أحمد م. ياسين

 تربّينا في صغرنا على أخلاقيات العرب، فكانت مادّة اللغة العربية أو التّاريخ أبواباً يدخل منها المدرّسون إمّا حكماً أو عبراً تعرّفنا على خلفيتنا الثّقافية، يشرحون عن كرم حاتم طيّ وذبحه شاة يملكها فقط لإكرام   الضّيف. ويشرح المعلّم عن أهمية إستقبال و تعزيز الضّيوف، يتحدّث عن كيف كان أجدادنا يستقبلون الضّيف ثلاثة أيّام قبل أن يسمحوا له بالرّحيل، أذكر ما كان أستاذي يردّده دائماً”: نحن أمّة لا تبرد نارها تحت الرّماد، أي لا تخمد نيران موائدنا”.

لم نعتد في لبنان أن نطرد الضّيوف، بل إعتدنا فتح بيوتنا للجميع، فلسطيني، مصري، عراقي أو سوري، و لا زلنا نفتح أبوابنا للجميع إنطلاقاً من إكرام الضّيف وإحترامه كإنسان له حق في التّعبير طالما أنه لا   يؤذي الوطن الذي نزح إليه، لم نألف سماع خبر عن التّعرض لأي شخص في لبنان بسبب رأيه، وإن حصل ذلك، تبادر الدّولة بالإعتذار. هذا كان في الماضي، أما اليوم، فما عاد الوضع مشابهاً لأي ماض في ظل الإنفلات الأمني، الإجتماعي والأخلاقي.

تعرّض الفنان دريد لحّام لمضايقات ولمحاولة إعتداء في منطقة القلمون – شمال لبنان من قبل بعض الشّبان المضلّلين، وكاد ان يتعرّض للأذى لولا تدخل قوى الأمن والجيش. تهمة لحّام هي موقفه السّياسي الذي   لم يرق لمن حرّض هؤلاء الشّبان. تهمة لحّام أنّه قال في البدء أنّه يدعم النّظام خوفاً من تحوّل سوريا إلى عراق أو ليبيا جديدة، خوف الفنّان على وطنه كانت تهمة” كافية” لإدانته وإستباحة حرّيته. لا يلام الشّبان على ما فعلوا، فهم ضحكوا وتربّوا على فنّ غوّار، على أغنية “يامو” و”زيّنوا المرجة”، بكوا على ضياع “أمل” و سجن “غوّار” في “عودة الأصدقاء” هؤلاء الشّبان “دراويش” لا يلامون، بل يلام من حرّضهم حتى عماهم الكره والحقد، من حرّضهم هو ذاته من حرّضهم في الأمس إبّان مقتل رفيق الحريري على قتل ّالسّوريين دون أي ذنب، فقط لأنهم سوريّو الهوية.

عفواً دريد لحّام. أعتذر منك عن ما نعانيه سوياً، الفرق الوحيد أنّك ضيف وأنا مواطن في هذا البلد. عفواً دريد لحّام على تعرّض الظّلاميّين لك وإن أنت أو ليث حاجو نفيتم ذلك حفاظاً على صورة لبنان. عفواً   للتاريخ عن ما وصلنا إليه كأمّة، نقطع رؤوس مثقّفينا حتى ولو كانت تماثيلاً كما رأس أبو العلاء المعرّي، نهدم تماثيل أدبائنا والمناضلي كما جرى مع تمثال طه حسين، فاقد البصر الذي كان عرضة حتى لو بتمثاله لإعتداء من عمي البصيرة، أو تمثال شكري بلعيد، شهيد تونس وثورة الياسمين. نعم، أعتذر. أنا وأنت يا دريد لحّام للتّاريخ عن مجموعة إرهاب ثقافيّ تُلبس تمثال أم كلثوم النّقاب كأنها تخجل بماض عريق في الأدب، العلم والفنّ حتى.

 عفواً دريد لحّام، عادل إمام، وجمال سليمان، لا إحترام في مجتمعنا لرأي فنان موال للنظام، أي نظام كان. نسي إرهابيّو الفكر أن الفنّان إنسان، وكي يكون الإنسان فنّاناً، عليه أن يكون إنساناً مسبقاً، كما قال   الرّائع جورج جرداق في ختام فقرته من فيلم “لبنان اللي بحلم فيه”: أكيد أن لبنان الذي نحلم به، ليس هذا المظلم ثقافياً وكهربائياً، لبنان الذي كان في السّابق مركزاً أساسياً لجذب الفنّانين والمخرجين. كم فيلم لفريد الأطرش، حسني البورزان وغيرهم تمّ تصويره هنا؟

   لا أدري إذا كان ينفع الإعتذار من التّاريخ، فمكان حضارتنا هو غرف ذلك التّاريخ المشرق، اما اليوم، فنحجز بحاضرنا مكاناً في “مزبلته” لا أكثر، نخرس أدبنا وفننا، بينما نفتح أثير الفضائيّات لكائنات تجرثم   العقل والرّوح، تبثّ الكراهية أينما حلّت وكيفما فتحت أفواهها، لكن الكائنات هذه لن تخرجنا من وطننا. ورح نكتب إسمك يا بلادي… عالشّمس اللي ما بتغيب.

تعليقات
  1. syrian قال:

    عزيزي مدير مدونة ((لبناني)) نشكر لك عروبتك الصادقة وننحني اجلالا وإكراما لوالدتك التي أرضعتك من نبع المحبة والسلام والاخلاق الرفيعة والأصيلة فبكم وبأمثالكم نضمن بأن الحق ما زال عاليا ولا يعلى عليه .
    لا تحزن عزيزي قد يكون للظلم جولة لاكن تأكد بأن للحق دولة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s