أحمد م. ياسين

    لا، لا أقصد السّوريين ممن يحبّون حزب الله المقاوم، ولا من في تمّوز فتحوا بيوتهم متقاسمين لقمة عيشهم وخبزهم مع النّازحين اللبنانيين، لا أعني من جعل من صورة السّيد حسن نصر الله جدارية تزّين    غرف منزله الشّامي، أعني جمهور الحزب القاطن في لبنان وعينه كما قلبه، على سوريا.
جمهور المقاومة، عينه على سوريا مترقّباً ما قد يحمله الرّبيع التّكفيري إلى وطنه، وقلبه عليها مرتعداً، جمهور المقاومة المُستَغل، فالكل يكتب بإسمه –وأنا منهم-، بينما ينصرف هو نحو حقول التّبغ، لتتوارى    خلف إبتسامة الصّغير والكبير فيه حكايات عن ماضٍ ممزوج بألم الاحتلال، وحاضرٍ يعجّ بالإستحقاقات التي فرضت نفسها عليه دون ان يكون له في هيمنتها على تفاصيل حياته اليومية رأي، كما مستقبلٍ يمطي فرس الموت حاملاً رؤوس قتلى تحتّل أجسادهم الشّاشات، هذا الجمهور، هو من يرى الأمل مسجّى أمامه بإنتظار من يأذن بدفنه، أي أملٍ هذا الذي ننتظره؟، مهلاً، ذاك المسجّى امام أحلامنا هو جسدٌ لأملٍ ضعيفٍ عاجز، خرجت منه الرّوح لتبعث في قلوب جمهور المقاومة الطّمأنينة، روحه التي تفرّقت نجوماً تضيء درب العابرين وتؤنس وحشة لياليهم، قف بنا، قف بنا يا حادي هنا، إنّنا نخاف، نخاف الغدّ، قف بنا عند اليوم أو عد بنا من حيث أتينا، فلا يؤلم الجرح إلّا حامليه.

   لا أعرف إن ما كان القدر هو المُلام، أم أن الحظّ ونحن طِباقٌ يستحيل لقائه، تسير إنتصارتنا بالتّوازي مع خيباتنا، يمتزج فرحنا بوجعنا، فالحزن هو ضيفنا الدّائم، فلا تكاد تطرق بيتاً من بيوتنا، إلّا وكان الحزن    لك من المستقبلين، وإن سافرت العبرات على جفون الصّبر، تستحضرك صور الشّباب الشّهيد، في كل شارع، حارةٍ وزاروب، في كل بيتٍ هنا حكايةٌ لشهيدٍ أو مغترب، وإبتسامةٌ تختزل في طيّاتها أقسى درجات الحزن في نفوسٍ صنعت من اليأس قاعدةً للأمل، فكان لها ما أرادت ولو بثمنٍ غال.
في غضون أقل من شهر، كُتب عن هذا الجمهور وبإسمه آلاف المقالات والتّحليلات، تارةً هو ناقم على حزب الله، وطوراً هو يستعدّ للتغيير، لتأييد من لم يكونوا في يومٍ محلّ ثقة، دائماً بحسب الكتبة والصّحف    الصّفراء، لكن هذا الجمهور بقي صامتاً، كأنه والصّمت صنوان، لم يُزل عن محيّاه تلك الإبتسامة، لكن حزنها الخفي ما عاد إسرائيلي القطب فقط، صار الجرح سورياً في الجغرافيا، عالمياً في الفاعل، مع أن الفاعل كمثل المفعول به، يتدوران على لعب الأدوار فيتقناها.

