هل ما زلت على قيد الحياة؟

Posted: سبتمبر 1, 2013 by Ahmad M. Yassine in لبنان, خربشات شخصية
الوسوم:, , , , , , , ,

 

 أحمد م. ياسين

    إنّها السّادسة صباحاً، يرنّ المنبّه فأسكته، يرّن مجدّداً ومجدّداً حتى أعالج صراخه بضربة يومية تظهر على شكله ندوباً، أنهض من سريري وأتأمّل وجهي في المرآة، من هذا؟ أرفع يدي وأمسح بها وجهي فأراه مغطّى بالدّماء، أفرك عينيّ وأنظر، لا دم على وجهي أبداً، أبتسم وأقول لصورتي أن اليوم يومٌ جميل، لا داعي للهلع.

    أجوب غُرف المنزل مطمئناً على وجود أفراد عائلتي، ما زالوا هنا، كلّ شيءٍ على ما يُرام ويبدو اليوم جيّداً، أحمل أغراضي وأنطلق نحو العمل، مهلاً، نسيت سماع أخبار الطّرق وزحمتها، نسيت أن أحلق ذقني أيضاً، أو ربما لا، كانت الكهرباء مقطوعة أو المياه، لا أذكر.

   أنظر في مرآة سيارتي فإذا بالدّم يغطّي وجهي مرّة أخرى، أفرك عينيّ ولا دمّ على وجهي أو يداي، بينما أنا كذلك، يخرق جوّ الصّمت الممزوج بالقلق صوتٌ خفيف..”بدّك علكة؟”، يبادرني الطّفل بالسّؤال فأردّ عليه بآخر:”هل تراني؟ أمعن النّظر في وجهي، أهناك دماءٌ تسيل؟”..ينظر الطّفل بتعجّب ويمضي دون إجابة، كأنّي بلسان حاله يقول:”تباً، إنّه بالفعل لمجنون!”، أضحك هنا أنا، فما زلت على قيد الحياة رغم كلّ شيء! لا داعي للهلع.

   أمرّ تحت الجسر كما العادة، نازحون يفترشون الأرض ويلتحفون السّماء تعلو علامات البؤس على وجوههم، متسوّلون يرابطون على إشارات السّير علّهم يصطادون سيّارةً هنا أو ماراّ هناك فيكسبون منه، لا شيء أسمعه على الرّاديو، لا جديد تحويه الجرائد، مع ذلك قرّرت أن أشتري جريدةً اليوم كما في كلّ يوم، إستلمتها وإذ بها مبلّلة وثقيلة، بُلّلت وكُتبت الجريدةُ بحبرٍ من دماء ضحايا عالمنا العربي التي تسقط يوميّاً، زادت الجُثث المتراكمة فيها وزنها، فأصبحت أحرفها مُثقلةً تنوء بحملها، تحمل جثث السّوريين، العراقيين، المصريين، اليمنيين، اللبنانيين وغيرهم، تحمل جثث العرب، بدأت أتصفّح أخبارها بسرعة من إعتاد الأخبار نفسها، مئة قتيلٍ هنا بتظاهرة، مئتين بقصفٍ مركّز، أخبارٌ أصبحت عاديةً لمن أدمنها، أنتقل مسرعاً إلى صفحة الوفيّات، لا أعرف أحداً من الموتى، لا أرى إسمي على هذه الصّفحة، إذاً، ما زلت على قيد الحياة، لا داعي للهلع.

   تتسارع دقّات قلبي عند مروري بشارع يعج بالمارّة والسّيارات، ماذا لو كانت السّيارة التي تركن في الجهة المُقابلة مفخّخة؟ ماذا لو أن السّيارة التي تمشي أمامي أو ورائي مفخّخة؟ تجرفني الفرضيات لأرسم صور ما بعد الإنفجار، هل سألاقي حتفي أم أنّي سأصاب فقط؟ هل سينتهي بي الأمر جثّة محروقة كجثث الطّرابلسيين أم أشلاءً كجثث أبناء الرّويس؟..قبل أن يعيدني بوق السّيارة التي تقف خلفي إلى الواقع، يمرّ السّائق بجانبي بينما تنهمر عليّ شتائمه وأبتسم، على الأقل، ما زلت حيّاً ولم أمت بعد!

