أحمد م. ياسين

   الجيش هو الحامي للحدود والضّامن للامن الوطني، هو المسؤول عن صدّ الاعتداءات الخارجية من أي طرف أتت، بينما تُناط بقوى الأمن الدّاخلي مهمّة صون الأمن الدّاخلي وحل الاشكالات بين أبناء الوطن الواحد، أو الموجودين على اراضيه من نازحين ولاجئين، هذا هو البديهي في أي دولة في العالم، دولةٍ تحترمُ نفسها، إلا في لبنان، فلا يكادُ كادرُ الصّورة أن يخلو من مسلح، حتى يظهر آخر في منطقة أخرى، عدا عن حشر كل طرفٍ أنفه في حربِ سورية الأهليةِ الداخلية، إذاً، في لبنان تختلف الشّرائع والأعراف، في لبنان سلاحٌ غير شرعي خارجٌ عن سيطرة الدولة كلياً.

  أصبح من المعروف أن مشكلة لبنان الثّانية بعد الاقتصاد هي الأمن مع أن الأمن يتقدم على الاقتصاد أحياناً، سلاحٌ منفلتٌ في كل مكانٍ ولكل طرفٍ تبريراته، هذا ما نعيشه منذ زمنٍ بعيدٍ لا أذكر إن كنت قد ولدت حينها أم لا، آخر فصول هذا الانفلات كان هجوم الارهابيين على الجيش في عبرا، سقط خلاله أكثر من ١٧ شهيداً للجيش على مذبح الوطن ودرءًا لفتنةٍ أعد لها الأسير ومن دعمه عن سابق إصرارٍ وتصميم، فتنة ما كانت لتبقي أحداً، وأول ضحاياها هم من يحاولون اشعالها، أي الفريق المغطي سياسياً للأسير والظّواهر المشابهة له، أي من غطى فتح الإسلام في نهر البارد سابقاً، من غطى ودعم جند الشّام وعصبة الأنصار، هذا الطّرف هو المسؤول الأول عن دماء الجيش، لكن كالعادة وفي وطنٍ قضاؤه مرتهن، لن يحاسب أحد ورحم اللّه من سقط شهيداً! هل سلاح الميليشيات هو الوحيد المنتشر؟ بالطّبع لا، بل سلاح حزب الله أيضاً، هذا السلاح الذي يستخدمه الفريق الداعم للظواهر المتطرفة كغطاءٍ يبرر فيه مخططاته، سلاح الميليشيات مقابل سلاح الحزب، معادلةٌ يحاول البعض ارساءها وسيفشل.

 لنقم بسرد تاريخي لمقارنة السّلاح الموزع ووجهة إستعماله في الداخل اللبناني.

   إنه الثّالث عشر من أيلول ١٩٩٣، هنا الضّاحية الجنوبية، طريق المطار تحديداً، مئات المتظاهرين من نساءٍ وأطفالٍ ورجالٍ رفضاً وتنديداً بإتفاقية “أوسلو” الشّهيرة، فقراء الضّاحية ومهجّري البقاع والجنوب الموزعين فيها حملوا اليافطات، هتفوا، ندّدوا واعترضوا، فجأةً فتح الجيش النّار على المدنيين العزل، لا سلاحَ يملكونه، لم يكن بين أيديهم أي سلاحٍ حتى السّلاح الأبيض ؛ قرار السّلطة السّياسية آنذاك كان بقمع المظاهرة بالرّصاص الحي، سقط عشرات القتلى والجرحى، غضب المتظاهرون وتوجهوا مباشرةً إلى باحة شورى حزب الله في حارة حريك، كان نداء الحناجر موحداً:”يا شورى يا أفاضل.. نريد أن نقاتل”، خرج لهؤلاء شابٌ صغير، هو السّيد حسن نصر الله وهدأ حشود الغاضبين:”لن تقاتلوا هؤلاء، بل ستقاتلون أسيادهم”، انتهت حادثة طريق المطار الشّهيرة، سقط عشرات الجرحى والقتلى برصاص الدّولة وسكت حزب الله…

