أحمد م. ياسين

    مقاتلو حزب الله إلى الواجهة مجدّداً، هذه المرّة من باب وحشيتهم في تصفية وقتل بعض “الثّوار” السّوريين، والدّليل هو مقطع فيديو مسجّل لمدّة دقيقة وقرابة الأربعين ثانية، للوهلة الأولى، يُصدم المُشاهد بما يرى، مقاتلون بزيّ عسكري يُخرجون جرحى وجُثث من سيارةٍ رباعية الدّفع، يشتمونها قبل أن يفرغوا مخازنهم في رؤوس الجرحى العُزّل، كما يقول العنوان، هكذا يتعامل حزب الله مع الجرحى.

   لكن ماذا لو تحقّقنا من التّسجيل؟ حسناً، هنا تبدأ الأسئلة الجدّية بطرح نفسها بعيداً عن الإفراط في المشاعر والأحاسيس، طبعاً مع التّأكيد على هول ما ورد في التّسجيل وبربريّة منفّذيه :

إذاً، حزب الله قاتل، لا فرق للحزب عن أيٍ من المقاتلين التّكفيريين الذين لطالما تذرّع بنحاربتهم وبرّر وجوده في سوريا بذلك، لا شكّ أن هذا الكلام صحيح، إلى أن نشاهد التّسجيل مجدّداً مع بعض التّركيز ثانيةً بثانية:

– مع نهاية الثّانية الثّالثة وبداية الرّابعة، يعلو صوت جهاز اللاسلكي المحمول إمّا من قبل المصوّر أو الموجود في السّيارة، لا يبدو الكلام واضحاً أو مسموعاً، عند الثّانية العاشرة، تٌسمع كلمة “يا خيّي” عبر اللاسلكي، ليست المرذة الأولى التّي يُسمع فيها النّداء ذاته، بقليلٍ من البحث، يظهر معنا تسجيل اللاسلكي الكامل، إنّه تسجيلٌ نشرته قناة العربية سابقاً لإختراق تردّد أجهزة حزب الله من قبل المسلّحين، الثّانية 0:55 في التّسجيل أدناه مع عبارة “يا خيّي”، يبدو أن من صنع الفيديو الأول تعمّد تشويه المكالمة، امّا التّسجيل الحقيقي فهو لمقاتل يتحدّث مع الشّهيد أحمد سلّوم –  أبو علي مهدي :

 وصحيفة “المستقبل” تؤكّد ذلك في عددها الصّادر نهار الثلاثاء 28 أيّار 2013،في المقطع الأول من مقالٍ فيها عنوانه: “حزب الله” محاصر في القصير ومقاتلوه يستغيثون.

– تبدو اللهجة السّورية في التّسجيل مُلفتة، في الثّواني 0:15 و 0:44 مع صعوبة في السّمع بسبب بثّ تسجيلاتٍ لا سلكية لمحادثاتٍ يُفترض أنها من أماكن تُخاض فيها المعارك، في الثّانية 0:58، يشتم أحد المقاتلين جريحاً من ثم يُطلق النّار عليه مما يُعدّ غريباً على من يُتابع مقاتلي الحزب، لنفترض أنّ الشّتيمة صحيحة ونقسّمها، آخر كلماتها تفضح لهجتها، غابت اللبنانية هنا أيضاً.

– في الثّانية ال 0:50، يظهر مقاتلٌ وهو يسحب الجُثث، على رأسه عُصبة خضراء وعلى كتفه شريطٌ أصفر، قبل أن يُطلق النّار من بندقية قديمة على رأس الجريح، السّؤال المطروح، هل هو من حزب الله؟ تُجيب عُصبته وشريطه المربوط على ذلك، كما ثيابه العسكرية، والأمر يسهل كَشفه، فثياب مقاتلي حزب الله وتشكيلاتهم تختلف عن ثياب الرّجل والمقاتلين، ثياب مقاتلي الحزب القريبة من بزّة الرّجل تختلف ألوانها، فأخضرها ليس داكناً بشكلٍ كبير ولا البُني، للتأكّد من ذلك، تكفي متابعة تسجيلاتٍ نُشرت عن مقاتلي حزب الله في سوريا وإسرائيل:

– عند الدّقيقة الأولى وثانيتين 1:02 إلى 1:05، يصرخ المصوّر إمّا ساخرأً أو مستنكراً لما يحدث:”أش هالجرأة القلب، يا قاسي”، وطبعاً، لهجته سورية بما لا يحمل الشّك.

