أحمد م. ياسين

      لم تنتهِ الحرب الأهلية اللبنانية بعد، 11 نيسان 2005، “نحن هنا لأنّهم مفقودون، لن نرحل من هنا، في حديقة جبران خليل جبران، سيكون اعتصامنا حتّى معرفة مصيرهم”، يقول أهالي المفقودين في الحرب الأهلية، الذين يقبعون منذ ثمانيةُ أعوامٍ وما زالوا، أو بعضاً منهم، بينما يئس آخرون، فاختار الرّحيل الأبدي علّه يلاقي هناك من فقد.

    إلياس يوسف البيطار، لبناني مخطوف منذ أكثر من ثلاثين عاماً، توقّفت عقارب الزّمن عنده بتاريخ 25 تشرين الثّاني 1975 وكانت منطقة القنطاري آخر مكان شوهد فيه، إلياس ليس المفقود الوحيد في السّجون السّورية، مثله كُثُر من المفقودين اللبنانيين، إمّا في السّجون السّورية، الإسرائيلية، أو في مقابرَ جماعيّةً لم تُكتشف بعدُ لتقصير الدّولة عن القيام بذلك.

في العام 1996 أقرّ الرّئيس اللبناني إلياس الهراوي بوجود 210 لبنانيين معتقلين في السّجون السّورية، وبعد عامين أعلن الرّئيس السّوري بشار الأسد أنه سيطلق سراح 130 لبنانياً ويحتفظ بـ 25 آخرين لأنهم تعاملوا مع اسرائيل. الرقم المذكور يختلف عن الرقم الذي أعلنه سابقاً الهراوي، ويختلف أيضاً عن عدد اللبنانيين الذين أفرج عنهم لاحقـاً (121)، مما يعني أن عدد اللبنانيين الذين لا يزالون محتجزين لدى سوريا هو 34 لبنانيّاً، لكن الدفعة الجديدة التي أفرج عنها في شهر كانون أول من عام 2000، تضمّت 56 لبنانياً. علماً بأن الدولة اللبنانية كانت قبل ستة أشهر قد أوصت بتوفية جميع المفقودين اللبنانيين في اسرائيل وسوريا ولبنان، من بينهم المفرج عنهم، عبر لجنة تقصّي مصير المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية التي أنشأتها الحكومة في شهر كانون الثاني من العام ذاته.

    أرقام، صور، وبعضٌ من معلوماتٍ يأملُ أهالي المفقودين أن تكون صحيحة، لكن الأمل لم يُسعف بعض الأمهات فكان موتهن أقرب، قضوا وقد اعتادوا اللقاء سوية في خيمتهم، في مشهدٍ بات يتكرّر يومياً منذ ال 2005، تتوافد الأمهات إلى خيمة الأمل، يبتسمن وينتظرن الآتي لعله كان حبيباً فقدنه من فقدنه، يأتين من بيروت وضواحيها، صيدا، طرابلس، جبيل، كسروان والمتن ويتجمّعن في حديقة جبران، لا يقوين ربّما على الصّراخ ولا الاشتباك، كلّ ما يفعلنه هو إعتصامهن علّ “الإسكوا” أو المسؤولين اللبنانيين يلتفتون ولو لمرّة إلى مطلبهم، حيث لم يعد ينفع معهم تعهّداتٍ ولا إبرَ مورفين موضعيّة تُنسيهم أو أقلّه تُسكتهم عن البوح بألمهم، فلم يُقفل الباب على مآسي الحرب بعد، فبالإضافةً إلى الضّحايا والجرحى، هناك مفقودون وأمّهاتٍ يتأملّهن الكون راضياً بحُرقتهم.

   تتشابه الأمهات، الزوجات، الأبناء والبنات هنا على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، عائلاتٌ جمعها الألم فاتخذت من ألمها جامعاً لها فيما بينها، يتبادلون الحكايات عن مفقوديهم، يمسحون دموعهم ويكفكفونها، فمن فقدوا لا يرضَى أن تنسكب منهم دمعةُ ذلٍّ واحدة، لا يعرفون إذا ما كان أبناءهم قد مضوا أم ما زالوا على قيد الحياة، هم مفقودون، لا إسم آخر يُطلق عليهم من قبل الأمم المُتحدة غير ذلك.

