أحمد م. ياسين

   “هيئة التّنسيق عم بتوعّيك، من غيبوبتك يا عامل فيق، حقوقك ناطرة بالسّاحة و عم بتناديك!” بالعامّية وبالمختصر، تلخّص هذه الجملة حراك هيئة التّنسيق النّقابية في لبنان في الأسابيع الأخيرة، أتى الغريب من    شعبٍ عن مسؤوليه غريب، فإنتفض و أعلن الزّحف، زحف بيروت العمّالي.

   بينما يهيم الإتحاد العمالي العام أعضاءً ورئيس باحثين عن من يرشيهم، إنتفض عمّال لبنان و موظّفوه محتلّين ساحات لطالما كانت محتلّة من قبل الأحزاب، تأخذك العين في مشاهدات لم نعهدها سابقاً، موظّف    يطالب بحقّه وإلى جانبه خيمة 14 آذار، الأول يجسّد معنى الصّورة ومضمونها، بينما تجسّد الخيمة الفارغة سياسات 14 و8 آذار الاقتصادية الفاشلة على مدى أكثر من عشرين عام.

   نزعت بيروت عنها اليوم ثوب رتابتها وروتينها اليومي، فتحت ذراعيّها مستقبلةً الزّاحفين نحو لقمة عيشهم، تخلّت بيروت عن أناقتها وجمال “سوليديرها” لتتزيّن بإبتسامات العمّال، فبدل أن تعجّ منابرها بصراخ    السياسيين و أكاذيبهم، غنّت بحناجر حنّا غريب ورفاقه أغنية الجوع، أغنية الجوع التي تعبّر عن لبنان أكثر من نشيده الوطني، وقفت بيروت بأبنائها في وجه حكومةٍ صمّاء ورئيس يدفن رأسه في الرّمال، رئيسٍ يظن أن شعبه ملفٌ سوري فينأى بنفسه عن جوعه وفقره، هل يريد ميقاتي منّا أن نتظاهر أمام ال LibanPost ونعيق أعماله كي يشعر بوجعنا؟ بالأمس وقف السّنيورة على شرفة السّراي يراقب المتظاهرين، ها هو ميقاتي يفعلها اليوم.

   آلاف الحناجر صدحت اليوم لا للمطالبة بحقّها فقط، بل بمطالبة الدّولة بالقيام بواجباتها، أعطوا الموظف حقّه في السّلسلة و خذوا حقّكم من مَن يصادره، تريد الحكومة تمويل السّلسلة من أموال المتقاعدين بدل    أن توفّر لهم ضماناً للشيخوخة، او بطاقة تأمين صحّي كالتي طالب بها الوزير نحّاس ودفع ثمنها إستقالته، حكومة كسابقاتها من الحكومات، إعتادت تمويل جيوب مسؤوليها من عرق مواطنيها، حكومة تكمل النّهج الاقتصادي الحريري الذي حاول نحّاس مراراً و تكراراً محاربته، محاربة العرف الذي إعتدنا عليه، عرف تقديس صاحب العمل والهيئات الإفتصادية وتفضيل مصالحها على مصالح العمل، عرف سحق العامل كرمى لمصلحة ربّ العمل، عرف القضاء على الطّبقة الوسطى نهائياً، لهذا إستقال شربل نحّاس، و لهذا إنتفضت هيئة التّنسيق النّقابية اليوم في ظلّ غياب الممثل الحقيقي للعمّال.

    يكاد المتابع وللوهلة الأولى أن يصدّق أن الدّولة عاجزة عن تمويل سلسلة الرّتب والرّواتب، يصدّق ذلك قبل أن يسمع بزيادة 6 نوّاب جدد تتعدّى تكاليف إستحداث مراكز لهم تكاليف السّلسلة فقط لتقاسم    الحصص جيداً، هذه الدّولة ليست عاجزة عن تمويل السّلسلة أكثر من ما هي مرتهنة للهيئات الاقتصادية والسياسيين، هذه الدّولة تهمل المرفأ وتتغاضى عن أخذ حقّها في الضّرائب منه، تغضّ الطّرف عن القطاعين المصرفي والعقاري، وتماطل في تحريك ملّف النّفط –إلّا من حيث تعيين هيئة سرقة تحت إسم هيئة النّفض- هي دولة لا مسؤولة، إن صحّ تسميتها بدولة أصلاً، لا تقترب الدّولة من هذه القطاعات ببساطة لأن رجال السّلطة هم من يمتلكونها، إبحثوا عن المستفدين من القطاعات العقارية، المصرفية و المحروقات إضافة إلى الأملاك البحرية.

   حنّا غريب، نعمة محفوض وشربل نحّاس ليسوا من كوكب آخر، هم عمّال و موظّفون عاديون تجرّؤا على مواجهة السّلطة والمطالبة بحقوقهم فأنتجوا ورفاقهم بداية الرّبيع، ربيع العمّال في يوم زحف بيروت،    يوم يعادل الأول من أيّار في كونه عيداً حقيقيّاً للعمال، عاشت هيئة التّنسيق النّقابية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s