أحمد م. ياسين

    استمر في تصفح ذكرياتي وكأنها كانت البارحة، ذكريات ثقيلة قلة من عاشوها وعاصروها، ذكريات طفل جنوبي وحكايات خوف ممزوج بالاصرار والصمود، ولو أن الطفل لا يفقه معنى هذا الكلام، لكن الواقع الأكيد، أنه أحس به وتربى عليه، أظن أن من حق أبناء جيلي وحقي أيضاً، أن يعرف الجميع كيف قضينا طفولتنا، وأين كانت ملاعبنا، أحلامنا؟ أقصى طموحاتنا؟ ماذا علمنا الخوف وعلى ما نشأنا، طفولة وسن مراهقة استثنائية، تحت الاحتلال..

   لم تكن طفولتي مأسوية إلى درجة ما تصور الوثائقيات، ولا مليئة بالدموع كما تظهر  كتب كثر  تحدثت عن الجنوب إبان الاحتلال، ولو أن مشاهد الموت والمجازر كانت تكاد لا تفارق يومياتي حينها ولا أخفي أنها ما زالت حتى اليوم تخلف في أثراً لن يمحى مهما مضى على اندحار العدو من زمن، لكن هذه المشاهد ليست وحدها، بل تختلط بمشاهد جنوبية كانت ولا زالت، مثل المرأة الجالسة خلف تنورها تخبز وتبيع لجيرانها، أذكرها جيداً كانت جارتنا، تخبز في الصباح لتنتهي عند التاسعة، وتتوجه إلى حقلها القريب، كي تزرع أو تحصد ما زرعت، تمهيداً لبيعه أيضاً، كل ذلك كي تربي اولادها الخمسة في ظل غياب والدهم الاجباري، فقد كان الوالد معتقلاً في الخيام، واستطاعت “أم علي” أن تبني من خلف تنورها وعرقها في حقلها بيوتاً لابنائها ومحلاً كل ما مررت من جانبه اليوم، ابتسم إفتخاراً بنساء الجنوب، من ارضعوا ابناءهم الحرية و الصمود منذ الصغر،  ليست هي المشهد الوحيد العالق في دفتر ذكرياتي، بل تأتي مشاهد أخرى، كاول يوم سمعت فيه قذيفة وأدركت أنها قذيفة، كانت وقتها من العيار الخفيف، رميت من موقع “السويداء” على بيت جيراننا في الضيعة كي يرعب اللحديون أهل الحي، لم يسقط أي ضحية وقتها، بل علا صراخ أمي فور خروجي مسرعاً كي أرى القذيفة، خافت أن يقصفونا بواحدة أخرى، واجبرتني على العودة إلى داخل المنزل، حينها بدأ إطلاق نار كثيف على الحي، لنعرف بعدها أن إبن جيراننا كان ضمن المقاومين الذين نفذوا عملية على موقع “الدبشة” القريب وسقط شهيداً، فامطر اللحديون والاسرائيليون منزل أهله بالقذائف والرصاص، قبل أن يشرف ظابط إسرائيلي شخصياً على هدمه، فهدم البيت أمام مرأى السكان، كي يكون، بنظر الاسرائيلي عبرة لمن يعتبر، أو يفكر حتى في أن يكون “مخرباً”.

