أحمد م. ياسين

  “أرجوك فتّشني”، يبدو الأمر للوهلةِ الأولى جزءاً من مسلسلٍ أو فيلم، لكنه في الواقع، جزءٌ من الواقع اليومي، واقعٌ مترجم على الأرض بحواجز ونقاط تفتيش، إنّها الضّاحيةُ الجنوبية لبيروت، حيث حواجز الحماية للأهل والوطن.

   يتشابه شعار “أرجوك فتّشني” والعرس الذي أقيم بعد تفجير الرّويس، يشبهه في محاولة أصحابه إظهار الحواجز كنموذج حياةٍ وحماية طبيعية، لا مُشكلة في وجود الحواجز، لن تُوقف التّفجيرات حبّنا للحياة ولا إرادتنا على البقاء، لم نركع أمام عدوٍ مستترٍ ولم نركع سابقاً أمام قوّة أعتى منه، أي “إسرائيل”، مع ذلك لا مشكلة مع وجود الحواجز، رغم ما يمكن أن تسبّبه من تأخيرٍ وازدحام للسير، يهون الانتظار أمام خيارٍ آخر لونه أحمر يلوّنه رسّامه بدماء الأبرياء، لكن، “أرجوك فتّشني”؟ لماذا؟ هل أنا مجرمٌ أصلاً كي تُفتّشني؟

   لم تأتِ حواجز الضّاحية، الجنوب والبقاع من العدم، ولا تلبيةً لغاياتٍ في نفس حزب الله كإنشاء دويلة، فرض منطقة أمنٍية أتى بعد تفجيريّ بئر العبد والرّويس، وكان الشعار المكتوب على الحواجز “حماية لأهلنا والوطن” تعبيراً عن هدف الإجراءات الأمنية، لكن الحاجز أو من كتب الشّعار نسي أو ربّما تعمّد ان يتناسى إكمال الجملة بـ “بعد أن أقرّت الدّولة بعجزها عن ذلك”، ولعلها ليست المرّة الأولى التي تتقاعس فيها الدّولة عن واجبها بحماية أمن مواطنيها، هذا ما أوجد المقاومة أصلاً منذ سبعينيّات القرن الماضي.

   هدف الحواجز، إعاقة إدخال العبوات، جعل المجرّم يفكّر مرّتين قبل اقتراف الجريمة، ونشر الطّمأنينة، ولو المعنوية، في نفوس جمهور الحزب، أما أن تُنعت هذه الحواجز بحواجز “الأمن الذّاتي” في زمن الانقسام العمودي في لبنان، فهذا لا يفسّره جمهور المقاومة المستهدف، بحسب وزير الدّاخلية، إلّا شراكة في التّفجير وتلقائياً تحريضاً للمجرم على تكرار فعلته في بئر العبد والرّويس، لا يظنن أحد أن من نصب الحواجز فَرحٌ بها، أو يقبلها حتّى، بل مجبرٌ عليها لحماية أهله ونفسه وهو لو كان يريد الامن الذاتي لكان فعل قبلاً.

   هل تُريد المقاومة أو حزب الله إنشاء مناطق أمنٍ ذاتي فعلاً؟، بمراجعةٍ تاريخية بسيطةٍ يظهر أن هكذا سيناريو ليس إلّا أوهاماً تٌعشعش في نفوس خصوم المقاومة، فحزب الله كان قادراً على حكم لبنان لا فقط إنشاء أمنٍ ذاتي عام ألفين بعد انتصاره على الكيان الصهيوني، أي أسوة بتجربة المقاومة الفرنسية وشارل ديغول، ومستفيداً من الوجود السّوري في حينه، كان يمكن لحزب الله فعل ما يريد بغطاءٍ من معظم مهاجميه اليوم، والذين كانوا أزلاماً لعنجر بالأمس إن لم نقل صنيعتها، أو في العام ألفين وستّة بعد خروج الحزب من حرب وجودية مع “إسرائيل”، كان يمكن للحزب بعد صدور القرار 1701 أن يحكم مناطقه ويفرض فيدراليةً مناطقية، لكنه أيضاً لم يفعل، لم ينشأ الحزب أمناً ذاتياً أيضاً بعد قرارات 5 أيار التي تسبّبت بأحداث 7 أيار، بل ذهب لحكومة وحدة وطنية ونادى بالحوار، إذاً، ماذا عن مريدي الأمن الذاتي الفعليين ومن هم؟ 