   أفتح التّلفاز طمعاً بتمضية بعد الوقت، لا يعرضون شيئاً غير البرامج الحوارية، نفس الضّيوف والكلام ذاته مع تلاعبٍ بالعبارات، مذيعٌ يستفزّ المتحاورين ليخرجوا أسوأ ما لديهم، فتتحوّل طاولة الحوار إلى حلبة مصارعة، يتصارعون، يصرخون ويتضاربون، أشاهد أنا ما يجري دون أن أفهم شيئاً، يتقهقه المذيع مستلذّاً بنشوة الصّراع على الهواء، يسكب الزّيت على نار الخلاف أكثر فأكثر طمعاً بزيادة نسبة مشاهديه، أي مدخوله المادّي من الإعلانات تلقائياً، دبّ فيّي اليأس من التّلفاز، أغلقه لأفتح مواقع التّواصل الاجتماعي، محلّلين، حروبٌ على الأبواب، متاريس من خلف الشّاشات والشّبكة العنكبوتية، عالمٌ إفتراضيٌ يغزوه المحلّلون والفلاسفة، أجد نفسي جاهلاً ذو خلفية معرفية ضحلة، لا أفقه شيئاً من فنون العسكر وخططه، لم أقرأ حرفاً لمعظم الكتّاب المحتلّين لهذا العالم، ماذا أفعل؟ ما الحلّ؟ أهرب من زواريب التّغريدات وحارات السّتاتسات إلى الباحة الخلفية، صور مونيكا بيلوتشي وهيفا وهبي، صفحات النّكات وأضحك، لا أخفي على أحدٍ أن أسترقّ النّظر أحياناً إلى حروب العالم الإفتراضي..

    أهرب من العالم الإفتراضي، أختبئ من البوارج الكلامية التي ترابض على شواطئ الفايسبوك، أبتعد قدر المُستطاع عن شبّيحة “التّويتر” ومقاتليه، أٌغلق حاسوبي وهاتفي، أتحسّس وجهي، أفتح عيناي جيداً، ما زلت على قيد الحياة، رغم كلّ شيء، رغماً عن ذاك المُذيع الذي يمتهن إمّا تسعير الفتن، أو تلي النّعوات، مئة قتيل هنا وألفٌ هناك، لا أسماء للقتلى في قاموسه، لا معنى يُعار لذكرياتهم أو حياتهم، لما أحبّوا وكرهوا، ماتوا وأصبحوا مجرّد رقمٍ يُستخدم في ساحات الحروب الكلامية.

    يكفي أن تنظر إلى ساعتك قبل إنقطاع الكهرباء، إلى الطّرق الفارغة إلّا من أناس خائفين، إلى صور الموتى والثكالى، يكفي أن تحمل بيدك جريدة أو قُصاصةً منها، يكفي ان ترى وحوشاً تقطع الرؤوس وتأكل القلوب، تغتصب الأطفال وتستحلّ النّساء، ترمي بالطّائرات صواريخاً لتحصد بها أكبر عددٍ من القتلى، أو أيادٍ خفية إمتهنت القتل تزرع العبوات في كلّ مكانٍ، أو سياسييون يزرعون عبوات التّفرقة والحقد بينك وبين جارك، ويفكّرون في ترك الأرض لك تقتتل فيها، تصدمك اليابان بعدد الإختراعات الأسبوعية فيها، بينما سقف إنجازاتك كان صحن حمّص عملاق… تعلم في قُرارة نفسك ان الخوف لا يؤخّر الموت بل يؤجّل الحياة، كل هذا يكفيك كي تنظر في المرآة، تمسح على وجهك بيدك وتسأل:”هل أنا فعلاً على قيد الحياة؟”

تعليقات
  1. Sabrin Ali قال:

    نعم على “قيد” الحياة و لست “حياً”. نحن فقط “لا نموت”، و لكن هل “نعيش”؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s