By Hana Yassine Photography – Mleeta

    تهدم البيت وتشرد أهل الشهيد فكانوا عبرة للجميع، هذا ما ظنه الاسرائيليون، لم يعرفوا أن أهل الشهيد وإن هدم بيتهم، فهم يملكون بيوت الضيعة كلها، حال الضيعة كحال الضيع المجاورة، ولم يكونوا العائلة الوحيدة التي خسرت مسكنها، فاستضافهم أحد أبناء القرية في منزله قبل أن ينزل الشباب وتبدأ عملية إعادة اعمار ما تهدم، رفعوا أنقاض البيت -ولا زلت احتفظ بحجر منه، لم أعرف وقتها قيمته، لكن اليوم أعي جيداً ما يعنيه هذا الحجر لي- وما هي إلا اسابيع قليلة، حتى عاد البيت إلى مكانه والعائلة إلى مسكنها، هكذا كان الطابع الجنوبي إبان الاحتلال، قلب واحد ويد واحدة، كالجسد الواحد، إن مرض فيه عضو، تداعت كل الأعضاء إلى السهر عليه، إستطاع الجنوبيون أن يتوحدوا تحت نير الاحتلال رغم إختلاف طوائفهم ومذاهبهم وحتى أفكارهم، فاتفقوا على الصمود ودعم المقاومة التي تحميهم وتدافع عنهم، ففي كل مرة كانت تؤذي إسرائيل الجنوبيين أكثر، وذلك للضغط عليهم وتقليب موقفهم من المقاومة، ازدادوا إصراراً وتمسكاً بها، وكيف لا يتمسكون بها؟ أتكلم عن المقاومة أو المقاومين وكأنهم جسمٌ أو كائنٌ غريب، هذا لأني لم أرهم يوماً بعتادهم إلا أيام التحرير عام ٢٠٠٠، لطالما ظننت أنهم أناس من كوكب أخر، لا يفعلون شيئاً سوى القتال في الليل، والتخطيط في النهار، قبل أن يظهر العكس، المقاومون هم نحن، أخي وعمي وابي وجاري، صاحب الدكان الذي أراه في كل يوم، الفران، وأشخاصٌ لم أكن لاتصور أنهم من يصنع النصر، ومن يقاتل في الخفاء حفاظاً على الكرامة، المقاومون هم أبناء الجنوب، ليسوا هجيناً أو مرتزقة، يعرفون بعضهم جيداً وشيفرتهم ليست كالتي نشاهدها في أفلام الآكشن المستوردة، شيفرتهم لهجتهم الجنوبية، كأن ينصبوا كميناً بين “البلانات”، أو أن ينقلوا “المصطبة” من تحت العريشة إلى داخل الدار، فقد بدء فصل الشتاء، هذه العبارات حيرت الاسرائيلي ومخابراته وصولاً إلى عملائه، استذكر هنا حادثة طريفة هي حادثة “المصطبة” ذاتها كان يرويها لنا أحد المقاومين، جرت المحادثة المذكورة بين مقاومين على أجهزة اللاسلكي المراقبة في وقتها، لم يعلموا حينها ما يجري، لكن بعد أقل من ساعة، إنتشر الصهاينة وعملاؤهم على مداخل القرية وفي البساتين والحقول، مدققين بهويات الداخل والخارج، استمروا على هذه الحال ٣ أيامٍ متواصلة، دون أن يعرف جهاز المقاومة لماذا، قبل أن يدركوا السبب، سبب كل ذلك كان “المصطبة” يقول المقاوم ضاحكاً، طبعاً هنا يحضر السؤال، “المصطبة”؟، يجيب مبتسماً، “هيدا كرار كان عم يحدث بلال على اللاسلكي، وكرار بيته بالضيعة فيه عريشة، وتحتها مصطبة ثقيلة نوعاً ما، كان عم يطلب من بلال أن يساعده في نقلها بعد إنتهاء المهمة إذا أمكن، قبل أن تمطر عليها السماء، فالاسرائيلي يجهل ما يقصدون، ظن أن المحادثة شيفرة والمقصود بالمصطبة يعني السلاح ونقلها من تحت العريشة أي من البستان، إلى داخل الدار أي إلى مركز المقاومة، هذا ما ظنه الاسرائيلي وبقي مع عملائه طول ٣ أيام متأهبين مستنفرين، ونحن لا نعلم شيئاً” يكمل ضاحكاً، لا شك أنها لم تكن الحادثة الوحيدة التي يرويها المقاومون، بل أخبار وأخبار تنفع أن تكتب كتباً وتعرض أفلاماً ومسلسلات كما يجري اليوم، تستمر المشاهد، لاستذكر سيجارة جدي وغليونه، سلاح صموده الوحيد في حينها، كان لجدي صديق، أو بالأحرى صديق طاولة الزهر والقهوة، عاشا سوياً مرحلة الاستقلال إلى الحروب الأهلية والخارجية، هذا الصديق، توفي قبل التحرير بسنة، أي ١٩٩٩، واختفت الابتسامة عن محيا جدي، إلى أن هلل وإبتسم يوم التحرير، عرفت معنى الحرية يومها، معنى صورة الحمامة التي تحمل في فمها غصن زيتون وتطير عالياً كاسرة القيود، كان جدي هو الحمامة، وكانوا الشباب الذين دخلوا المناطق المحتلة حتى قبل أن يخرج منها الاسرائيلي، ليثبتوا أن المقاومة هي القوة الوحيدة التي تذل، واذلت إسرائيل وجبروتها، جولة واحدة في الجنوب أو على المواقع المحتلة سابقاً تكفي، مواقع تجثم على صدر الجبال و تشرف على القرى والمدن، يستحيل الوصول إليها إلا بصعوبة بالغة، يعني، إذا ما اردنا أن نجرب ذلك مشياً، سيبصرونا  المتحصن في تلك المواقع، تقف أمامها مصدوماً، أمام المواقع التي أخافتني مذ أن كنت طفلاً، “السويداء”، “الزفاتة”، “علي الطاهر”، “الدبشة” وغيرها وغيرها، تقف أمام موقع قلعة الشقيف، تتأمل بناءها، تبتسم دون أن تقصد إبتسامة المذهول والمتعجب من قدرات هؤلاء الشباب، بالفعل، عملياتهم كما التحرير، معجزة لا يفعلها الا أشخاص استثنائيون.

By Hana Yassine Photography

   أجلس وأقلب صفحات دفاتر الذاكرة، من طفولة إلى مراهقة إلى اليوم، لا أرى فيها إلا مشاهد بارزة لهم، وصوراً مبعثرة أحاول تجميعها وتركيبها كي يصبحوا مادة كتابة قيمة بحجم انجازاتهم، قبل أن يعود الواقع بي إلى اليوم وما يواجهونه، أقصد، ما يتعرضون له، هجوم ضارٍ من أطراف أصلاً لم تكن معهم ولم تعرفهم حتى أيام الاحتلال، لم تعايشهم أو تعايش أسباب ولادة حركتهم المقاومة، مع أن ألم الاحتلال أوجع لبنان كله، لكن بعض الساسة نسي ذلك، ربما لأنه كان خارج الوطن يوم احتل وانتهك، يهاجمون المقاومين وسلاحهم، تارة بمحاولة تحجيمه ليلبس لباساً طائفياً هو أكبر منه، وطوراً ليلبس ثوب الارهاب، وما أجمل الارهاب إن كان رمزاً للكرامة والانتصارات، لا يعرفون هؤلاء، أي المهاجمين، أن السلاح والمقاومين ليسوا إلا أناس عايشوا الظلم، والمظلوم لا يتراجع عن حقه مهما جرى، وما تهشيم المقاومة وصورها إلا أضغاث أحلام واهية، ينسجها البعض في رؤوسهم، وهي ليست الا أوهن من بيت العنكبوت، وأضعف من جناح بعوضة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s