عناية رحلت؟

Posted: يوليو 22, 2012 by Ahmad M. Yassine in خربشات شخصية
الوسوم:

أحمد م. ياسين

  يقال، أن في الذاكرة محطات ترافق صاحبها مدى الحياة، و اللحظات التي نعيشها الآن، ستكون بعد قليل مادة دسمة تبتلعها الذاكرة لتبقى مخزونا” يغيّر أو بالحد الأدنى يساهم في تحولات حياتية تسمى “ما قبل و ما بعد”..

     في ذاكرتي وجه يأبى أن يتقاعد، ها قد لامس عدّاد السنوات عندي عامه الثاني على التحول و لا يزال الدفتر على ذات الصفحة التي تحوي محطات حياتي من طفولتي إلى ما قبل عامين، و سيكمل طالما أنه يحضرني كل صباح لأدندن أبيات الشوق، و اختـتمها بإبتسامة ممزوجة بدمع كالندى، يحي الشوق في قلب لم يجف فيه الفقد أصلا”.

    في صغري، كنت شقيا” دائم المشاكل حتى تكاد أيامي حينها لا تخلو من مشكل طفولي على كرة ضائعة أو لعبة مأخوذة، أو حتى إستفزاز من أحد أولاد عمّي، و نحن نعيش في مبنى واحد، فكانت عناية هي ملجأي الأخير، خاصة أّنّي كنت المذنب في أغلب الأحيان، فإلى أين يهرب الطفل الشقي غير حضن يحميه حتى لو كان مذنبا”؟ أو أيام العيد، كنت و أولاد عمّي نسابق الشمس فما إن تشرق، حتى ترانا مهرولين إلى منزلها لمعايدتها، طبعا”، ببراءة الأطفال، كان الهدف المرسوم هو العيدية المنتظرة و كانت هي تعرف ذلك و تبتسم لنا جميعا”، تعدّ العدّة للعيد قبل أسبوع كي لا تكسر صورة رسمتها في أذهان الأطفال، لم تكن متزوجة أو ترزق بطفل لكنها كانت أما” بكل ما للكلمة من معنى، أما” ليس لي فقط، بل لنا جميعا” –و هنا أقصدكم يا أولاد عمومتي و أصدقاء طفولتي-، أما في عيد ميلادي، فكنت أرصد الخبريات المتناقلة، أين هديتي؟ على ما سأحصل هذا العام؟ ثياب؟ لعبة أم مبلغ مادي؟ لكن هديتي كانت ترافق سنوات عمري، فكلما كبرت، كلما كبرت الهدية معي و بنيت على أساسها مشاريع تمتد لعيد مولدي التالي، عند بلوغي سنّ المراهقة بدأت الحيرة تنتابها، فأنا على أبواب الشباب و الرجولة و هي لا تعرف أي هدية ستلبي الطموحات المتوقعة لا سيما منها، فتتحايل عليّ لتحصل على جواب :”شو يا عمتي، شو بدك السنة؟” لا انكر أنّي كنت في طفولتي ذو جواب مباشر، أما في أواخر السنين معها، كان جوابي “سلامتك”، فتفهم هي أن المطلوب مادي و تعمم ذلك على الباقين، كأنها ميثاق بيني و بينها ممهور بالغمزة و لا حاجة للكلام فيه…

   ماذا عن المدرسة؟، كانت عناية أيضا” دافعا” مستمرا” للإقلاع من مرحلة علمية إلى أخرى، في حفلات التفوق كانت الحاضر الدائم إلى جانب أهلي، الحاضر المبتسم إبتسامة فخر، و الباكي، من مرحلة الإبتدائي إلى المتوسط و الثانوي و ما يتخللهما من دورات خارجية، تدعمني عندما أحبط بعبارات الثقة، عبارات أستعملها مع الكثير من أصدقائي اليوم، لطالما كررت على مسمعي “أنا عندي ثقة فيك، و مش بس ثقة، إيمان إنك فيك”، يوم كان والدي يعاقبني ساعة الفشل في حصد مركز، كانت هي تهاجمه دفاعا” عنّي هجوما” لا هوادة فيه، تطالبه بكف الضغط “و بلامركزّ ! رح يأخذ الموحدة أو يصير دكتور يعني! عم ينجح شو بدّك أكتر؟!”، كانت تفعل ذلك متعمدة على مرأى منّي كي تشعرني بحجم ثقتها و إيمانها بي، تسألني عن أحوالي العاطفية و تعطيني المواصفات التي هي تحبّ، تضحك و تهمس المواصفات بينما تنظر إلى فتاة لم ترق لها، و كما أذكر، لم يرق لها أي من إختياراتي، فقط لأنها كانت تصفني ب “الجهلان”، و بالفعل، كم كنت “جهلانا”” يومها، تارة أريد إحتراف الغناء، فتدعمني و تثني على صوتي مع أنه نشار صرف، و طورا” أتجه إلى الميل لإحتراف الكرة، تدعمني أيضا” مع أن لعبي سيء و لا يمت للكرة بصلة، كانت فقط تدعم و تدعم دونما مقابل، لم ترد شيئا” سوى أن أصل، لا أن أصل وحدي، بل أن نصل كلنا من كنّا بالأمس نطرق بابها يوم العيد، و كل يوم كي نجلس معها، كنت أهرب من البيت خلسة كي أسهر عندها و أنام، خوفا” من أن يدرك أهلي أنّي فعلتها و هربت، و إن أدركوا، فهي بالمرصاد..

