المفترض به بما يحمل من مبادئ وأفكار أن يمثل الفقير، العامل، النجار، الفران، الحداد، المقاوم، القضية، المرأة وحتى الطفل في حقوقه من حيث البناء المجتمعي وهذا يرتب مسؤولية كبيرة على الحزب تتعدى الزواريب التنظيمية لتشمل المجتمع بكامله، مجدداً يأتي السؤال، هل يقدر الحزب على لعب مثل هذا الدور؟ الجواب أسهل من السؤال حتى، نعم، يقدر وبقوة شرط أن يخرج من عزلته ويكسر الستاتيكية والجمود السائدين في ادائه، كيف ذلك؟

 

   تحقيق ذلك، من منظور مراقب من الخارج، يتم عبر تحقيق نقلة نوعية تطال الحزب بقيادته وهيئاته وتنظيمه حتى تصل إلى نقاش الأفكار والخطط، و كما يعلم الحزبيون أنهم على باب مؤتمر قريب ستحصل فيه إنتخابات، برأيي هي البوابة الأمثل للتغيير إذا ما ارادت القيادة أولاً، والمنكفئون ثانياً إرجاع الحزب إلى دوره وجعله على مستوى التحديات، وأنا واثق من أنهم يريدون ذلك، فالحفاظ على الحزب لا يتم من خلال التجميد والإقصاء والإبعاد، وهنا أقصد نهج القيادة المتبع مع المعارضين، فإن لم تسطيع قيادة أن تتحاور مع معارضيها وتقبلهم وصولاً إلى إستيعابهم ضمن أطرها الحزبية، فكيف لها أن تتحاور مع المجتمع وأن تحدث تبديلاً ما؟ مع العلم، أن معظم هؤلاء المبعدون، أو من إبتعد بارادته عن الحزب يخاف على مصلحته مثل ما تخاف القيادة ولربما أكثر، وللاسف معظمهم من الشباب الواعد والناشط والمشارك في المناسبات أو الاعتصامات الحزبية أو المدعومة من قبل الحزب على الرغم من اقصائه أو ابتعاده الاختياري، لا تتحمل القيادة وحدها المسؤولية، بل أيضاً يساهم المناصرون أو المنظمون في ذلك بسبب سكوتهم عن التجاوزات، كما يتحمل المبعدون جزءًا من المسؤولية لا يستهان به، وذلك بسبب عدم الضغط في كل مرة ومناسبة على القيادة كي تستمع لهم، أو حتى في عدم المبادرة إلى صياغة أفكار تستطيع أن تكون أساساً يجمع أطياف الحزب الشيوعي سوية، ربما سيبادر احدهم بالقول أن هذا من واجب القيادة، فهي من يجب عليه أن يجمع ويتقبل المعارضين، لنفترض أن هذا صحيح وهو كذلك، والقيادة لم تفعل، إذاً ماذا؟ نسكت ونرضى ويضيع أو يغرق الحزب، أم نسعى بشتى الوسائل إلى انقاذه؟ برأيي، و خاصة اليوم، مع إشتعال الثورات وهنا لا أناقش الثورات، وإستيقاظ الشعوب، العالم العربي وطبعاً لبنان من ضمنه مهدد من قبل قوى التطرف والفتنة، إعتماد سياسة النأي بالنفس، أو “حيد عن ضهري بسيطة” لا يمثل الحزب الشيوعي ولا ينفعه، على القيادة في مؤتمرها الجديد أن تعيد من أقصي كي ينتخب، وعلى من أقصي إذا ما عاد أن ينتخب على أساس برنامج وخطط نهضوية تخدم الحزب، لا على أساس حسابات أو أخذ بالثأر، هل ستقبل القيادة بإعادة المبعدين؟ أم أن المؤتمر سيكون كما المؤتمرات السابقة، مجرد إجتماع شكل وقيادة بالتزكية، أو منافسة شكلية؟ إعادة المبعدين هو الخطوة الاولى، كي يعود المبتعدون إلى الحزب وأن لا يكتفوا بالتنظير من الخارج المترافق مع حسرة على التاريخ وأمل بتحرك لن يأتي طالما أنه لن ولم يصنع، الانتخابات في المؤتمر هي أولى شرارات الربيع الشيوعي، ربيع الحزب العريق، كي لا يبقى عجوزاً يتكئ على صفحات كتاب التاريخ، ويتحول ليكون فتياً على رغم من كبر سنه.

    تعمدت أن اكتب هذه التدوينة بلغة بسيطة ومباشرة تنقل ما أفكر فيه كمبتعد عن الحزب لا مبعد، وأن تكون رسالة إلى القيادة التي احترم، لأني على يقين، أنها لو خسرت في إنتخابات ديمقراطية ستسلم القيادة إلى الفائز وتعود عناصر عادية تخدم الفقير والعامل قبل نفسها، ألا يستحق الشباب الواعد ربيعاً في حزبهم؟ أما أن الأوان للقيادات القديمة والحالية أن تساهم في نهضة الحزب ونقله من العزلة والستاتيكية إلى التقدم و التطوير؟ البيانات وحدها لا تكفي، الاعتصامات أو الذكرى السنوية وحدها لا تكفي، الحزب ليس قوياً مادياً مقارنة بالأحزاب الطائفية أو المحسوبة على أطراف السلطة، لكنه قادر على أن يكون قوياً شعبياً، ونحن على أبواب إنتخابات برلمانية في ٢٠١٣، طبعاً مهما كان القانون، فإنه لن يخدم سوى أطراف السلطة كي يحافظوا على مكتسباتهم وحصصهم، لكن الترشح في وجههم ولو أن الخسارة هي أبرز إحتمال واجب كي يحس الناس أن هناك من يقف ويحتج على غلاء الأسعار، أو إنتشار السلاح أو إلخ من المشاكل اليومية التي ينوء تحتها المواطن، بينما إذا ما قوطعت الانتخابات، فقوى الحكم لن تتضرر أبداً، بل المتضرر الوحيد هو الحزب الشيوعي الذي سيخسر المزيد والمزيد من ناشطيه المتململين من الأداء السائد، وسيخسر أيضاً فرصة ضم وجوه جديدة وبناء قاعدة جديدة، عزل الحزب عن محيطه هو بمثابة الانتحار البطيء، حتى يصل المطاف بأحد الأشخاص ليسأل “بعد في حزب شيوعي”؟ أو “إكرام الميت دفنه”، فلنتعاون سوياً لنشفي الحزب الشيوعي، قبل أن يموت وتصح مقولة إكرام الميت دفنه، ربما تحمل تدوينتي العديد من المغالطات أو الأخطاء، لكنها ورقة للنقاش، قبل المؤتمر، لعل وعسى، نرى ربيعاً شيوعياً يمحو خيبات السنين التي مرت.

تعليقات
  1. غير معروف قال:

    يالي جرب المجرب عقله مخرب

  2. هذه الأحزاب ذات الأفكار الإيديولوجية كما القومية منها قد ماتت منذ زمن. ليس لأن هذا التنظيم أو ذاك هو فاشل أم لا، بل لأننه ببساطة الإيديولوجية بذاتها ما عادت ملائمة مع هذا الزمن لأن كل فكر يظن نفسه مالكاً للحقيقة المطلقة ما هو إلا ديكتاتوري بشكل أو يآخر.

    الإيديولوجيا وأحزابها صاروا من الماضي وليس عبثاً أن ترى أن كل الأحزاب ذات نفس النمط التفكيري هذا هي في إضمحلال في كل مكان.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s