أحمد م. ياسين

  ملاحظة: هذا النّص ليس نعياً لمؤمن ولا لضمير من قتله، بل نعي لفكرة الوطن.

    ثلاث هي المستشفيات التي رفضت إستقبال إبن السّنة وعشرة أشهر لعدم قدرة أهله على الدّفع، مؤمن هو إسمه، كافر هو ذنبه، كفر مؤمن بمقدّساتهم فقتلوه بدم بارد، طوى الرّضيع آخر صفحة من كتاب حياته   باكراً ورحل.

   رحل مؤمن بصمت، لا ضجّة أثيرت حوله، قلّة هي وسائل الإعلام التي جعلت منه قضيّتها، رحل مؤمن الذي همّشه جوعه، وصار خبراً ثانوياً في مجتمع أخذه الأرثوذكسي بعيداً عن التّفكير في حقوقه،   مجتمع على يقين أنّ الأرثوذوكسي أو غيره سينتجون طبقة العفن ذاتها التي أصابت جسد الوطن، طبقة العفن التي صوّرت الحق باطلاً و الباطل حقّ، أغمض ذلك الصّغير عينيه قبل أن يفتحهما على الحياة، ورحل.

   قضى مؤمن ومثله أطفال كثر، قضى مؤمن كافراً بفسادهم، كافراً بمحاصصتهم ومصالحهم، المصالح ذاتها التي عرقل لأجلها علي حسن خليل بطاقة التّأمين الصّحي و إستقال على إثرها شربل نحّاس، مؤمن   هو شهيد أكثر من شهدائهم، لم ينل شرف الحداد الإنتقائي، لم يحمل وساماً للأرز على نعشه ولن تتشكل لأجل مقتله محكمة دولية ولا لجان تحقيق، غاب مؤمن، شاء القدر أن يسمّى مؤمناً ليجسد إيماننا المتنامي يوماً بعد آخر بانعدام قيمتنا الإنسانية في هذا البلد، إلّا كصوت يشرى، أو أياد تتقاتل في الأزقة وبين الشّوارع، في طريق الجديدة، قصقص، التّبانة و جبل محسن، أياد سيقتل أصحابها ولن يعرف عنهم أحد، سيسجّلون أرقاماً وعدد أصفار في شيك مصرفي يعطى لذويهم كي يخرسوا، هم الفقراء، وهم القتلة المأجورون بأبخس الأثمان، لقمة عيشهم وفقرهم.

   ليس المؤمن أول الشّهداء ولن يكون الأخير، مؤمن الرّضيع هو حالة لا شخص، حالة المريض الممنوع عن المرض إذا ما قرّر الوزير إيقاف الدّفع، هو حالة ضحايا الوقت الضّائع و اللحظات الأخيرة، أراد   خليل أن يجبر الصّفدي على الدّفع فحاربه بالفقراء، ربح خليل و الصّفدي لم يخسر، لكن هناك من خسر، هو عائلة مؤمن الذي حمله والده بين ثلاث مستشفيات قبل أن يحمله على كتفه، ربح خليل و الصّفدي، وسيربحون في قضائهم المرتهن لاحقا”، وخسرنا نحن، خسرت الحارات الطّرابلسية الفقيرة رضيعاً كان ليكبر فيلهو فيها، يركل التّنك كأنها كرة يحلم بشرائها، يحمل على ظهره محفظته المدرسية علّها ترفعه خارج حارته الفقيرة، يبتسم لقدره ويحارب فقره، لكن لن يفعل مؤمن أي من هذا، فقد أرخى جفنيه ومضى علّ المجهول معلوم له أكثر من حاضره و مستقبله هنا، لربما المجهول له قد يكون حارة يكبر فيها دون أن يجبره فقره على حمل السّلاح، دون أن يكون جندياً على محور التّبانة – جبل محسن، ربما رحل باكراً رفضاً لأن يكون سلعة رخيصة، من يدري، لربما سلعة لقاتله محمّد الصّفدي أو أي قاتل آخر من العصابة الحاكمة.

  يلتهم الموت أجسادنا بنهم، للفقير مع الموت علاقة حبّ و شغف، ينتظر شبح الموت الفقير عند كل مفترق، بتحايل عليه ليأخذ روحه، يخدعه ويبتسم له، يعده بأنهار من عسل وجنّات من أحلامه البسيطة، حلم   بسترة أو سيّارة، يستدرجه الموت بأدواته إليه، إمّا بجنّة فيها حورية لم ير مثلها لعجزه عن الزّواج بسبب فقره، أو بشيكّات لأهله فبضحّي بنفسه لينتشل أهله من مستنقع الفقر، يرحل ويخدع..فضّل مؤمن الرّضيع أن يرحل، أغمض عينيه في قبره البارد و إلتحف التّراب، سكت بكائه، صمتت أحلامه، وغاب.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s