أحمد م. ياسين

    أن يحدّثك السّورييّون عن سوريا اليوم، يجبروك على أن تنتقل و إياهم إلى شوارع مدن و قرى لم تسمع بها من قبل، يروون لك قصص تحجّم مفهومك ّعما يجري في سوريا كله، لا مؤامرة كونية و لا حراكا” ديمقراطيا” فلسفيا”  كما يرويه المنظّرون و الممانعون على حدّ سواء.

https://i2.wp.com/the-syrian.com/wp-content/uploads/2012/05/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%85%D8%B5.jpg

       في ما يلي، مشاهد جمعتها من أصدقائي السّورييّن في المقاهي، ليسوا من المثقّفين و لا من خرّيجي الجامعات، بل عمّال عاديّيون أتوا لبنان كي يكفوا قوت يومهم أو هربا” من الموت المحتّم، معلّم باطون، معلّم أرغيلة أو خبير زراعة:

 المشهد الأول : ضربوا والدي

  إبن عمّي، نحن عائلتين، بيت أديب معارضة و نحن بيت عبد الرحمان مع النّظام، هو أغنى واحد عنّا بالضّيعة، مهندس زراعي و عنده بيت و مزرعة و سيارة، يعني شيء عظيم عنّا، هو كبير بيت أديب، كل ما يفعله شبّان بيت أديب، يقوم الشّبيحة بكتابة التّقارير، بمن؟ بإبن عمّي و هو في السّبعين من العمر، عادة إذا ما إفتعل أي شاب مشكلة، يشكيه الخصم لكبير عائلته، لكن الشّبيحة كانوا يكتبون التّقارير أن إبن عمّي يموّل و يحرض الشّباب كي يخرجوا في مظاهرات، المهم، أتى الأمن و الشّبيحة، قاطعته هنا معلّقا”:”شبّيحة؟”، أجابني:”نعم شبّيحة، غيّر إبن عمّي مكان إقامته و قطن منزلنا لكن هناك من رآه و هو يدخل، وصلت الإخبارية و دخل الشّبيحة القرية بحثا” عنه، وصلوا منزله، خرج والدي و هو في الخمسين يسألهم ما الخطب؟، سألوه، معن أديب هون؟ أجابهم لا أعرف، حاولوا إقتحام البيت، طلب منهم والدي أن يدخل معهم، هنا هجموا عليه، تتهمنا بالسّرقة؟! نحن حرامية؟، حاول والدي أن يبرّر موقفه لكنهم همّوا بضربه و حشره في شجرة قريبة، سمع أخي الخبر فهاجم الأمن و ضرب عنصرين، قبل أن يرميهم الشّبيحة داخل السّيارة، من لطف الله أن عمّي الآخر مسؤول في فرع أمن درعا، فأفرجوا عن أخي و والدي عند مفرق الضّيعة، قبل أن تأتي إخبارية أخرى و لكن هذه المرّة  داهم الجيش منزلنا، سأل مين معن؟ رفع معن يده، ما هي إلّا يومين قبل أن يفرجوا عنه لأنه بريء..يا أستاذ، الجيش محترم بس الشّبيحة زعران ما إلهن أمان، عرفوا أنّو معن عنّا، إعتقلوه و لم يفرجوا عنه إلّا بعد أن أخذوا منه مليونيّ ليرة سوري، و كانوا قد سرقوا من منزلنا أربع جرّات غاز…و هنا، سكت صدّيق.

https://i2.wp.com/www.akhbar-today.com/images/cms//eabcf6441d6878936d22e3b43fd0f0a4Destruction-in-Syria.jpg

    المشهد الثّاني : سقط منها الرّضيع

    بالإجازة، آخر مرّة نزلت على سوريا من شهر، شوف يا أستاذ، عنّا اللاذقية أمان نسبيا” و الحي عنّا كل شي في طبيعي، إختفى شاب عمره ثمانية عشر عاما”، بحثنا و بحث أهله عنه، في المستشفيات، في المخافر، في مراكز المخابرات الجوّية، لا أثر له، ما هي إلّا يومين، رائحة موت بدأت بالإنتشار، صعدنا و أمي كي نقطف عناقيد العنب، رأينا ولدين و قدميّن، تجمّع سكّان الحي و إذا به الشّاب المفقود، يا أستاذ، كيف مقتول؟ رصاصة بين عينيه، و عيناه قد قلعوا من مكانهم، عرفت أمه فأغمي عليها، أما أخته، فنزعت حجابها عن رأسها و أخذت تلطم وجهها، حمله والده و مشى فيه مولولا” في الشّارع، كان هناك إمرأة ترضع وليدها الجديد و تقف على شرفة منزلها، رأت منظرا” كهذا، شاب مقتول بلا عينين، أغمي عليها و من شدّة الخوف و سقط منها الرّضيع، سألته، سقط؟!، أجابني، نعم سقط من أعلى الشّرفة، فصار في الحي جنازتين، و إبتسم أحمد قبل أن يغادر.

https://i2.wp.com/www.almasryalyoum.com//sites/default/files/imagecache/highslide_zoom/photo/2012/02/01/228/139736alsh3er.jpg

المشهد الثّالث : خالتي ماتت غاضبة على خالي

أستاذنا، عندي خال أنا في الجيش،  ظابط، إنشق بنصف الثّورة، و إخواته الإثنين بالجيش أيضا”، لم ينشقّوا، و أمه كانت تدافع عنه و ترفض تسليمه للأمن، بل خبّأته في منزل آخر لها، بعد شهرين، خالي مازن المنشق طلب من أخويه أن ينشقّوا مثله فرفضوا، طلب منهم أكثر من مرّة و رفضوا، فما كان منهم إلّا أن ذبحهم سويا”، ذبحهم أمام أعين أمهم و أطفالهم، بلا أدنى رحمة و صاح الله أكبر، شو بدنا نحكي يا أستاذ، هذا كان خالد.

  إذا”، هكذا يرى من أعرف من السّوريين الحراك و ما يحدث في بلادهم، يرونها فعلا” هدّاما” لأمن سوريا و وحدتها، حربا” طائفية خلعت عن إنسانيتها القناع فظهرت وحشا” يقتل بدم بارد، بشر بالشّكل يذبحون بإسم الله و يركلون الرّؤوس ككرات قدم يتسلون بها، تختلف سوريا على أرض الواقع عن ما يرّوج لها المنظرون على شاشات التّلفزة، منظّرون لا يفعلون أي شيء سوى الكلام، أصدقائي السّوريين معارضين كانوا ام من أنصار النّظام، توحدوا على رفض القتل و الحرب، يريدون العيش بسلام كما كانوا جونما قتل في ما بينهم، واحد يريد رئيسا” جديدا” و آخر يصرّ على الأسد، لكن الأكيد، أنهم يرفضون الإقتتال، حاجز الجيش الحرّ قريب من الحاجز السّوري الرّسمي، يعرفون بعضهم بالإسم، يقتتلون، فتسقط سوريا وحدها ضحيّة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s