أحمد م. ياسين

   بيروت التي تتغزل بها فيروز، بيروت التي تجمع الحضارة و تمزجها مع الفن، بيروت العراقة و الثّقافة، بيروت المباني و الأرصفة المتراصة، بيروت المقاهي و الليالي، جنة السّواح على ضفاف   المتوسط، هي ذاتها بيروت التي أكرهها.

   لا سلام لبيروت و لا قبل يا فيروز، لا لأن بيروتنا رفضتها، بل لأن المدينة التي صارت من روح الشّعب خمر أمست من يسحب هذه الرّوح ليدفنها في الشّقق المعلّبة، بيروت أم الدّنيا و الشّرائع في   السابق هي ذاتها من يتقسّم اليوم أحياء” و زواريب طائفية تفوح منها رائحة الموت، رائحة جثة بيروت الجميلة، فأم الشرائع لم تعد تحتمل تعايش أبنائها فترسم بينهم خطوط تماس وهمية، كيف لا أكره بيروت هذه؟

بيروت اليوم

  بيروت الإسمنت و المباني الفاخرة، بيروت لوحات فنّ الهندسة المتقن المرسوم بدقّة فريدة، بيروت الوسط التّجاري و ناطحات السّحاب، هذه اللوحة المميزة، لا مكان لي فيها، فأرى تحتها سبع مدن   بتاريخها و آثاراتها التي جرفت تحت جنح الظّلام إلى البحر، لم يتبق من مدن بيروت المدفونة إلا بضع أحجار معروضة في قلب سوليدير تنتظر من يشتريها، أو يعرضها ملّاك سوليدير كرهينة عن ما تبقى من روح بيروت القديمة، أكره بيروت التي تتنكر لأصلها، جميلة هي ناطحات السّحاب و الطّرق المرصوفة، رائع هو الوسط التّجاري في إحتضانه كل السّواح و إكتظاظ مقاهيه بالرّواد منهم، لكن، هل لي من مكان هناك أو في تلك المقاهي؟ منذ متى كانت بيروتنا تطرد زائرها، بيروتهم اليوم تطردني فكيف بي لا أكرهها؟

فتاة درزية بيروتية ترتدي التتور

   أبحث متمشّيا” في شوارع بيروت الإدارية عن حرج فلا أجد إلا ما ندر من حدائق تنازع كي تبقى بينما يلتهم الإسمنت كما الإسفلت ما تيسّر منها كل يوم، أعود إلا أرشيف صوري البيروتية، أشاهد   بيروت التي أحب، كيف كانت، كيف كانت أشجار الزّيتون تزيّن ما يسمى بزيتونة باي اليوم، أرى الترام، و الطّربوش، طربوش أهل بيروت الأصليّن من نسمع عنهم النكات فقط اليوم، فساكن بيروت الأمس، أبو العبد البيروتي، لم يعد إلا مادة دسمة لدعابات من يريد أن يتسلى، بينما أحفاد أبو العبد من سكان بيروت، فأصابهم ما أصاب الهنود الحمر في أميركا، تراهم إما مشتّتين في الضّواحي و القرى المحيطة، و إما بزنازين الشّقق الصّغيرة التي يصعب على أي شاب إقتناء واحدة منها، فتلفظه بيروت إلى خارجها، بعدما عودتنا أن تكون الملجأ الأخير لمن يريد، كيف أحب بيروت التي تنكّرت لأبنائها و صار ملّاكها هجينا” غير معروف الفصل و الأصل، بيروت التي نزعت أو نزع عنها ثوب العراقة و الأصالة لصالح ماذا؟ لوحات من فنّ جميل هندسي، جرّدها من هويتها أو السّواد الأعظم من تلك الهوية.

   أين بيروت المقاهي و التّكايا اليوم؟ بيروت الطّاولة و الأرغيلة و الحكايا، أين موسيقى بيروت و فنّانوها، أهم في المقاهي؟ أم في ملاهي بيروت الحديثة و نواديها الليلية؟ لست ضدّ ملاهي بيروت، لكن   الملاهي ضدّي، فلا تعطيني فسحة و لو قليلة أمارس فيها حبّي لبيروت، كلما وجدت فسحة أتت ملاهيكم و أخذتها، أكره هذه البيروت، أكرهها.

  هو سؤال بسيط، أهذه بيروت؟ أم أن أشخاصا” إغتالوها و أكلوا حضارتها؟ ألسنا جميعا” نحب بيروت؟ أعشق بيروت التّاريخ و العراقة و الحضارة، لكن، أين بيروت اليوم؟ هل يا ترى نستطيع أن نستعيدها يوما”؟ يوما” ما.

شمال ساحة الشّهداء عام 1942

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s