   السّابع والعشرون من ايار ٢٠٠٤، ساحة الأحداث هي حي السّلم في ضاحية بيروت الجنوبية، إضرابٌ للاتحاد العمالي العام ينتهي بخمسة قتلى وعشرات الجرحى برصاص الجيش اللبناني أيضاً وبأمر من قائده حينها ميشال سليمان، خرج الناس للمطالبة بلقمة العيش، في حيٍ لا يملك أدنى مقومات الحياة الكريمة، حيٌ كان يسكنه في حينها ربع مليون نسمة، لا مدرسة فيه ولا مشفى أو مستوصف، خرج النّاس بعدما تأكدوا من محاصرة الدّولة لهم حتى في نقاباتهم، فكان الرّد بالرّصاص المباشر القاتل، برّرت قيادة الجيش حينها ما جرى بالمؤامرة والطّرف الثّالث المستفيد من توتير الأجواء في وطنٍ خرج منتصراً على إسرائيل حسب بيان مديرية التّوجيه، ثارت ثائرة النّاس على حزب الله حينها لصمته عن جريمة القرار السّياسي الذي إستخدم الجيش أداةً قمعيةً في وجه الفقراء، لكن، سكت حزب الله مجدداً…

   السّابع و العشرون من كانون الثاني ٢٠٠٨، هنا مار مخايل – الشّياح، لا كهرباء منذ أكثر منذ أربعة أيام وربما أكثر، خرج شباب المنطقة للاعتراض وقطع طريق تقاطع مار مخايل – الشّياح بالاطارات والمستوعبات المشتعلة، نزلت قوة من الجيش اللبناني، سار الأمر على ما يرام، فجأة، ثمانية قتلى و إثنان وعشرون جريحاً في صفوف المحتجين، إنه رصاص الجيش من جديد وبأمر من قيادته، أي ميشال سليمان، ها هو عماد مرمل يستضيف أهالي الشّهداء في برنامجه “حديث الساعة” على قناة المنار مع نواب المنطقة وابرزهم علي عمّار، الأهالي يهاجمون علي عمّار والنّواب، يحمّلونهم كما الجيش مسؤولية الدماء التي سقطت، رد عمّار كان:”فلننتظر التّحقيق، والجيش جيش الوطن، لنرى من المستفيد من فتنة بيننا وبين الجيش”. لم يقنع الكلام أهالي الشّهداء، لم يقنع عمّار حتى، لا تحقيق جرى، لا نتائج ولا متهمين ، ضاع دم شهداء مار مخايل في زواريب السّياسة وسكت الحزب عن جريمة من أوعز للجيش بإطلاق النّار على المتظاهرين العزل..

  الثّامن والعشرون من آب من العام نفسه، أي ٢٠٠٨، الضّابط الطّيار سامر حنّا شهيداً برصاص نقطة للمقاومة في محلة تلة وزلان – سُجُد، انها المرة الاولى التي يُقتل فيها فرد من المؤسسة العسكرية على يد عناصر من حزب الله، سلم حزب الله الجاني مصطفى المقدّم، سجن المقدّم لعشرة أشهرٍ قبل أن يخرج بكفالةٍ ماديةٍ قدرها عشرةُ ملايين ليرةٍ بعد حكم المحكمة العسكرية برئاسة القاضي نزار خليل يعاونه المستشار المدني القاضي داني الزّعني. خروج المقدّم أتى بعد تحقيقٍ داخلي من قيادة الجيش أفاد بتحليق المروحية دون التّنسيق مع قيادتها مسبقاً كي تنسق مع قيادة المقاومة، مما أدى للاشتباه فيها واطلاق النار وتسجيل أول حالة من نوعها بين الجيش والمقاومة. كيف تعامل حزب الله مع الحالة؟ سلّم الحزب مطلق النّار مباشرةً للجيش وأودعه إياه حتى نهاية التّحقيق وإجراء التّدابير القضائية اللازمة، حاول البعض أن يصور أن حزب الله هو من أخرج المقدّم من السجن لاحقاً، لكن من أخرجه، هو قرارٌ قضائي رسمي من المحكمة العسكرية اللبنانية.

