أحمد م. ياسين

   حكايتي مع الأشرفية هي وليدة أقل من عام، وليدة ليال مبنى فسّوح المنهار على رؤوس من فيه، من هنا كان الفصل الأول في الحكاية، لم أدر أنها حكاية ذات فصول أصلا”، ظننت أن شهداء هم من    ذهبوا، و كمثل فسّوح هناك مئات المباني في لبنان كله، مهملين متروكين لحين إستغلالهم، حكايتي مع الأشرفية، حكاية تتكرر دائما”، مع تغيير إسم المدن.

      شاء المجرم أن تكون الأشرفية ساحته في ساعة إكتظاظها، ربما ليعيدنا أعواما” إلى الوراء، ربما ينجح في ذلك، و ربما لا، لكنه أعادنا، أعادنا بالذّاكرة إلى مشاهد الدّمار و الموت، قبل أن يصفعنا بالواقع، نعم، هناك إنفجار، دماء، ضحايا و جثث لم تكن لتعرف أنها ستخرج من منزلها و لن تعود، لا أدري، لا أدري إن خرجت إن كنت سأعود، من يقنع أمّي أني سأذهب إلى عملي و أعود في المساء لأطرق الباب؟

    عبثا” أحاول منذ ساعات أن أعتصر أفكاري علّها تجتمع كي أكتبها، لكن، أخجل من أن أكتب عن أمهات مثل أمّي، ينتظرن من إستشهد اليوم، علّه يطرق الباب و ينهي هذا الكابوس، لكنه لن يطرق، و هي لن تعود من عملها أو جامعتها، لقد ذهبت، رحلت دونما ذنب، لا أعرف إسمه و لا إسمها، هو واحد من الشّهداء الذين سقطوا، له إسم بطبيعة الحال، لكنّي لا أعرفه لأنه مثلي، نموت أو نحيا، لا يهم، فلا قيمة لدمائنا أو حتى حياتنا، أعرف منهم وسام الحسن فقط، أما الباقون، فيعرفهم أبنائهم و جيرانهم، من سيستيقظون غداّ ليرفعوا ركاما” تساقط عليها كالحمم، و ستعدون الأشرفية إلى جمالها، لكن باب الأم لن يطرق، لن تبقى الزّوجة أما” فقط، أصبحت الأم و الأب لطفل لا أعرف إسم والده أو والدته، ببساطة، رحلوا بلا وداع، لم يعرفوا أنهم سيرحلون، لكن هو عرف، عرف و قتلهم تنفيذا” لغايته، نسي ربما أنه يوما” ما، سيموت.

     سقط وسام الحسن، و بحكم موقعه، أخذ حيّزا” إعلاميا” غير من سقطوا من الذين لا أعرف أسمائهم، كما أنه نال كمّا من الشّماتة و التّشفي، تكفي لتوزع حقدا” مكبوتا” على امم بكاملها، لا إحترام لموته، إختلفوا معه سياسيا”، لكن لم أتخيل أن يتمنى لي الموت أحد فقط لإختلافنا، إنه إنسان أيها الوضيعون، لديه أطفال أصبحوا اليوم أيتام، زوجة تبكيه، لا يعنيكم أيتامه؟ ما ذنبهم؟ أليسوا أيضا” ضحايا؟ كيف لكم أن في مجلس الموت تضحكون، إنه الموت، أي إختفاء إنسان للأبد، لم أكن من محبّي الرّجل أبدا”، لكنه كرئيس لشعبة المعلومات أعطى الكثير، لا يعنيني دوره كمستقبلي، غيره منتم أيضا” لأحزاي و يخدمها، لقد مات، بالشّرع الإنسانية عيب، بالاديان حرام، بالتّقاليد “إذكروا محاسن موتاكم”، تبا” لوقاحتكم أين أنتم من أي معيار؟ ألا تخجلون؟! هل نزع الحقد عنكم إنسانيتكم حتى امسيتم وحوشا” بشرية؟! لا أدري.

     مهما كثر الكلام، يبقى كلاما”، لا مكان للسياسة اليوم فدمع المفجوعين لم يجف بعد و الدّماء ما زالت تلون الأشرفية بلون الموت، اليوم، و كل يوم، تضامن مع الأشرفية، و كل أشرفية في لبنان، كل مدينة هو أشرفية جديدة، كل مبنى هو عرضة لأن يتكرر فيه نفس المشهد، أن نراه على التّلفاز تتدلى ستائر غرفه بعد دمار حائطها، غرفة نوم زهرية اللون لفتاة صغيرة صادفتها اليوم، كانت تدلّ عليها و تبحث بين الرّكام، تبحث عن لعبتها المفقودة.

     لا أملك إلّا املا” و طلب، كشاب لديه إيمان ببقايا هذا الوطن، سيستغلّون دماء من غادرونا اليوم أبشع إستغلال، سيفتتحون “التيرو” المزاد، مزاد الأصوات المدفوعة بالطّائفة، التّخويف، الدّم و التّخوين،   سيتبارز ١٤ و ٨ على حصد الأصوات 

  لا يعرفون أسماء الضّحايا لكن يعرفون كلّ المعرفة كيف سيستغلّونها، لن أنام في خيام لتحكموا أنتم و أهاجر أنا، لن أدافع عن محاور بينما لا مستقبل لي أو قيمة، أحبابي، أصدقائي، رفاقي و كل من في الشّارع، إن متّ أنت اليوم، اتتحمل دمع امّك؟ غدا” يتفق الفريقان بينما تغيب أنت، مسافرا” أو قتيلا”، قتيل رخيص، حتى إسمه، لا يعرفه المسؤول، لا يعرف أنه موجود أصلا”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s