لا، لسنا جدراناً صلبةً ولا روبوتاتٍ تمّت برمجتها على رسم الإبتسامات بين الحين والآخر، نحن الخائفون الذين من خوفهم صنعوا حكاياتٍ يأخذ منها المجدُ مرجعاً إذا ما تعذّر عليه التّعريف عن نفسه، خائفون       كنّا ولا نزال، نتحسس رؤوسنا قبل أن نضعها على الوسائد، هل هي في مكانها؟ أم إقتلعها سيف ثائرٍ لا يرى منّا إلا طريقاً يعبّده بأشلائنا كي يصل الجنّة، من قال أننا لا نتألم في كل مرّةٍ ندفن فيها جثمان شابٍ منّا قد سقط في سوريا؟ من أعطى لنفسه الحق في أن يحاكمنا ويكتب عنّا كأننا في مجتمعٍ شموليٍ أو في ألمانيا النّازية ندين بالولاء للقيادة مهما جرى؟ من المخوّل أصلاً أن يكون الحكم وله الحقّ في القرار أو الفصل؟ أتظنون أن شبابنا يذهبون للموت فرحين أم أنّكم إعتدتم الإستثمار في الموت كي تعتاشوا كالدّود الطّفيلي الذي يتغذّى على الدّماء؟
لسنا عبدة أصنامٍ من القيادات، لسنا مجتمعاً يهوى ثقافة الموت، نحن من يرى في الموت حياة، فيخرج طالباً الحياة لمجتمعه ولو كلّف الأمر موته، قدرنا أن نُحرم نعمة الاستقرار، فقد ولدنا على فوّهة بركانٍ    فكلما حاولنا إخماده، إشتعل أكثر فأكثر، ماذا نرى في النّزاع السّوري؟ لا علاقة لنا ببقاء النّظام أو رحيله، لكن إن كان رحيله يعني ذبحنا لهويةٍ دينية، فمن كشف أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، لن يجلس منتظراً الموت القادم على فرس عزرائيل، يحصد الرّؤوس ويمزّق الأجساد، لن نكون لقمةً سائغةً يعلكها مضلّلٌ عسى أن يذوق فيها طعم الجنّة، وإن كنّا اللقمة التي يتناولها المثقّف ويجني منها دولاراتٍ  يكفيه تذّكر سببها…كي يغرق في عاره.

   لست، كجنوبي، راضٍ عن حزب الله السّياسي، حزب الله أثبت نفسه فاشلاً مذ أن أصبح طرفاً في السّياسة اللبنانية، من إعتصام وسط البلد، إلى حكومات السّنيورة – الحريري وميقاتي، تندر الخدمات في    مناطقنا، حلفاءُ الحزب يجنون المكاسب ويفتتحون المشاريع على حساب صمتنا، تكفيكم نظرةٌ بسيطة على نسب الهجرة، كي تجدوا أننا من الأكثر هجرةً في لبنان، لكن حنقنا وغضبنا على الحزب، هو لممارسات سياسيّه وغيابهم عن آلامنا اليومية، هذه الآلام، وهؤلاء السّياسيين ليسوا هدفاً مغرياً للكتبة والإعلام كي يظهروا إنزعاجنا منهم، فنحن آخر ما قد يهتمون به وإليه عكس ما يكتبون ويتباكون ليل نهار، ليست تجارةً مربحة، بل مهاجمة المقاومة أربح، المقاومة التي يلبس الحزب عباءتها هي نحن وهو، هي الفلّاح، المزارع، الحدّاد، النّجار، المعلّم، المهندس، الطّبيب والعمّار، هي الجنوبي البسيط الصّلب، من يأبى أن يمسح عن جبينه ندى أرضه، الجنوبي مثلي أنا، من عاد إلى منزله بعد الحرب يعد القنابل العنقودية ويقيس الحفر التي أحدثتها الصّواريخ، يقيسها ويتخيّلها كانت لتكون قبراً له، الجنوبي الذي يرسم على ثغره إبتسامةً حزينة، لا ينفك يحّولها جدولاً من أمن وأمل، أمن وأمل صُنّاعه شبّان ندروا حياتهم لحمايته.

      خيارُنا أن يمثّلنا الحزب ليس لزفتٍ على طريق، أو لوظيفةٍ في دائرةٍ فاسدة، إسمعونا جيداً، خيارنا ما بُني إلّا على ثقةٍ بمن وعدوا فصدقوا، قاوموا فحرّروا، من حافظوا ويحافظون اليوم على رؤوسنا في    مكانها قبل أن يحتزّها سيف النّصرة، نصرة الباطل على حساب الإنسانية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s