شدّ المجنون الرّحال

Posted: مايو 13, 2013 by Ahmad M. Yassine in لبنان, خربشات شخصية
الوسوم:, ,

أحمد م. ياسين

   حان الموعد، رمى حقيبته التي حملها أكثر من أربعين عاماً جانباً ورحل، مجنون الحي ما عاد حي، إختار لنفسه حياةً هادئة تكاد تشابه المستنقع في ركودها، مع ذلك، كان مجنون الحي، قليلةٌ هي الكلمات التي    سمعتها منه، لم يكن يهوى الكلام ولو أن لعيونه قدرةً على الكلام، لكانت فاضت بمكنونات قلب الدّكتور، الدّكتور المجنون.

   بعيداً عن العالم الفعلي والإفتراضي، قطن الدّكتور العجوز وزوجته في عالمهما الخاص، كنّا نراه عائداً من بيع أوراق اليانصيب، يرتدي ربطة عنقٍ باليةٍ وبنطالاً قديماً، ننتظر مجيئه كي نسخر منه، هذا الرّجل    هو حجرُ أساسٍ قامت على مثله طفولتي، كنّا زمرةَ أطفالٍ ومراهقينَ نتلهّى بمشاكل النّاس، وإن لم تنوجد المشاكل، نختلقها، وكنّا قد حفظنا ميعاد عودة المجنون من جولته اليومية، كلّما دقّت السّاعة معلنةً عن بلوغها الخامسة، خرجنا ننتظره عند باب الحي، نسخر من لباسه وساعة يده، بينما هو يبتسم ويوزّع علينا الحلويات، حتّى كبرنا ولا زالت ملابسه على حالها، طبعاً كان الزّمن كفيلاً بمسح ألوانها، لكن، بقي المجنون على حاله حتّى باغته الأجل، أو أنّه كان ينتظره منذ زمن، زمنٍ بعيد.

   لا أعرف، أجدني نادماً على ما مضى، لقد رحل المجنون ولم أكن أعرفه، مع أنّي إعتدت لقاءه يومياً ورفاقي، لم أفكّر يوماً في أن أتبعه إلى حيث يذهب، لم أزره في منزله أبداً عندما كان على قيد الحياة، لم اظن أصلاً أنه جسدٌ محسوس، بل أكثرَ منه ميّزة تميّز بها الحي كعلامةٍ دالةٍ عليه، لم تكن حياة المجنون صاخبةً أبداً، على العكس، لم يركب حصاناً خشبياً أبداً، لم يهذِ، ما كانت تصرّفاته مخالفة للطبيعة أو غريبة، إنّما صمته وساعة يده، كان يضع في يده ساعةً رقميةً زرقاء اللون، رُسم عليها سوبرمان.

   ربما أصلُ صيت الجنون، كان هذه السّاعة مشتركةً مع الزّمن الذي هَتَمَ فمهُ حتّى كاد يخلو من الأسنان، إلّا الصّفراء منها والتي بدورها كانت ضحيةً لسجائر اللف، فنزعت عنها بياض لونها ليكسوها الصّفار،    كأنها مرآة لوجه الدّكتور، حمل المجنون شهادتي دكتوراه في الفيزياء والهندسة الميكانيكية، لكنه ما كان محدّثاً ذو فصاحةٍ وبلاغة، لم يأتِ بعمره بالكلام الحسن المبين على الرّغم مما يحملُ من شهادات، لطالما عانى من عدم التّلاؤم بين جُمله ووصول المعنى المقصود مهشّماً تماماً، كان أوضح ما فيه شكلاً ومضموناً هو تلك السّاعة، كانت لغزاً إكتشفناه بعد الرّحيل.

   لم تكن السّاعة اللغز الوحيد، بل منزل الرّجل أو مكتبته، كانت تعجّ بالكتب والمراجع العلمية، بيته مؤلّفٌ من ثلاث غرفٍ إحداها فارغةٌ إلّا من سريرٍ لطفل، مع أنّي وحسب ما أعرف، لا طفل للرجل،    للصّراحة، لم أسأل يوماً إذا ما كان له طفل أم لا، في خزانته ملابسٌ غير تلك التي إعتدنا أن نراه فيها، أحذية غير مستعملة، تلك الخزانة تُشبه متحفاً لأزياء التّسعينيات، بيد أن ساعة تجديد ما فيها توقّفت قبل حلول الألفية الجديدة، الشّيء الوحيد الذي تجدّد دورياً هو المكتبة، حتّى أن في محفظته كتاباً جديداً لربما إشتراه قبل أن يرحل، لم يكن المجنون مجنوناً!

   أمّا السّاعة، فكانت ساعةَ صاحب الغرفة الفارغة، ساعة وحيده الذي قضى دهساً في أواخر التّسعينيات، توقّف الزّمان عند الدّكتور ساعةَ توقّف قلب إبنه عن النّبض، فكانت السّاعة الزّرقاء رفيقة ذكراه الدّائمة،    أكاد أجزم أن الرّجل كان يرى فينا إبنه، وكان يشتري الحلويات خصّيصاً  لا له كما كنّا نظن، كان المجنون أعقل منّا، كان العاقل الوحيد، كان أكثر تعقّلاً من الجميع، فكلما زادت الإهانات، بادلها بالصّمت المطبق والإبتسامة، تخيّلوا لو أنه لم يكن “مجنوناً” وردّ على ما كنّا نفعل، يبدو أننا نحن من كنّا المجانين، أيها الدّكتور، رحلت قبل أن تسنح لي الفرصة كي أعتذر منك، رحلت ولم تقبل منّا إعتذاراً لم تسمعه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s