  لم يسجل من بعدها أي إشتباكٍ بين الجيش وحزب الله، لم يُشهر سلاح الحزب داخلياً حتى في خضمّ أحداث السّابع ايار، وللسابع من ايار قصة أخرى تعود إلى الخامس من الشّهر ذاته، قراران يقضيان بنزع سلاح الاشارة -أي شبكة إتصالات المقاومة- وملاحقة كما محاسبة من ركّبها، خطّط لها، وساهم في تنفيذها، أي المقاومة جسماً وقيادة، كان نصّ القرارين واضحاً بتكليف الجيش بهذه المهام، أي وضع الجيش في مواجهة المقاومة مباشرةً، يعني فتح معركةٍ بين الجيش والمقاومة، نتجت عن هذين القرارين أحداث السّابع من ايار المرفوضة لكن المفروضة، لم يحتل حزب الله بيروت أو الجبل كما ما زال حَمَلةُ قميص عثمان يروجون لليوم، لم تكن حرباً بين السّنة والشّيعة، بل بين المقاومة والمشروع المناوئ لها، لم يكن حزب الله وحده المقاتل حينها، بل الحزب الاشتراكي وتيّار المستقبل أيضاً مطعّماً ب ١٠٠٠ مقاتلٍ من عكار تحدّث عنهم وليد جنبلاط حينها، إنتهى السّابع من ايار وسحبت القرارات، خاض المستقبل كما الرّابع عشر من آذار إنتخابات ال ٢٠٠٩ حاملين شعار السّابع من ايار وسطوة السّلاح، قبل أن يعودوا ليشاركوا مع السّلاح ذاته في الحكومة، وكانوا قبلها قد تشاركوا معه في إتفاق الحلف الرباعي عام ٢٠٠٥.

  التّحريض المذهبي المتنامي خاصة بعد إقالة حكومة سعد الحريري كان عاملاً مفصلياً يضاف إلى الحرب الأهلية السّورية في التّطور الدّراماتيكي للأحداث في لبنان، التّحريض ولّد إحساساً بالغبن عند طائفةٍ كبيرةٍ من الناس ما لبث أن تنامى في ظل الأزمة السّورية والتّعبئة المذهبية العمياء، كما ظهور حالات شاذّة كأحمد الأسير وتضخم أخرى كقادة المحاور – كما يسمون – في طرابلس، مع حملات التّسليح المخيفة التي غزت لبنان فأصبح السّلاح وظهوره أمراً عادياً ووسيلة لحل الخلافات الفردية والعائلية والمناطقية، أمسى هذا السّلاح خطراً جدياً على السّلم الأهلي والوحدة الوطنية، لا بل حتى على وحدة الجيش مع شيوع دعوات الإنشقاق عن الجيش وظهور مصطلحاتٍ جديدةٍ غريبةٍ على المجتمع اللبناني، فتارة يلقب الجيش بالكافر وطوراً بالنّصيري الذي يعمل وفقاً لمشروعٍ صفوي مجوسي من قبل أشخاصٍ مكانهم الطبيعي هو السّجن لم يشكلونه من خطر على الوحدة الوطنية والوطن.

  موجة التّفلت هذه تترجمت اعتداءاتٍ على الجيش ومراكزه في التّبانة، فتح معارك مع جبل محسن وحرب عصاباتٍ بين الجبل والتّبانة، حيث يحظى طرفا الاقتتال بدعمٍ سياسي من الأطراف. الاعتداء على الجيش لم يكن محصوراً بطرابلس، بل بتهديد ضباطه وعناصره في الكويخات – عكار من قبل خالد الضّاهر ومجموعته المسلحة من لبنانيين وسوريين، والخطف المتكرر للمدنيين في البقاع في استفزازٍ واضح لاستجرار فتنةٍ يقتتل فيها السّني مع الشّيعي،  مروراً بقتل ضابط وعنصر في عرسال، لا بل والتّمثيل بجثتيهما في مبنى البلدية “التّابع للدولة اللبنانية”، تخوين الجيش بعد مقتل أحمد عبد الواحد والارهابي خالد الحميد، الهجوم الدّائم عليه من نوابٍ كمعين المرعبي ومحمد أبو العبد كبارة والدّعوات للجهاد ضده من قبل سالم الرّافعي، داعية الاسلام الشّهال وعمر بكري فستق على سبيل المثال لا الحصر، قبل أن تحصل معركة صيدا التي لم يجرؤ على ادانتها رئيس الحكومة خوفاً على شعبيته واصواته الانتخابية، بل وأعلن الحداد ساعةً واحدة على من إفتدوا بدمهم هذا الوطن، عدا عن خروج أصواتٍ ارادت من الجيش أن يفاوض الارهاب، وطرحت المبادرات لتأمين الغطاء للارهابيين علها تضغط على الجيش، حسم الجيش معركته في صيدا فانطلقت هذه الأطراف تشكك في قدرته وتزعم بأن عناصر لحزب الله قاتلت معه. هذا ما نفاه الحزب جملةً وتفصيلاً مع أن البيان الوزاري للحكومة، لا حكومة نجيب ميقاتي فقط، بل سعد الحريري وفؤاد السنيورة يعطيه الحق بذلك من خلال معادلة الجيش الشّعب والمقاومة، هذا السّلاح المنفلت الذي يهدد أمن البلد في كل ثانية، جعل منه جزراً أمنية يتحكم فيها زعرانٌ وميليشيات، لمصلحة من؟ من المستفيد من شحن السّنة وتسليحهم في وجه الدّولة؟ كان السّنة منذ بداية الكيان اللبناني هم حصن العروبة ودرعها، من يسعى لجرّهم إلى الاقتتال كي يعود إلى السّلطة والكرسي حتماً سيفشل كما فشل مشروعه في نهر البارد وعبرا.

