أحمد م. ياسين

تتسارع الأحداث في عالمنا العربي كل يوم وبوتيرة متسارعة، فلا يكاد يمضي الحدث الأول، ربما تفجير أو إنقلاب، حتى يأتي الحدث الثاني ويقلب الأول رأساً على عقب، هكذا يعيش العرب منذ سنة ونيف، أي منذ أن أحرق البو عزيزي نفسه مشعلاً ثورة تونس الممتدة إلى أقطار العالم العربي الحالم بالحرية، حرية يجهلها وقد أتقن العيش في ظل أنظمة الطوارئ.

إمتد حريق البو عزيزي ليحرق عروش أنظمة تجاوزت العشرين عاماً في الحكم، لتؤذن بغد جديد مجهول للشعب، وللمحيط، قبل أن ينقشع غباره على نتائج إنتخابات حملت معها القوى الاسلامية وسلمتها مقاليد الحكم في كل من مصر وتونس وليبيا وهي التي كانت حتى الأمس القريب قوى محظورة وممنوعة من الحراك أو العمل التنظيمي، طبعاً اختارها الشعب ديمقراطياً، قبل أن تدخله في نفق أسود يترحم فيه على ما قبل الثورات، فحاصر المرأة وقيد الحريات معيداً العالم العربي إلى العصور الوسطى، فهو من غطى تماثيل الاسكندرية بحجة أنها أصنام، ولا نستبعد أن يغطي الأهرامات أيضاً أو يهدمها، وفي تونس، يطرح حزب “النهضة” مشروع قانون يسمح للرجل بإقتناء جارية إلى جانب زوجته، لتكون تونس فريدة من نوعها، فهي البلد الوحيد الذي تكون فيه النهضة رمزاً للتخلف ومحاصرة المرأة.

فبعد الربيع العربي، وبدل أن تكون الأنظمة هي ما يضحى به لاجل بناء وطن ديمقراطي حر، كانت المرأة الضحية فاقدة حريتها ومكانتها الانسانية، مع أنها كانت شريكاً أساسياً في الربيع الذي أوصل من يسجنها كانسانة اليوم إلى  الحكم، بعد أن كان مسجوناً وملاحقاً، هي من نامت في ميدان التحرير وضمدت جراح الثوار، لم تفرق بين إسلامي أو لبيرالي، بل ساعدت الجميع دون إستثناء، وهي أيضاً من صرخت في وجه نظام بن علي وساهمت في هروبه خارج تونس، كيف رد لها الربيع الجميل؟ مشهدها تسحل وتضرب من قبل العسكر المصري، وليس هذا فقط، بل تعرى على مرأى من العالم أجمع، لم يهتز جفن الاخوان إلا لما بان من جسدها، وبدل الدفاع عنها، لاموها لعدم ارتدائها شيئاً تحت العباءة، وكأنها تعلم أن الجيش الذي يدفن الثورة، سيسحلها بهذه الوحشية، كي يكملوا هم الدور، أي الاخوان والسلفيين، مصادرين حقها في إختيار ما ترتدي حتى وصل بهم الأمر، إلى نشر صور زوج المرشحات إلى مجلس الشعب، حرصاً على عدم إظهار عورتها، ووجهها، حتى عيونها في نظرهم عورة، وما العورات، إلا عورات الفكر.

لم يقف الاسلاميون في مصر عند هذا الحد، بل تخطوا حدود الانسانية والعقل وأبسط مبادئ الأخلاق، مناقشين قانون سمي ب”مضاجعة الوداع” يسمح للرجل أن يودع زوجته لمدة ٦ ساعات بعد موتها، للوهلة الاولى، يظن المرء أنها دعابة تلقى لتصف حال الاسلاميين، فيستخدم الملقي المبالغة، لكنها ليست كذلك، بل حقيقة، نعم، البرلمان المصري يناقش قانون “مضاجعة الوداع”، لكن ماذا عن رأي المرأة الميتة؟ هل تقبل؟ وإن ما قبلت ألا يعد هذا إغتصاباً؟ وفي حال وداع زوجها لها في الساعة السادسة من الساعات الست المسموحة، وتجاوز الوقت، هل يدخل في الحرام؟ انها اليوم اسئلة مشروعة في الربيع العربي، ربيع أول ما إنتصر في ليبيا، خطب رئيس مجلس ثوارها مصطفى عبد الجليل بالناس مباشراً بإلغاء قانون يمنع الرجل من تعداد زيجاته ويلزمه بالزواج مرة واحدة كان القذافي قد وضعه، كأن الثورة في ليبيا قامت كي يتزوج الرجل ٤، لا بسبب ظلم القذافي وخنقه للحريات، ومثل عبد الجليل فعل النهضة في تونس، تونس التي كانت تعد نفسها كي تكون الدولة العربية الاولى الرائدة في عالم إحترام المرأة وحقوقها من خلال القوانين والتشريعات، فمنع “النهضة” القانون المدني، ويبحث قانون إقتناء الرجل لجارية، ومن يعلم، ربما يبحث مستقبلاً في وئد البنات وتشريع جرائم الشرف، هذا حال نسائنا بعد الربيع العربي، فبدل أن ينالوا حريتهم، حكم عليهم بالسجن الظلامي.

لبنان وغيره من البلدان العربية ليس بمنأى عن إضطهاد المرأة، ففي لبنان تظلم المرأة أيضاً، إن من خلال حرمها من إعطاء جنسيتها لاولادها، أو من خلال عدم وجود تشريع يحميها من العنف الاسري ويكفل لها حق الدفاع عن نفسها، أو حتى بعدم حمايتها من الاغتصاب المكفول دستورياً في المادة ٥٢٢، المادة التي تحمي المغتصب وتشرع له إغتصاب من أراد، إن كانت قاصر أم لا، مادة شبيهة بالمادة ٣٠٨ في الدستور الاردني، والتي تراعي نفس المضمون أيضاً، من حيث تزويج المغتصب لضحيته لمدة لا تقل عن سنة إلا ٣ سنوات، و يعود السؤال ليطرح نفسه، أي ربيع هذا وأي حرية هذه وأي ديمقراطية؟

نعم، أي ربيع هذا الذي يدوس وروده بدل أن يسقيها لتنموا، أي ديمقراطية هذه التي تقيد حق المرأة، أو تصادر أبسط حقوقها كانسانة؟ أي حرية هذه التي تجعل منها سلعة يمتلكها الرجل ويبدلها متى ما أراد إن لم تعجبه؟ من قال، أو أي نظرية تجعل منه أفضل منها كي يمارس عليها العنف، أو يمنعها من ممارسة حقها في التعلم والعمل؟ ويبقى السؤال، هل الربيع العربي أتى ليكمل رقصة الموت على قبر حرية المرأة، أم هو بداية مخاض عسير لولادة حرية تحترم المرأة التي لا زالت تحلم بها؟

تعليقات
  1. mansour قال:

    كلام جمييــ ل يعطيك العافية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s