   الموت ليس قمّة الألم على الرّغم من وجعه، فأصل وجع الموت هو الفقد، فالميت هو مفقود حتماً، لكن من يعرف إنما كان المفقود ميتاً أم سجيناً مٌعذّباً؟، خرجت سوريا من لبنان عام 2005، قبل خروجها صدر القرار 1559 الذي طالبها بالخروج لكنه أيضاً لم يلحظ قضية المفقودين، أتت حكومةٌ جديدةٌ وأكثريةٌ قديمةٌ جديدة، ناصبت لسوريا العداء، مع أنّ معظم شخصيات هذه الأكثرية كانوا بالأمس القريب أزلاماً للسوري في لبنان، وشركاء في خطف اللبنانيين، كما كانوا شركاء في قتلهم إبّان الحرب الأهلية، كعادة السّياسيين في لبنان، المواطن لا قيمة إنسانية له حتّى في زمن الانتخابات وكذلك ألمهم، زاروا الخيمة في أولى أيام نصبها واختفوا، تاجروا بالملف إعلامياً وزايدوا على بعضهم، استغلوه في بازاراتهم السّياسيّة القذرة ثم غادروا وتركوا الأمهات لدموعهن والمفقودين لمصيرهم المجهول.

  أفرجت السلطات السورية سراً مرات عدة عن بعض اللبنانيين، منهم محمد الموسوي وخليل أحمد وعلي مظلوم ووليد إسطفان وجميل هواري في عام 2000، لكنها خطفت في العام نفسه في شهر تمّوز، اللبناني جورج يوسف خوري وثلاثة عسكريين هم: علي عيسى، محمّد الشّوفي وعزّت ياسين. في العام 2003 قامت السّلطات السّورية بتسليم جثة أمين حويس إلى ذويه في زحلة ومنعوهم من الإفصاح عن ذلك، كما سلّمت جثث خالد عزالدين وعادل عاجوري وجوزيف زغيب ورضوان إبراهيم، هؤلاء كانوا مفقودين وأصبحوا ضحايا، تنظر أمهاتهن وزوجات بعضهن إلى زميلاتهن في الإنتظار ويعزّون أنفسهم، على الأقل، هدأت نارنا وحصلنا حتّى على بعضٍ من ملابسهم بدل إبقاء مصيرهم مجهولاً لا نعرف أننتظرهم أم ننعاهم.

   “إذا عاد بعد موتي، أطرقوا على قبري كي أستفيق وأحضنه”..تحمل صورته وتبتسم للكاميرا، وكيف بها تتصوّر عابسةً بينما تحمل صورته على صدرها وإسمه في قلبها؟ باعت حُليها وأساورها بحثاً عن معلومةٍ تُشفي ولو بعضاً من غليلها، تركت الضّيعة حيث كان يجلس، تركت بيتها الذي جمعها وإياه زوجاً، أو الذي ربي فيه طفلاً وسكنت خيمةً علّها تهزّ ضمائراً قد نامت وأخلاقاً قد هرمت وشاخت، لم يكترث لألمها أحد، مع ذلك لم تُغادر، غادرت رفيقاتها إلى قبورهن وهي تنتظر خبراً يُسكِنها بيتها من جديد، ولو إتشحت بالسّواد، تريد فقط أن تعرف أين هو وماذا حلّ به، فصديقتها إنتظرت إبنها الشّهيد الرّقيب أول يوسف مخايل الحاصباني  أكثر من سبعة عشر عاماً لتجده أخيراً، وجدته رُفاة في مقبرةٍ جماعية في اليرزة، إنتظرته وإذ به يظهر بالقرب منها شهيداً…

   ليس هنالك من يشفع للمفقودين، لا اتفاقيات ثنائية تُوجب معرفة مصيرهم كاتفاقية العام 1951 بين لبنان وسوريا، ولا ساسةٌ يعيرون للمواطن أصلاً اهتماما، ولا دمعة أهلهم الذين اعتادوا العيش بلا مُعيلٍ وسرق منهم الفقد حتّى القليل من الفرح، فطعامهم تغمّس بالدّموع ولياليهم بالأسى، لا يرضى القاتل أن يدلّهم على مدافن أبنائهم مع رضاهم بجرائمه، رضي القتيل ولم يرضى القاتل. لا يعرفون ما إذا كان المفقود ميتاً أم معذّباً، يصلّون وينتظرون، يبتسمون كلّما طرق الباب، عاد!. ولكنه لم يعد.

 

إضغط على الصّورة لسماع أغنية : شوية روح، حوارٌ بين مفقودٍ وأمّه

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s