   يبرز الخوف من التّهويل الإعلامي من قبل البعض تحت ذريعة حواجز “الأمن الذّاتي” في تمرير مشاريع تقسيميّة يطمحون لها، كدويلاتٍ وجزر أمنية مستقلّة عن السّيادة اللبنانية، فبحجّة حواجز الحزب، ممكن أن تفرّخ غداً دويلاتٍ في صيدا أو معراب مثلاً، مع أن الأمن الذّاتي اصطلاحياً والتّعريف العالمي، هو فرض مجموعةٍ من الأشخاص لسلطتهم على منطقة معيّنة ومنع السّلطات الشّرعية من دخولها أو التّحكم بها، هنا أو على باب الضّاحية، نجد حواجز للجيش اللبناني وفي النّبطية حواجز لقوى الأمن الدّاخلي، بينما نتذكّر عبرا والأسير، كيف أنشأ مربّع أمني ومن غطّاه ولا يزال لليوم، أو عرسال ومقاتليها الذين أعدموا عناصر وضبّاط الجيش بدمٍ بارد دونما رقيب، الطّرف ذاته الذي يهاجم حواجز أمن الضاحية هو من اتصل بـ علي الحجيري رئيس بلدية عرسال ويحميه، هو من شكّل الوفود لزيارته ومن جعل من نفسه مظلّة تقي مسلّحي طرابلس وخاطفيها من أهلها ومجتمعها، هو الطّرف الذي لم يسلّح الجيش منذ الـ 1992 حتى اليوم، ومع ذلك ينادي بسحب سلاح المقاومة وكشف الأمن الخارجي، يبدو أنّه انتقل إلى كشف الأمن الدّاخلي اليوم تمهيداً للتقسيم طالما أنّه لم يطرح بديلاً يحمي المناطق المُهدّدة.

       بعد تفجير طرابلس، خرج مشايخ الجهاديين يطالبون بأمن ذاتي أسوة بالضّاحية، هنا برز موقف القوى المُهاجمة برفض أي شكل من أشكال الأمن الذّاتي في طرابلس، ولكن أغفل الإعلام حقيقة وجود أمنٍ ذاتي في طرابلس منذ بداية الأحداث السّورية، لا سيما في سيطرة المسلّحين على المدينة وترهيب أهلها، مرّة بجرّ نازحٍ سوري وفي رقبته حبل، وأخرى بقتل الشّهيد عصام الموري بسبب الخلاف السّياسي، نحن ضدّ الأمن الذّاتي ومع بسط الدّولة سيادتها على كلّ المناطق من الشّمال إلى الجنوب مروراً ببيروت والمخيّمات، نحن مع دولةٍ تحمينا، دولةٍ سيّدة قادرةٍ فاعلة.

   قد يكون بعض شباب الحواجز من المتحمّسين أو المنفعلين، ربما يقوم هؤلاء بإيقافي أو طلب هويتي، او ربما بإنزالي من سيارتي وتفتيشي، لكنّي في قرارة نفسي أعلم أنّهم يفعلون ذلك بغرض حمايتي لا سرقتي أو قتلي، هذه الحواجز هي حمايةً للأهل والوطن، ليست المدفون، البربارة أو المتحف، من عليها يضع دمه على كفّه ويعرّض نفسه لخطر التّحول أشلاءً كي لا تتحوّل منطقته لذلك، يقف على الحاجز مجبراً لا حبّاً بالوقوف تحت أشعّة الشّمس، مجبرٌ هو ومن خلفه المقاومة التي تبذل من جهود شبابها وإمكانياتها في سبيل ملء الفراغ الذي أحدثه غياب الدّولة وتقصيرها، نحن في زمنٍ يفترض بنا التّنازل عن بعضٍ من حرّيتنا لأجل أمننا.

  

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s