   أي سلاحٍ خارجٍ عن شرعية الدّولة اللبنانية مرفوضٌ ومرفوض، من سلاح حزب الله إلى غيره، ولا يمكن لأحدٍ أن يصادر دور الجيش والقوى الشّرعية، يجب سحب ونزع السّلاح من كافة الأطراف مع إنعدام اسبابه ومسبباته، فلنبدأ بالاكثر تهديداً على الأمن الوطني، ليسحب السّلاح المنفلت بين أيدي المواطنين في عرسال، طرابلس، اللبوة، الضّاحية، طريق الجديدة، صيدا، حارة النّاعمة، عكار وغيرها، من ثم ليسحب السّلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها، كيف يسمح للاجئ بحمل السلاح وتشكيل تنظيماتٍ عسكرية؟ بعدها، فليعالج سلاح حزب الله ضمن إستراتيجيةٍ دفاعيةٍ مناسبة، وهناك تجارب عالمية عديدة في هذا المجال يمكن الاعتماد عليها كمرجع.

   أن يسلم حزب الله سلاحه في هذا الظرف، أي في ظل انفلات وإنتشار السّلاح والمجموعات، كما التّهديدات اليومية من الجيش السّوري الحر للبنان، طبعاً مرفقةً بالتّهديدات الاسرائيلية والمناورات التي تجري الآن بينما اكتب هذه السطور، ودون تأمين بديلٍ يحمي لبنان والجنوب من هذه المخاطر هو ضرب جنونٍ محض، أما الحملة التي تشن داخلياً وخارجياً على الحزب، فستهدأ فور وصول أميركا وروسيا إلى إتفاق، انها لعبة الامم وهذه قواعدها، حزب الله أو المقاومة ليسا هاويي موت أو سلاح، فليسلّح الجيش حتى يصبح قادراً على حماية الوطن، ولينزع سلاح الحزب بعد ذلك فلا حاجة إليه، لماذا لم يسلح الجيش لليوم؟ من كان في سدّة الحكم منذ العام ١٩٩٢؟ لماذا لم يسلحوا الجيش كي تسحب الذّرائع من حزب الله؟ لم لا يستثمرون صداقتهم وعلاقتهم الدولية في تسليح الجيش مما يحشر حزب الله في الزّاوية؟ كيف لي أن اقتنع بخطابهم بينما هم غائبون عن ذكر تسليح الجيش في مواجهة إسرائيل والجيش الحر؟ عند سحب سلاح الميليشيات والسّلاح الفلسطيني، من بعدها تدعيم الجيش والاستفادة من خبرات المقاومة في هذا المجال حتى يصبح قادراً، أي عند تأمين البديل، عندها فقط، انزعوا سلاح حزب الله! إلى ذلك الحين، إجلدوا الحزب كيفما شئتم في السّياسة والفساد ربما، لكن أرجوكم، احترموا عقولنا وكفى استغباءً للرأي العام.

Advertisements
تعليقات
  1. mkleit كتب:

    Reblogged this on Kleiteria and commented:
    سياق أحداث وتحليل رائع لقصة “سلاح المقاومة” من المدوّن أحمد ياسين:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s