    في بداية الشباب، كنت قد سلكت طريق الإلحاد في نوع من محاولة الإختلاف عن المحيط و البحث عن الذات تمهيدا” للوصول إلى قناعة خاصة، ممزوجا” بسياسة معادية تماما” لسياسة المجتمع، فأنتقد كل شيء فيه فقط لأنه فيه، هنا واجهت عناية صعوبة في التأقلم مع الشخصية الجديدة الطارئة المتقلبة، مرة مع و أخرى ضدّ، و هي تجاريني في كل مرّة و تنسجم مع موقفي المخالف لموقفها فقط لتدافع عنّي، حتى فاق إنسجامها في بعض الأحيان طباقه مع موقفها، فتهاجم هي و أدافع عنها أنا، و نضحك، نضحك فقط لأنه بعد قليل، سنتبادل الأدوار و تختتم هي الجولة مع الطرف الآخر بعبارة نبطانية عتيقة “شو بدنا فيهن مأزّعين الشوارب، آكلة تاكلن و تريحنا”..

  لم تزر عناية طبيبا” قط، و إن فعلت، فسيكون الطبيب ضحية كفرها بالطب و إستخفافها به، كان الطبيب مهما بلغ ذكائه في نظرها “حمار” لأنها لا تريد التقيد بأي من تعليماته، فهي “كلها مرّة اللي بدي عيشها، ليه بدّي عيشها على ذوق هيدا و هيداك”، كانت هذه فلسفتها، بسيطة و سهلة بقدر ما هي معقدة و صعبة، تحب الحياة، الطرب، الرقص، الرحلات، السياحة و كل ما يشتق عن الفرح و تسعى لبلوغه مع الجميع، فإن أرادت الذهاب إلى رحلة لبنانية الموقع، أو إلى “الست زينب” في دمشق، أخذت معها الجميع و إلا أخذت موقفا” إعتراضيا” إلى حين ذهاب الكل دونما إستثناء.

   كان لعناية مع الحروب أو من الحروب ككل جنوبي\ة حصّة، و آخرها تموز، كنّا معا” في المكان ذاته قبل أن تعود هي قبل إنتهاء الحرب بثلاث أيام إلى النبطية، دخلت حينها الجامعة و أصبحت في نظرها الباش مهندس فور دخولي، و قبل تخرّجي بكثير، تنتظر نتائجي و أخباري أولا” بأول، تسأل بالإهتمام و تتأمل بترقب و تحتفل بالنجاح معي، إحتفلت معي دائما” لكن!

   مرضت ذات يوم حتى بلغ بها الحال حال الإستسلام لإرادة عمتي الأخرى و توجهت مرغمة لزيارة الطبيب، قال أنها “المرارة” فضحكت و قالت بسيطة، أجرت العملية لكنها لم تتحسن، و وضع عناية آخذ بالتدهور، أي مرارة هذه؟ ذهبت لطبيب آخر، و عرفنا كما هي، ان السرطان شاء أن يطرق بابها ليزورها و يحرمنا منها، عرفت تشخيص المرض حينها و أمضيت ليلتي أبكي، أقلّب رأسي على وسادتي كلما إبتلت، أخسرها و تخسرني، لا أستطيع أن أفعل لمن دعمتني طوال عمري شيئا” لأن المرض أقوى، أما عناية، فلم تزل الضحكة عن وجهها، أخذت علاجها، لاحقت الطبيب، نامت في المشفى ما يفوق الشهرين في غرفة وحدها مع عمّتي، هدفها كان الحياة، لم تشأ أن تتركنا وحيدين، لطالما رددت أنها ستحضر حفل تخرّجي حتى و لو من على السرير عبر “skype” أو سكيب كما كانت تسميه إن إقتضى الأمر، لكنها ستحضر، تدخل المشفى ثم تخرج لتفتح باب منزلها في كل عيد كي ترسم الإبتسامة على وجه الجميع، كبيرا” كان أم صغيرا” بالعيدية، تواظب على لمّ شمل إخوتها، تذهب إلى عملها عندما تشعر بالقدرة على فعل ذلك، تتسوق و تشتري، تبني و تغيّر، تقنع الجميع بأنها كما الحياة بألف خير، لم يتغير شيء، ما زلت هنا بينكم و أشفق على حزنكم لحالي بينما أنا أعيش كما أريد، كانت تعدّ الجلسات النووية المتبقية فكلما شارفت الجلسات على النهاية، مددها الطبيب و إنهالت هي عليه بالشتائم، “هالحمار على أساس خلصنا”، و تقرر إيقاف العلاج، ثم تعود، ظلت سنة و نيف و هي تقوم بذلك، و المناوشات مع الطبيب “الحمار” قائمة..

