أحمد م. ياسين

    أن تتحول من ناقلٍ للخبر إلى الخبر بحدّ ذاته. ان تتصدر صورك الصّحف وإبتسامتك الشّاشات وقد شدّدت الرّحال، أن نبكيك عريساً على مذبح الشّهادة والواجب المهني. هو الألم يا حمزة، لم تكن لتعلم أن رحلتك القلمونية هي الأخيرة بيننا والأولى إلى الأبدية. مَضيت يا حمزةَ وخلّفت وراءك قلمك وكرسيك، دفاتر شعرك وقصائدك، ورفاقً غير مصدّقين.

    لست أدري إنما كانت كلمات النّعي في محضر شهادتك يا حمزةَ ورفاقك هي سيدةُ الموقف. كيف يُنعى من كانت إطلالته وإبتسامته صنوان، كيف يُنعى الفرح يا حمزة، أو الحُلُم يا حليم، أيُرفع نعشٌ لمن رفع التّحية لمريم يا أبو جعفر؟ مهلاً..

   مررت قبل أن أفكّر في أن أكون غراباً ينعق ناعياً على مقالات الزّملاء، كلهم ينعونكم يا حمزة، حليم ومحمّد، حاولت أن أسير بمسيرهم وأكتب جملاً  شعرية ونثرية لكن. أي كلامٍ هذا الذي سيختصر مشهد الموت، لو أسعف الكلام إنساناً لمَ أحرق فؤاده الفقد، لو أن بعضاً من الجمل تُداوي قلب أمّك لكتبت، أمّك التي بمرضها رسمت على وجهك ملامح الحزن، لم تكن لتُدرك يا حمزة أن المرض لن يكون وجعها الوحيد. لم تدرك أن سهم الرّحيل ورصاص الجُبن لن يصيبك وحدك يا حمزة، بل سيصيب قلبها أيضاً. لو أن القدر يُغلق بابه الآن على ما قبل البارحة فتنسى هي من رحل، أو أن يمنّ عليها بجبلٍ من الصّبر علّها به تتجاسر على مرضها…

   نلتم ما أردتم، حمزة، حليم ومحمّد شهداءُ الميدان والواجب المهني، دوّنتم أسماءكم بدمائكم في ذاكرة الجميع كما أخباركم وصوركم. رحلتم في غفلةٍ منّا وقد علمتم أن طريقكم، طريقُ الخبر محفوفٌ بصدى الموت. صحيحٌ أن الشّهادة كانت مبتغاكم، لكن سامحونا، سامحنا يا حمزةَ فنحن بشر، نعجز عن حبس المُقل، نحن محزنون ونرفض التّصديق، لم ترحل بل هو كابوسٌ سيرحل، سامحنا يا حمزةً فالحزن عليك حقّ.

  يزفّونكم عرسان الواجب اليوم، يزفّونكم بالتّهاني والتّبريكات، بالدّموع والإبتسامات، هو مأتمٌ أمسى عُرساً، عرساً لعرسانٍ إختاروا أن يرحلوا ولو لم يكونوا هم من حدّد التّوقيت، لكن يا حمزة، سامحنا ورفاقك أيضاً لأننا نتألّم، نتألم عليك وعلى كل من يسقط في هذه الحرب العبثية، في نارٍ تلتهم القريب والصّديق، قد تكون الأبدية أفضل من ما نعاصره نحن من حروبٍ وقتلٍ ودمار، ربما أردتم الرّحيل لكن إعذروا من لا يستطيع حبس الألم، دعونا نتألم بصمت، سلامٌ عليكم وأنتم تبتسمون في عليائكم، سلامٌ عليكم بقدر الحزن الجاثم على صدورنا، سلامٌ عليكم مقدار الفقد.

      أصبح العالم بشعاً يا رفاق، لا رحمة فيه ولا أخلاق، يُرمى المدني بنيران المتحاربين، طفلاً كان أم عجوز، لا معايير أخلاقية في هذه الحرب، لا شيء سوى الموت يجمع المتقاتلين، يحصدون أرواحاً لا ناقة لها في هذه الحروب ولا جمل ويتبارزون من يقتل أكثر، مالنا وهذه الحرب يا حمزة؟ صحيحٌ أننا إعتدنا الموت، لكن لم نعتد الألم.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s