أحمد م. ياسين

       “لا نريد الحرب، لكننا توّاقون لها”، بهذه العبارة اختصر السيد نصر الله موضوعاً وشرح ثقافة مجتمع جنوبي عايش الحرب منذ أكثر من ثلاثين عاماً، من قال أنّا نريد الحرب؟ من قال أنّي الجنوبي قد ندرت حياتي فقط كي أموت؟ لا، أنا أعرف للحياة معان كثيرة وأهواها.

    لطالما وسم الجنوبيون وأنصار المقاومة بثقافة الموت أو الشهادة، وكأنها هدفهم الوحيد، أو أنهم على استعداد أن يحرقوا وطنهم فقط لينالوا شرف الشهادة، وانطلق البعض يروج لهم كمجتمع قائم على فلسفة الموت، يربي أولاده على ذلك ويعدّهم، تدفع نسائه بأولادها وأزواجها إلى ساحات المعركة، يلقي الأب بإبنه إلى التهلكة، لا بل بأبنائه… ما هذا المجتمع ومن هم هؤلاء الناس؟ أهي سبارتا جديدة أم أنهم مجانين لا يعرفون قيمة ما يملكون، أي حياتهم؟ من هم، من أنا،  لما نحن؟

 

   نحن قوم يهوى الحرب نعم. نهواها إذا ما فرضت علينا، ونبغضها في كل الأوقات. نكره فيها مشاهد الموت، دموع الأمهات وآهات الأخوات، نمقت فيها الدمار والتهجير، يقهرنا فيها بيوتنا المسواة بالأرض، وأشجارنا المحروقة، نكره ما عايشنا منذ الولادة… كنّا كتلاميذ المدارس، يجبرنا الإسرائيلي وعملائه على التزام منازلنا منذ السابعة مساء قبل أن تبدأ حفلات القنص والتسلية لأي من يجرؤ على مغادرة منزله، حتى و لو إلى المستشفى.

      كيف أمحي من ذاكرتي أو ذاكرة أبناء جيلي صور مواقع الإحتلال أو طعم الذل على حواجز اللحديين؟ لهذا قاومنا ولهذا انتصر المقاومون في أيار وتموز رغم إصطفاف العالم ضدّنا. فلا أمم متحدة اهتمت ولا دول تحركت، كنّا وحدنا أناس عزل لا نملك شيئاً غير المقاومة. مقاومة منّا، النجار، المزارع المغتصبة أرضه، الحداد الذي يصنع سلاحه بيده، المعمار الذي يبني في النهار منازل وفي الليل انتصارات، شباب ذاقوا مرّ الإحتلال فأجبروا على المقاومة وحمل السلاح، فرض عليهم الموت فرضاً، حتى الأمهات كمثل الأبناء، رحن يقدمن أولادهن قرابين على مذبح الحرية والكرامة، والآباء يدفعون أغلى ما يملكون، ينذرون أرواحهم كي يعيش أخوتهم في سلام دونما خوف من رصاصة عميل يريد أن يتسلى… لهذا حمل الشباب السلاح.

      أذكر أن أولى الأغاني التي غنيناها كانت لريمي بندلي، كنّا أطفالاً نغني اعطونا السلام، أعطونا الطفولة… طفولة عشناها رغم أنوف آلات القتل الإسرائيلية، بينما أطفالهم كانوا يرسلون الصواريخ الموقعة منهم هدايا لأطفال قانا والمنصوري و و… رفض أطفالنا فعل المثل، فنحن لا نقتل أبرياء، لا نقتل بينما نُقتل، نموت لندافع عن أرضنا وحقنا في العيش بسلام، سلام نتحدث عنه أينما ذهبنا… نحن لسنا عشاق موت بل أنصار سلام وحياة، حياة خالية من القذائف والصواريخ، من التهجير والنزوح، نريد السلام.

     احترت طوال الشهر الماضي، عن أي شيء أكتب في ذكرى إنتصار تمّوز؟ عن مغامرات حصلت معنا على مدى ثلاثين يوماً أم عن ماذا، هل يفي موضوع واحد حق تلك الأيام أم لا، وفي كل يوم موت جديد وجرح آخر؟ لو أن أوجاعنا أو ذاكرتنا تنطق، لقالت تعبنا الحرب والموت، تعبنا… لكننا جاهزون. هم يقتلون ونحن نحيا، هم يدمرون و نحن نبني. يرمون حمماً من طائراتهم على أرضنا لكننا نعود إليها، نكره الحرب لكننا جاهزون لها، كي نرسي سلاماً نطمح إليه، سلاماً يعيش تحت جناحه الجميع، وأولهم نحن في لبنان…

     أرهقنا الموت فهو يقطن بلادي وعالمي العربي، يتفنن في قتلي ويحترف موتي، يأنس لحرماني من كل من وما أحب. فليبتعد شبحه عنّا، وسيبتعد، طالما أن السلم والسلام غايتنا، وسنعمل كي يعرف العالم بأسره، أننا نكره الحروب، داخلية كانت أم خارجية، هذا ما ألهمتني إياه صديقتي فانيسا، في حين أنّي لم أكن أعرف أنه بمقدوري أن أشرح للعالم من أنا، في حين كان الجميع يظن أنّي وجدت لأقاتل فقط، بينما أنا إنسان وجد ليحيا مطمئناً آمناً في وطنه..

تعليقات
  1. zamzam قال:

    نحن ..ثقافة موت لأجل الحياة ..!!
    very nice ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s