–  الدّقيقة 1:09، مقاتل يعلو صوته قائلاً:”قاتل الشّهيد يَحيى إلي، حَصتي، حِصّتي لوحدي”، يظهر هنا صوتٌ ذو لهجةٍ لبنانية ويقول:”شو بدكن بهالحكي”، قبل أن يكمل آخر ما أردف به صديقه، عند 1:13 حتى 1:18 يقول:”منشان الشّهيد يَحيى، منشان الشّهيد يحيى ما حدا بقرّب عَلي”، إذاً أحد الخيوط الذي يمكن الرّبط من خلاله، المجموعة سورية – لبنانية مشتركة.

– عند الدّقيقة 1:22، يظهر “الحاج”، يتكلّم الحاج اللبنانية بطلاقة، يعظُ الشّباب بوجوب عدم القتل بغرض التّشفي والإنتقام، بل في “سبيل الله” لأن التّكليف يقضي بذلك، وربما إعتمد ناشرو التّسجيل على ذلك في ربطه بالحزب “أفترض نُبل نوايا النّاشرين”، لكن لمن يعرف البيئة الجهادية للحزب، يُدرك جيداً أن لا وجود لما يسمّى “قتل في سبيل الله” في قواميسه، بل “قتال في سبيل الله”، وهنا نتكلّم عقائديّاً.
– تعود اللهجة السّورية لتظهر مجدّداً في الدّقيقة 1:31 بقول أحدهم “واضح شباب”؟

ينتهي التّسجيل ويغادر مجرمو الحرب بعد تصفية الجرحى والتّمثيل بالجثث، مخلّفين لنا على مواقع التّواصل الاجتماعي مشهداً فظيعاً لا يوصف بغير جريمة حرب، ولا يمكن أن يقبله عاقل من أي طرفٍ أتى والمؤكّد هنا أنّ الفاعل ليس حزب الله إعتماداً على ما ورد أعلاه ويضاف إليه شواهد تاريخيّةً كمعركة القُصير، بعد إنتهاء المعركة قام حزب الله بسحب جرحى المُسلّحين ونقلهم بمساعدة الصّليب الأحمر إلى لبنان كي يتعالجوا بدل تسليمهم للأمن السّوري، مع أن الحزب كان قادراً على تصفيتهم جميعاً، لكنّه قام بعلاجهم عوضاً عن ذلك وأظن أنّ ناشر التّسجيل يعي جيّداً أخلاقيات حزب الله في الحروب، وإن كان يجهلها، فليسأل عنّها إسرائيل أو مسلّحي القصير وغيرها، يُضاف إلى إسعافه من كانوا يقاتلوه، يُسجّل لحزب الله من خلال أمينه العام رفضه حتّى الحديث عن فرضية وجود سلاحٍ كيميائيٍ مع المقاومة بسبب الرّادع الدّيني، فقتل الإنسان دون سبب هو من المحرّمات، هذا ما أوضحه السّيد في خطابه الأخير، وتعود بنا الذّاكرة إلى أيّار العام ألفين إبّان التّحرير وكيفية تعامل الحزب مع عُملاء إسرائيل..

