أحمد م. ياسين

   شو يعني كهرباء؟، هذا السؤال لا يطرح إلا في لبنان، وجد حصرياً كي يكون لبناني الطرح، مثل الديمقراطية التوافقية، النسبية “النسبية”، الأمن “بالتراضي” أو غيرها من البدع اللبنانية  التي وجدت لتغطية فشل الطبقة الحاكمة و سرقتها للشعب، والكهرباء، حالها حال أي مؤسسة في لبنان، تعد من الكماليات التي لا حاجة إليها كفقرة في برنامج ترشح أي مرشح، لديه ما يكفيه من طائفية ومذهبية.

      عند سرد أي قصة، عادة ما يقوم الكاتب بوصف المشهد العام من زمان ومكان وعقدة يصل من بعدها إلى الحل، لكني لن أسرد أي قصة هنا، بل أصف واقعاً مؤسف، وللمصادفة، أصفه و الكهرباء مقطوعة، أجلس في غرفتي دون ضوء غير ضوء الشاشة وشمعة صغيرة، طبعاً حر الطقس لا يطاق وقد أمسى المكيف اكسسواراً معلقاً على الحائط مثل اللوحات والتلفاز الذي بنى عليه العنكبوت بيته، الكهرباء في لبنان من الكماليات، لطالما كانت كذلك وفي عهد كل الحكومات المتعاقبة، ليس في عهد حكومة “كلنا للفشل” فقط، بل حكومات الحريري ورجاله، أو سوريا وازلامها، مشكلة البلد الذي انفاق ١٢ مليار دولارٍ على قطاع كلف العراق وأفغانستان معاً ٥ مليار دولار، مع أن لبنان يعادل في الحجم حياً من أحياء بغداد أو البصرة، لكن جيوب مسؤوليه أوسع من حدود العراق وممتدة عمقاً أكثر من جبال أفغانستان واراضيها، فكما يقول المثل “بروح الشبعان وبيجي الجوعان”، ويتداور أصحاب السلطة على تناتش المغانم الكهربائية كل في دوره، ليتوزع دم المؤسسة بين الوزراء، وتكون المؤسسة الفقيدة ضحية أكثر من جلاد وسفاح فتضيع المسؤولية بينهم ولا يلام على فساده أحد.

      مؤسسة كهرباء لبنان، مغارة علي بابا، كنز الكتل، أسماء تطلق على المكان المفترض فيه أن يكون مصدر إنارة البلد وأساس من أسس اقتصاده، بينما فعلياً هي ليست إلا مبنى فارغ من كل شيء إلا الموظفين والمحسوبيات، وهي إسم مجرد من المضمون، فبدل كهرباء لبنان، يستحسن أن تسمى عوجاء لبنان، وبدل أن تكون مغارة للسرقة، يجدر بها أن تكون كهفاً مظلماً كحال القرى والمدن إذا ما استثنينا بيروت الادارية وبيوت المسؤولين، فيحق للمسؤول ما لا يحق لغيره، هو يتنعم بالكهرباء ومعه السفرات الأجنبية والسياح، بينما يكتوي المواطن بحر الطقس والفواتير في أنٍ معاً، فواتير المؤسسة العتيدة، وفواتير الموتورات المجيدة، يذهب الجابي الأول، ويأتي الجابي الثاني فيما تغيب الكهرباء، فبدل توطين المعاش في البنك، سيوطن المواطن معاشه عند أصحاب الاشتراكات والموتورات كي يوفر كمالية يفترض أنها أبسط حق يمكن تأمينه في أي بلد من بلدان العالم الأول والثالث والعاشر حتى، أي بلد لا يغذي مناطقه بالكهرباء ٢٤/٢٤ و-٢٤/٧ غير لبنان؟

     لن أطيل الكلام كثيراً، فهو ليس كلاماً جديداً ولا موضوعاً أنياً، بل مشكلة يعاني منها لبنان منذ أكثر من ٢٠ عاماً، لكن الجديد فيها هو ترديها وإزدياد السوء فيها يوماً بعد يوم، شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة، مع كل مسؤول أو وزير جديد، يعود الحديث عن خطة جديدة بعدما يكون سلفه قد أعد خطة أيضاً وكلفت الدولة ما كلفت، يأتي العتيد الجديد، يرميها ويبدء واحدة أخرى تكلف الدولة هي أيضاً مبالغ طائلة دونما حل أو تغيير ملموس، غير إزدياد ساعة التقنين، حتى وصلنا إلى مرحلة التقنين على التقنين المقنن أصلاً، والمشكلة ليست مشكلة وزير بعقلية ولد يعاند الوطن فقط، أو مشكلة تيار يعاني عقد نفسية يحاول تفجيرها بين الحين والأخر، المشكلة مشكلة العقلية اللبنانية السائدة، أي التوريث والحسابات الانتخابية، هل هناك من يقنعني أن ليس في التيار البرتقالي مهندسٌ غير جبران باسيل المتنقل بين الوزارات؟ وهل هناك من يقنعني أن المشكلة بدأت في عهد الباسيل نفسه؟ طبعاً لا، لكن الفرق، أن باسيل كما تياره، حمل شعارات أكبر منه فسقطت على رأسه مع أنه إستطاع أن يحصل على تمويل المشروع الذي طرحه ولم ينفذه، أين ذهب المال؟ لا أدري ولا أحد يدري أصلاً، أين أصبحت البواخر؟ المعامل الجديدة؟ النقلة النوعية في ساعات التغذية؟

      حل لمسألة الكهرباء، عنوان جميل، لكن رأيي وربما رأي كثر أيضاً، أنه ليس لهذه المشكلة من حل طالما أنها والامور الحياتية، من غلاء أسعار المحروقات إلى حمية رغيف الخبز الغذائية والهجرة و و إلخ ليست أولوية لدى المواطن، فهو اليوم، بدلاً من انشغاله في الدفاع عن أو تحصيل هكذا مطالب، ينصرف بفعل جهود أصحاب القرار “السارقين ذاتهم”، إلى تربية الحقد المذهبي في نفسه وأولاده، إلى التفريق بينه وبين غيره خدمة للمسؤول ودفاعاً عن كرسيه المقدس، شعب ينشغل بطائفيته وتبعيته، بطبيعة الحال لن يفكر أو يجد وقتاً كي يفكر في نفسه، ينسى أن إنقطاع الكهرباء لا يميز بين الطوائف، ينسى أن رغيف الخبز وأسعار المحروقات تجمع بين شرائح المجتمع أكثر من خطاب بالٍ أو طاولة حوار  للصورة، ينسى نفسه عندما يتظاهر لتحصيل كرسي في الحكومة ويعتصم، يغيب عن باله معاركه واشتباكاته لاجل زعيم ليس في لبنان أصلاً، هو يغضب، بينما الزعيم يجلس في قصره العاجي يراقب كي يفاوض، ينسى أن بلده يعاني، فيتضامن مع الجميع من المحيط إلى الخليج، مشكلته، أنه ينسى، ونسيانه يغيبه عن الوعي فيسرق من يسرق، ويقتل من يقتل، بينما هو في سباتٍ عميق، لا يعرف أحد متى ينتهي.

صفحة المدونة على الفايسبوك : لبناني 

نغرد هنا : مدونة لبناني – أحمد م. ياسين 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s