أحمد م. ياسين

“ما تمكّن الجيش اللبناني من فعله في عرسال بيومين عجزت عنه جيوش المنطقة في ثلاث سنوات”، هذه الجملة وردت في تقريرٍ إخباري يحاكي معركة الجيش في عرسال، لو لم نكن في لبنان لكنّا ربما صدّقنا التّقارير والأغاني الوطنية والخُطب الرّنانة، لعل بيان الثّلاثي كبّارة – المرعبي والضّاهر كان الأصدق من حيث النّوايا قبل أن يتراجعوا عنه.


أي إنتصارٍ هذا الذي يحدّثنا عنه رجال السّياسة؟ لنتخلّى قليلاً عن العواطف وتأليه المؤسّسات،  خسر الجيش في اليومين الأول والثّاني مواقعه في محيط عرسال، كما هاجمت العصابات الإرهابية حواجزه فإختطفت العساكر وقتلت رفاقهم، ثم أكمل الإرهابييون عملية السّيطرة على قلب البلدة فإعتقلوا عناصر القوى الأمنية الموجدين في المخفر وبعض العناصر من مَن كانوا في منازلهم داخل عرسال، تحرّك الجيش للردّ، إستطاع إسترداد بعض مواقعه ومحاصرة بعد التّلال، هنا بدأت الحملات الدّاعمة.
لا يعلم المرء إنما كان الخوف على الجيش هو من قلّة عديده وعتاده. أو من إنعدام الغطاء السّياسي الوطني الفعلي الجامع لا الكلامي الفارغ فقط، أو من المغالين في حبّه لدرجة لبس “البوط” قبّعات، أو من   حملات التّسوّل التي أطلقتها شركتيّ الإتصالات، وللعلم، تكسب الشّركتان مقابل كل دولارٍ يذهب كتبرّعٍ للجيش قرابة 42 سنتاً، جيشٌ بلا تمويلٍ، أو عساكر وعتاد لا يعوّل عليه كحامٍ للوطن مع الثّقة الكاملة بعقيدته، دعم الجيش لا يكون بكسر هيبته بتسوياتٍ مع الإرهاب، لا تُرفع معنويات الجيش بحملات إعلامية تتغنّى بنصره وهو بعناصره وقيادته يعرف جيّداً أنه لم يحقق شيئاً بل خسر عساكره بين أسيرٍ وشهيد.

عرسال وجرودها تخضع لسيطرة جبهة “النّصرة” أكثر منها لسيطرة “الدّولة الإسلامية”، “النّصرة” تعتبر عرسال أرض إيواء لعائلات المجاهدين ورئة حيوية تضخّ السّلاح والإمداد البشري واللوجستي للجماعات المسلّحة، هذا ما أوردته “النّصرة” في بيانها، أي أن المعركة أنهيت ولم تقاتل الجماعات بكلّ قوّتها لأن لا قرار بإشعال هذه الجبهة بعد، عرسال كانت ما طفى على سطح مستنقعٍ خفي من التّشدّد، بداية حلقات مسلسل الإرهاب بشقّه اللبناني بعد السّوري والعراقي، ماذا عن مناطق أخرى قد تؤخذ رهينةً كما أخذت عرسال وأهلها؟ طرابلس مثلاً؟ هل يستطيع الجيش مواجهة هذا الخطر بمليار دولار أو أربعة مليارات كهبات، وإن كنّا للآن “نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً”، لم يصل للجيش أي رصاصة أو قذيفة، وصلته الوعود والمكرُمات اللفظية بل تمّ تعويم الإرهابي علي الحجيري كزعيم وطني، شادي المولوي من خرج من السجن بسيارة الصّفدي يلتقط الصّور مفاخرأ بضربه الجيش أيضاً، مهزلة.

لا يتوانى الجميع من سياسيين ورابطة محبّي الجيش عن إبراز محبّتهم له، بينما لا نرَ محبّي الجيش يتظاهرون للمطالبة بحق العساكر في سلسلة الرّتب والرّواتب، العساكر ذاتهم المحرومون من حقّ التّظاهر، والسّياسييون الخائفون على الجيش حسب ما يقولون، ليتفضّلوا ويقرّوا السّلسلة كما التّسليح ورفع موازنته العسكرية، الجيش اللبناني إستُنزف في معارك داخلية ليست من إختصاصه، حٌوّل لمكسر عصا السّياسيين، ومن ثم يأتيك من يقول:”فعل الجيش اللبناني بيومين ما عجزت عنه جيوش المنطقة لثلاث سنوات”.
مُنع الجيش من حسم معركة عرسال وإستعادة جنوده المخطوفين، إستشهد رجاله كما إستشهدوا في الضّنية، طرابلس، عبرا وغيرها، ذهبت دماؤهم هدراً كما ذهبت دماء بيار بشعلاني وإبراهيم زهرمان، تُخاض المفاوضات على دماء هؤلاء ولا من يسأل عن وجع عائلاتهم. عرسال ليست نهر البارد اليوم في ظل الخوف من إنتشار التّطرف، حُوصر الجيش وكُبّلت يديه، تارة بتحويل المعركة من وطنية شاملة ضدّ  الإرهاب إلى معركةٍ طائفية، وطوراً بفتح جبهاتٍ أخرى كطرابلس للتخفيف عن الإرهابيين في عرسال، لا أظن أن المليار دولار الذي مٌنع الجيش فيه من دخول عرسال أو إعتقال أي مطلوب قد يكفي لترميم هيبة الجيش وعناصره، لا أظنّ أن دمعة أم شهيدٍ أو أولاده قد تُمسح بالمليارات، مليارات التّفاوض مع الإرهابيين، ملياراتٍ كإبر تخديرٍ دون أي خطة حماية واضحة المعالم ها نحن منوّمون ننتظر، من يعلم متى ستتحول مدننا إلى موصل أو رقّة جديدة، كُسرت هيبة الجيش والعسكر، صحايا الفقر أولاً، والسّياسيين ثانياً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s