أحمد م. ياسين

    المشكلة في زمن السّلم قبل الحرب، هي الحروب الباردة، فالحرب العسكرية ليست إلّا وجها” من حرب شاملة مع عدو يضع خطط مواجهة تمتد لمئة عام قادم، و يعتبر الحلّ العسكري كمالية طالما أنه يستطيع أن ينشر ثقافته، أفكاره و مفاهيمه، فيسقط على المجتمع مفاهيم جديدة عبر أدوات يسخّرها لذلك.

    سأمرّ قليلا” على طفولتي و أجرح أحاسيس بعض المرهفين، لذا أعتذر منهم مسبقا”، عشت أكثر من عشرة أعوام في ظلّ الإحتلال الإسرائيلي و كنف المقاومة المسلّحة، كنّا نجبر، أي أنا و عائلتي على إلتزام منزلنا، بحكم انّنا سكّان الجنوب، من السّاعة السّابعة حتى و لو كنّا بحاجة دواء، مشفى أو أي حالة إضطرارية، هذا كان قبل صواريخ الكاتيوشا، و حتى بعد الكاتيوشا لم يتغيّر شيء غير سنوات العمر، يحيط منزلي حاليا” بقايا أربعة مواقع إسرائيلية و لحدية، هي السّويداء، علي الطّاهر، الدّبشة و قلعة الشّقيف، أقربها الدّبشة و السّويداء، هذه المواقع كانت تمنعني حتّى من الإقتراب من النّافذة أو الشّرفة، عداك عن الإختباء في زوايا المنزل عند بدء القصف، أو الأم التّي تحتضن طفلها و تبتسم كي تخفف من روعه بينما تضمر في داخلها يأسا” ممزوجا” بأمل الحرية يوما” ما، أتحدّث هنا عن طفل تربّى منتظرا” الموت في كل ثانية، ينام و لا يعرف إن كان سيذهب إلى مدرسته في اليوم التّالي أم لا، يخاف ركوب باص المدرسة خوفا” من أن تقصفه المروحيات فيلتحق يشهيدة الطّفولة حينها زينب، قد تؤلمكم أعزائي المرهفين ذكرياتي، لكن، هي تاريخي كماا تاريخكم مهما جهدتم أن تنزعوا عنكم جلدكم، نعم، طفولة يغزوها الخوف من المجهول، في إنتهاك واضح لأبرز حقوق الإنسان، حق الطّفل، و ضرب بعرض الحائط لكل الشّرائع، هذا فقط لأن دمنا رخيص في نظر المجتمع الدّولي و منظّماته التي تتكاثر في جسم مجتمعنا في كل يوم أكثر من الذي سبق.

   لما هذا السّرد؟ ببساطة، لأن البعض، من الإنسانيّين المزاجيّين يودّ تصويري و كل من يدعم المقاومة و إعادة الأرض بأننا مصّاصوا دماء و راقصون على القبور، معذور، ربما ضاق ذرعه بتاريخ فرض علينا بحكم سرقة أرض لنا في ال 1948، و تمسك هو و غيره بمقولة أن القتل لا يبرّر القتل، طبعا” هو محقّ تماما”، لكن القتل يختلف عن الدّفاع عن النّفس، كيف بها إذا كانت نفسا” و أرضا”؟ لا مدنييّين في إسرائيل، بل جيش صنعت له دولة، لا دولة يخدمها جيش، من أصغر مستوطن لأكبره، لما تفجير “المدنيّين الأبرياء”؟ سرقوا أرضي و أرض آبائي، يرمونني صبح مساء بحممهم و صواريخهم و أنت تسألني بكل برودة؟ صور الأطفال المذبوحة لم تهزّ إنسانيتك أو مشاعرك المرهفة مثلا”؟ في إسرائيل، أي كيان الجيش المسقط غضبا” على أرض فلسطين و سوريا و مصر فقراء ككل البلدان، فقراء يدّعي المثقّف العربي أننا نسعى إلى تهجيرهم و قتلهم، متناسيا” أن مصطلح التّهجير حصري بأصحاب الأرض، لا من تجمّعوا من دول الشّتات في أرض هجّروا سكّانها، من تهجّر هم الفلسطينيّيون و من نسعى إلى إعادتهم ديارهم هم الإسرائيليّيون، هم ذاتهم من يوقّع أطفالهم على الصواريخ كي يرسلوها هدايا لأطفالنا، يربّون في نفوس أطفالهم جذوة قتلك و قتلي، لا فرق عندهم إن تملّقت لهم أم لا، لم أتخيل يوما” أن أوضح هكذا فكرة لأحد عايش الإحتلال و الصّراع المباشر مع هذا الكيان الوحشي، الفقير المعدم، و الجائم في الوقت ذاته على صدور أمهات فلسطين، من السّهل له العودة إلى بلده الأصلي.

هنا يرسلون لك و لأطفالك هدية

   ما يؤلم، هو أن ذكر مصطلح “زوال إسرائيل” أمسى جريمة بنظر النّاشط المثقف و من خلفه المجتمع الدّولي الأعور، فأصبح أنا المهدد في كل ثانية معاديا” للسامية، و الصّهيوني المحتل ضحية بين جزّارين، الجزّارون ذاتهم هم الأطفال المذبوحة، نعم يجب أن نصدّق ذلك فهذا ما يفرضه علينا الإعلام الموجه من ثقافة و ما ترميه المنظمات اللاحكومية اللاعنفية في رؤوسنا من نفايات، شوهت هذه المنظّمات معنى اللاعنف، أين هم من فلسفة غاندي اليوم؟ حتى أصبح مصطلح الدّولتين عاديا” لا بل منطقيا” و طبيعيا” يجب أن نكرّسه و ندعمه، ما هذه الوقاحة؟ تسعى لحرمان مئات الآلاف لا بل الملايين من الفلسطينيّين من حق عودتهم إلى ديارهم في تل الرّبيع، دير ياسين، يافا، حيفا و بئر السّبع و غيرها، بدل أن تفرض على المحتل المجني البريء بنظرك حقّ العودة إلى بلاده؟ ما هذه الوضاعة؟ أتقبل أن أدخل بيتك و أقاسمك غرفتك ثم أطردك منه؟ عيب.

ما زالوا يرسلون الهدايا ذاتها

   ربما، من عاصر عهد صلاح غندور، علي أشمر و غيرهم من الإستشهاديّين اللبنانيّين و الفلسطينيّين يعي مفهوم حبّ الحياة لدرجة بذل الرّوح فداء لذلك، بينما أنت تنظر إليهم كإنتحاريّين، ننظر إليهم نحن كأجساد خالدة في أنصع صفحات تاريخ المقاومة، بينما انت ستدخل التّاريخ، لكن على الأرجح، مع طارق عبد الحميد و محمود عبّاس، كلّ المجد للمقاومة الفلسطينية و شهدائها، على أمل عودة فلسطين كاملة من البحر للنّهر، و عودة المستوطنين إلى بلادهم، رغما” عنك. 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s