   إلى أن أتى ذلك اليوم، أذكره جيدا” كأنه البارحة، كنت عائدا” من “الضيعة” كما تصفها هي، و دخلت لعيادتها في سريرها و قد خسرت شعرها بفعل العلاج قبل أن ينمو خفيفا” لتبدو كسيدة فرنسية بشعر يغزوه الشيب و الكثافة، شعر قصير و حاجبين يكادان لا يظهران، دخلت عليها لأجدها ممسكة بأطراف السرير تشدّها ثم تمسك بطنها لشدّة الألم، قبل أن يأتي الطبيب و يفحصها.

   لم يسعف عناية الوقت كي تحضر حفل تخرجي، فكان طيفها الحاضر و جسدها الغائب، نظرت في وجوه جميع الحاضرين فردا” فردا” باحثا” عن تلك الإبتسامة و الدمعة و لم أجدها، لم تكن عناية حاضرة في أولى محاضراتي، و لا ندواتي و لا حواراتي، لم تقرأ لي عناية شيئا” مما كتبت، فأوراقي كلها تحمل نسمات منها، لكن عناية لا تحملها، تفكر دائما” بها و يوميا” رغم غيابها، غابت عناية عن حفل التخرج، عن ميدان العمل، عن العيد، عن عيد ميلادي، ما عاد لشروق شمس الأعياد معنى كما كان في السابق، غاب جسدها مع ان حديقتها و ورودها ما زالت تتفتح كل ربيع، و شلالها يطرب الجالسين بخرير مياهه و إن كانت مصطنعة، ما زالت هنا، طيفها لا يغادر و تأتي روحها على أجنحة فراشة كي تراقب و تتابع، لم ترقد، لكنها تحيا بعيدا” عنّا بسلام تستمده منّا، في أخر مرّة رأيتها، لم أستطع ان أمنع نفسي عن البكاء فور صعودي إلى المنزل، لم أبكها سرا” هذه المرة، بل على مرأى الجميع، أمي حاولت أن تقنعني بأن في موتها راحة من ألمها، و سعادة لما لها من خير مفعول أو منسوب، لكن حرقة الفراق أجبرت عيناي على ذرف المقل، أنا أفقد من أحسست أنها أمي الثانية، اراها تصارع سكرات الموت أمامي و انا عاجز..

   و بالفعل، بعد يومين، فارق جسد عناية الأعين ليوارى في الثرى، و تحلّق روحها بين السماوات و تتنقل بين مكانها الحالي و مكاننا الآن، لم و لن تغادر، انا على يقين و أكتب بعد قرابة السنتين على فقدها، أكتب بعدما إستجمعت على مدى هذه الفترة جرأة” كي أكتب دونما أن أبكي، بل أبتسم، كمثل ما إبتسمت يوم دفنها، و انا جالس وحدي بجوارها، هي تنتظر من يحملها، و انا أنتظرها كي تصحو و تعانقني كالمعتاد، أتوا و حملوها أما أنا فما زلت أنتظر لحظة العناق، رأيتهم يغطون إبتسامتها بالتراب، لم أبك حينها بل وقفت متأملا” غير مصدّق، لم أصدّق أنها ستموت يوما” و ترحل، ظننتها ستبقى معي، لم يكن الموت إحتمالا” واردا” أبدا”، و ها أنا اليوم أستفيق بعد قرابة العامين من صدمتي لأتأكد أنها لم تمت،  بل بقت هي خالدة و إن رحل جسدها، أحبك دائما”، أحبك يا عمتي، أحبك عناية.

تعليقات
  1. غير معروف قال:

    وما أروع وأسمى من كلمة يفوح من حبرها عطر الوفاء🙂

  2. dina dia قال:

    من اللطيف ، من الاخلاقي، من الجميل…ان نكتب رثاءا لشخص عزيز…لان كل انسان يشبه ماي زيادة في قولها :” أتمنى ان ياتي من بعدي من ينصفني”، خاصة عندما يترافق الرثاء مع محبة حقيقية يدركها من نرثيه، يكون قد عاشها و ادركها خلال حياته معك… 

  3. nannouss قال:

    Good Job Ahmad .. Touching Words🙂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s