أحمد م. ياسين

   فنّ السّخرية، او الكوميديا الإستهزائية السّياسية ظهر إبّان الثّورات الملوّنة بشكل كبير. الدّكتور “جين شارب” المسمّى ب “مكيافيلي اللاعنف” و”كلاوسفيتس الحرب السّلمية” يعدّ الأب الرّوحي لهذا النّمط من النّقد، هذا النّمط النّقدي لطالما إستُخدم لتحفيز الرّأي العام وتكسير الهالات القدسية للرمّوز، هل هذا ما أراد شربل خليل فعله؟

   السّخرية على بساطتها الظّاهرية، تشكّل أساساً في مضمونها من حيث ضرب عدّة أسس كانت بالأمس القريب مقدّسات. أسلوب “شارب” الإستهزائي تجلّت نتائجه في خلع رموزٍ كانت بالأمس القريب مقدّسة، سلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا مثلاً عام 2000، وكان نموذج إقصائه مطابقاً للنموذج البلغاري في خلع رئيس بلغاريا، الكوميديا السّياسية كانت وسيلةً رئيسيّة في تبديل المزاج العام ليس في صربيا وبلغاريا فقط، بل سلوفاكيا 1998، كرواتيا 2000، والثّورة الوردية في جورجيا والتّي إسنخدمت فيها حركة كمارا أسلوب السّخرية لتخلع الرّئيس إدوارد شفرنادزه لاحقاً، طبعاً دون ان ننسى الثّورة البرتقالية الأكورانية بقيادة حركة يورا في العام 2004. وللسّخرية الإستهزائية أمثلة حيّة من عصرنا اليوم، أبرزها ثورة أو إنقلاب 30 يناير الشّعبي في مصر على الرّئيس محمّد مرسي، كان الدّور الأبرز في إسقاط مرسي إضافة إلى سياساته، الإعلامي السّاخر باسم يوسف وبرنامجه “البرنامج”، هل حقّاً أراد شربل خليل أن يشعل ثورة؟

   بلدٌ مديون، أوضاعٌ أمنيةٌ متردّية وحربٌ أهلية باردة، مجلس نوّاب لا دستوري مُمدّد لنفسه، رئيسيّ حكومة واحدٌ بحكومةٍ مستقيلة وآخر يسعى لدخول غينيس بأطول مدّة تشكيل، مواطنون بلغ فيهم حدّ اليأس عدم الإكتراث حتّى بثروتهم النّفطية، حالة موتٍ سريري للوطن. ظروف الثّورة مهيّأة وتحتاج فقط إلى عرّابٍ يقودها أو يشعلها. لا أسهل من الإعلام وسيلةً للمباشرة بذلك، ما المانع في ان تتكرّر تجربة باسم يوسف، أو يحظى لبنان بجون ستيوارت الخاص به؟ لماذا لا يحرّك الإعلام الشّارع خاصةً في ظلّ تسللّه لكل بيت من بيوت اللبنانيين؟ ربما هذا ما فكّر به شربل خليل قبل أن يستخدم السّلاح الذي بيده، سلاح الكوميديا السّياسية الإستهزائية، أي أن خليل قد عقد العزم على الثّورة وتغيير الحال، لا هالة من القداسة على الأحد “كلّن يعني كلّن”، الخطوة الأولى كانت منذ سنوات، صدم خليل الشّعب اللبناني بتقليده شخص السّيد حسن نصر الله مما أثار بلبلة حينها وإحتجاجات، إذاً عرف شربل خليل مفتاح تحريك شعبٍ في سُبات، قلّد جان بو جدعون شخصية السّيد حسن ثانيةً بتوجيه من خليل، لم يكتفِ بذلك، كي تكتمل عناصر الصّدمة، تطرق خليل للنّبي يونان ومرّر رسائل عدّها البعض في طرابلس تجاوزاً وتطاولاً على الذات الإلهية. نجح خليل في إستفزاز الشّارع اللبناني كلّه، لكن ما الخطوة الثّانية؟ هل وضع خليل سيناريو المرحلة المقبلة أم أنّها مرّة و”بس مات الحراك”؟