      من المُنفّذ إذاً؟، يأتي الجواب على هذا السّؤال من خلال جولةٍ بسيطة على بزّات قوات الجيش السّوري وقوى الدّفاع الوطني، إنّها البزّات ذاتُها والسّلاحُ ذاته، جريمة جديدة تُضاف إلى سجلّ هؤلاء، سيدرجها الموالون تحت عنوان “أخطاء فردية” والمعارضون تحت عنوان “جريمة حرب”، لكن هذا لا ينزع عنها صفة مخالفة شرعة الأمم المتحدة، فما حدث في التّسجيل هو جريمة حربٍ يحاسب عليها القانون، لا يحقّ للمسلّح قتلُ جريح أعزل، بل عليه إسعافه، بالعودة إلى الفارق بين بزّات مقاتلي الحزب ومقاتلي الجيش السّوري ومن معه، بنطال بزّة الحزب في الحجم والتّقسيم، مُخالف لبنطال الجيش السّوري من حيث عرض القدم، أي انّ الحزب لا يمتلك مثل هذه البزّات.

الصورة لمحمود رطيل

    لماذا إتهام حزب الله وفي هذا التّوقيت تحديداً؟، من منّا لم يشاهد التّسجيل الخاص بوصية الشّهيد مهدي ياغي؟ أو مَن مِن اللبنانيين والعرب لم يفعل؟ من لم يأسره ذلك الشّاب بضحكته وعفويته حتّى ولو كان من خصوم حزب مهدي؟، لا يناسب الأمر محاربي حزب الله إطلاقاً، التّسجيل “أي وصية مهدي” يُعدّ إنتصاراً إعلامياً لحزب الله من حيث لا يدري وخسارة جديدة لخصومه في السّياسة والعسكر، إذاً لا بدّ من محاربته وتشوه صورة مهدي ورفاقه، أو أقلّه مساواتهم بآكلي الرّؤوس والأكباد، أمراء الرّقة وداعش وغيرها، تبدأ الحرب الإعلاميةُ الضّروس وتُستنفر الأبواق الإعلامية تحضيراً لمعركة قتل الشّهيد ياغي مرّة ثانية، مقالات يوميّة في “المستقبل” تُشيطن حزب الله تارة بإتهامه بإغراق اللبنانيين في عبّارة أندونيسيا، وطوراً في التّحضير لتسونامي بحري، لا يقتصر الموضوع على المستقبل وحدها، تنضم إليها “الوطن” و”الرّياض” و”الشّرق الأوسط” السّعودية، مع لمساتٍ من “السّياسة” الكويتية وأحمد جار الله، لكن المفاجأة تأتي من جريدة “النّهار” بمقالةٍ تُهين الشّهيد دون أن تُذيّل حتّى بتوقيعٍ من الكاتب، لدعم الحملة التّشويهيّة الرّخيضة، كان لا بدّ من إستحضار تسجيلٍ مصدره غير معروف، وغداً سنقرأ آلاف المقالات المُتباكية التّي ستتاجر بالحادثة لفترة متهمة الحزب، قبل أن تُدفن القضية مع إنتهاء مدّة صلاحية إستخدامها من قبل هؤلاء، مع أنّهم مهما فعلوا، لن يستطيعوا أن يمحوا ضحكة مهدي وبرائته، او صدقه ورفاقه.

تعليقات
  1. احمد ابو علي قال:

    ملاحظة اضافية هامة وهي انه لا يوجد اي شهيد لحزب الله في سوريا يحمل اسم يحي…

  2. حنظلة الدمشقي قال:

    ابتسامة و ضحكة رائعتان. عينان مليئتان بالحنان. كذلك كان وجها باسل شحادة و غياث مطر. مهدى هو ابن بلدي و أخي الذي قرر إني استحق الموت لأني اخترت أن أعادي بشار الأسد و عصابته الفاشية و أتاني رافعاً سلاحه. أدعو له بالرحمة فهذه أيام الهرج.
    القتلة ليسوا من حزب الله و لكن قيادة الحزب ارتأت أن تقاتلني أنا الذي خرجت مدافعاً عن كرامتي لتنصر هؤلاء القتلة. و من ينصر القاتل قاتل مثله.

  3. […] وحشية حزب الله بالتعامل مع الجرحى السوريين – مدونة […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s