أحمد م. ياسين

      أن تمرّ أمامنا صورة رضيع شهيد و يكون الأمر عاديا” بالنّسبة لنا، أو أن يهزّ جانبا” من إنسانيتنا لثوان ثم يخفت، هو بحد ذاته أمر غير عادي، إما تحوّلنا لوحوش لا يؤثر فيها الموت، أو إعتياد عقلنا كما عيوننا مشاهد الموت و صور الضّحايا، بكلتا الحالتين، أصبحنا أرقاما” لموتى دون أسماء، تتكاثر جثثنا كل يوم.

     أصبحنا مشاريع أموات قيد الطّلب، نتوزع جغرافيا” على حدود وهمية يبددها وحدة اللغة و إمتزاج الدّم، يسقط شهيد في العراق، تحتضنه أم في سوريا و يبكيه إبن في ليبيا، ليستمر الخريف علينا نتساقط فيه كالأوراق، بكثرة دونما هالة للموت، تضيع فيها الأشلاء بعد تناثرها، لتجمع في أكفان لاحقا” و تدفن في مقابر الأرقام، ارقام الموت المقيت.

      ببساطة في عدد الحرف، إعجاز في فن المقاومة و قداسة في الصّمود، إنها غزّة، غزّة التي تخوض بدماء أبنائها اليوم معركة أصبحت قدرا” عليها، معركة الشّرف العربي، معركة البوصلة، ان هنا فلسطين يا عرب، هنا أرض بنى عليها حليف معظمكم مغتصبات له و دولة، أو بالأحرى، هنا جيش بني له دولة لا دولة بجيش، هنا على الأرض ذاتها طفل يلعب ببقايا الرصاص، بدل أقلام الرّصاص، لكن، نحن في غزّة لسنا بخير كما يشاع، نحن نتألم، نبكي، نضحي، نموت لكي نكون بخير، لكنّا ما زلنا نقول، طمّنونا عنكم…

    في غزّة طفل عشق فريق كرة أوروبي فإعتنق حلما” باللعب فيه، إشترى يونس أحمد خضر أبو دقّة، إبن الثلاثة عشر عاما” ثيابا” للنادي، يغسل المتسخة ليلبس الأخرى، لكنها الكنزة ذاتها، قتل يونس الصّغير و هو يرتديها و قتل معه حلمه يالإحتراف، هو يونس، و هم أطفال غزّة، أطفال كبروا باكرا” جدّا”، لا على أنغام الموسيقى و ليس دائما” على مقاعد الدّراسة، بل كبروا على أصوات القذائف و هطول الصّواريخ كالمطر، كبروا يحاصرهم الإخوة و الأعداء، كبروا و ما كبرت معهم إلى جانب معاناتهم إلّا أحلامهم الوردية التي يحرصون على تجديدها كلّ يوم، علّها تكون الأمل المنقذ.

     إذا”، غزّة ليست اليوم كما البارحة كما غدا” بخير، تقصف و يستشهد من فيها، تبكي الأمّهات و ترمّل النّساء، ييتّم الأطفال و يخسر الصّديق صديقه، كل هذا كي نكون نحن بخير، بأمل نصر يتحقق كلما إستمر الصّمود مقاوما” إسرائيل و صمت العرب، صمتهم و غرقهم في عارهم قبل دفن رؤوسهم في براميل نفطهم، صمتهم و سدّ آذانهم عن أوجاع الفلسطينيين مرضاة لأسيادهم و أصدقائهم الأوفياء، نعم، بيريز صديق أحدهم الوفي، و تنتصر، ربما رغما” عن انوفهم أيضا”، تنتصر كمقاومة لبنان بينما هم يذبحون بعضهم بعضا”.

     هي عزّة المنتصرة، التي تركل بتضحياتها موائد السّياسة الغربية العربية الإسرائيلية، و تسقط من أيدي أصحاب القرار كؤوس الدّم و أنخاب القتل، تنتصر و تضرب تل الرّبيع “أبيب”، تنتصر و تتحدّى، تقاوم عين الحق مخرز العالم، تنتصر، و ستنتصر، و ستبقى هي هي، عزّة الألم المنتصر، إبتسمي، نحن بخير بفضلك. 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s