   لشربل خليل الحقّ في إنتقاد أيٍ يشاء طالما أنّ حقّه مكفولٌ بالقوانين والشّرائع، طالما أنّه لم يتعدّ على حرّية غيره في المعتقد والتّعبير، سخرية خليل من شخص أي إنسانٍ لن يغيّر في نظرة أحدٍ إلى الأخير. لربّما سبّب “سكتش” خليل الأخير إزعاجاً لكُثُرٍ من مناصري نصر الله، لكن أنسي هؤلاء أن هناك فضائياتٍ تشتم السّيد ليل نهار؟ أن هناك شخصياتٍ سياسيّة لبنانية وعربية تهاجمه وتصفه بأبشع الأوصاف في معظم الأحيان حاله حال باقي من يعملون في السّياسة؟ لماذا ثارت ثائرتهم فقط عند تقليد خليل لنصرالله؟ “بس مات الوطن” أصبح من ماضي الكوميديا السّياسيّة اللبنانية لعجزه عن اللحاق بركب التّحديث وتكراره نفسه بحكم تهكّمه على الطّبقة السّياسية الحاكمة ذاتها –من حظّ شربل خليل السّيء أن الطّبقة لا تتغيّر-، كاد ذكر البرنامج ان يختفي عن السّاحة الإعلامية لولا تقليده في كلّ مرّةٍ شخصية يعتبرها النّاس مقدّسة، تارة البطرك صفير وطوراً أحمد الأسير، إنتقاده للشخصيةِ حقّ مقدّس من حريّة الرّأي والتّعبير، لكن ألم نعتد على ذلك؟ يريد خليل تعويم برنامجه مجدّداً ولن يتورّع عن اللجوء إلى أي وسيلة، فمن جعل من برنامجه منبراً للعنصرية تحت شعار “حرّية التّعبير” لن يعنيه كثيراً نتائج سكتشاته على أرض الواقع، هي محاولةٌ يائسة لإستعادة الجمهور لا أكثر، ويمكن لأيٍ كان إنهاء البرنامج بالضّربة القاضية بكبسة زرٍ على أداة التّحكم، مما يعني، لا مُشاهدين، لا مُعلنين، لا “بس مات الوطن”.

     “عندما يتوصّل شخصٌ إلى إضحاك النّاس فترة طويلة، لا بدّ ان يكون عبقرياً”، هذا ما يختصر به المخرج غريغ بارسون تعريف الكوميديا او فنّ الإضحاك. من يتابع مواقع التّواصل الاجتماعي في السّنوات الثّلاث الأخيرة يلاحظ توجّه من الرّأي العام اللبناني لمشاهدة “البرنامج” لباسم يوسف، أو جان ستيوارت، إيلين دي جينيرس وغيرهم، بعد أن إعتاد مشاهدة “لول” على الأو تي في لأنه كان البرنامج الكوميدي الأول من نوعه الذي يكسر التابوهات المجتمعية التي نشأ الشّعب عليها، لم يعش “لول” كثيراً فوقع أيضاً في فخّ تكرار نفسه، هذا الإبتعاد الجماهيري عن البرامج الكوميدية اللبنانية لصالح البرامج الخارجية هو ربما بسبب “عدم الإضحاك”. مع العلم أن بعض البرامج اليوم تستعيد بعضاً من جمهورٍ فضّل النّزوح ولو من خلف الشّاشات. “بس مات الوطن”، “دي إن آي” و”إربت تنحلّ” مجتمعةً لا تستطيع أن تنافس نسبة مشاهدي باسم يوسف في لبنان! بالفعل هذا شيءٌ مُخزي، الإعلام مسؤوليةٌ وسلطة، يا حبذا لو يستعملها شربل خليل وزملائه في المكان والزّمان الصّحيحين، ويا حبّذا لو يتظاهر الشّعب لأجل حقوقه المهدورة، لا لأجل سكتشٍ تافهٍ في برنامجٍ سخيف.

تعليقات
  1. Hanibaael قال:

    تحياتي،

    صراحة لست من مشاهدي برنامج “بس مات وطن” الذي يحمل فيه الكثير من العنصريّة والتكرار ويعتمد على الكوميديا الرخيصة أحياناً.. فهو إن كان في بداياته جيداً، وله جمهور واسع، تقلّص مع الوقت، لاسباب شرحت جزء مهماً منها..

    ولكن ربط تقليد شخصية نصرالله بسيناريو “ثورة” لدى مخرج البرنامج فهو مبالغة لا محل لها من الإعراب، كما أنّ نصرالله ليس رئيساً للجمهوريّة كما حاولت ان توحي..وقسم من سكان لبنان يعتبره مجرّد زعيم طائفة آخر لديه ميليشيا مسلحة قويّة تفرض رأئها على الآخرين..وصراحة، لم يتفاجأ بتقليد نصرالله سوى المناصرين له، فهو بالنسبة لهم مقدس، وليس لباقي الناس..

    تحياتي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s