التّطبير بين الشّعائر والبدع

Posted: نوفمبر 3, 2014 by Ahmad M. Yassine in خربشات شخصية

أحمد م. ياسين

 

   فرض التّسوّط أو التّطبير نفسه مادّةً سنوية جدلية عند حلول ذكرى عاشوراء من كل عام. ضرب الرّؤوس بالأدوات الحادّة والسّلاسل، لطم الصّدور وغيرها من الممارسات التي سميّت شعائر حسينية، هذه      الممارسات التّي لم تقتصر على الكبار فقط، بل يقع الأطفال ضحيّتها أيضاً.
في دفاعه عن بدعة ضرب الرّؤوس بالآلات الحادّة، برّر أحد الخطباء المؤيّدين لهذه البدعة فعل التّسوّط بضرب السّيدة زينب رأسها بطرف المحمل عند رؤية جثمان الحسين، حتّى سال الدّم على وجهها.      كان لزينب الفضل الأكبر والدور الأساسي في نقل مأساة كربلاء للعالم بتفاصيلها وأحداثها. كما شكّلت الرّافعة الإعلامية للقضية الحسينية والحاضنة للبقية من أهل البيت، وهي من وقفت بوجه القتلة في مجالسهم.  ماذا عن ضربها رأسها بالمحمل حزناً حتّى أدمت نفسها؟ وصية الحسين لها كانت :”لا تشقّي علَيَّ جيباً, ولا تخمشي عليَّ وجهاً, ولا تدعي علَيَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت”، أتخالف زينب وصية الحسين وتضرب رأسها حتّى تُدمي نفسها؟ هنا تبرز الإشكالية الأولى الأساسية التّي تدحض الرّواية التّاريخية السّائدة معدومة السّند أصلاً، زينب لم تضرب رأسها.
يُنسب التّطبير، أو ضرب الرّؤوس بالآلات الحادّة إلى الشّعوب القديمة، حيث مثّل التّطبير عادةً وثنية إعتمدها البابلييون في تعبيرهم عن حزنهم على الإله تمّوز، وسرعان ما تناقلت الشّعوب عادة التّطبير حتّى وصلت إلى الفينيقيّين وإستعملوها في تعبيرهم عن حزنهم على أدونيس، ومن بعدهم الفراعنة. إستمرّت ظاهرة التّعبير عن الحزن باللطم وضرب الرّؤوس بالآلات الحادة حتّى أيامنا هذه، ورُبطت بالحزن على الحسين ومأساته في منتصف القرن التاسع عشر وصولاً إلى أيامنا هذه.



إذاً، تعود جذور التّطبير إلى ممارسات للوثنيين في الشّرق الأدنى كطقوسٍ كما يذكر التّوراة، كانوا فيها يضربون رؤوسهم وظهورهم بالسّيوف والرّماح، كما ظهرت فئةُ من المسيحيين يسمّون أنفسهم        بالجلّادين في العام 1210 للميلاد. يضربون صدورهم ورؤوسهم  كوسائل للتوبة عن الخطايا  تطهير النّفس من ذنوبها، إمتدت هذه الطّائفة في القرن الثّامن عشر حتّى ضمّت كثيرين من الفرنسيين، البولانديين وغيرهم.
الهندوس أيضاً، رجالاً ونساءً كانوا يمارسون طقوس التّطبير، وضرب الجسد بالسّلاسل. يعدّ التّطبير رغم أصله التّاريخي جديداً مستحدثاً على الشّيعة، وصلتهم هذه الممارسات من خلال الهنود والأتراك      الشّيعة، حيث حملوا معهم هذه الطّقوس إلى كربلاء، طقوس التّطبير، الضّرب بالسّلاسل والزّحف حتّى إدماء الوجه، بينما يقول المؤرّخ إسحاق نقّاش في كتابه “شيعة العراق”، إن أول من أدخل التّسوط أي ضرب الجسد بالسّلاسل وشق الرّؤوس بالسّيوف إلى النّجف الأشرف في العام 1919، هو الحاكم البريطاني الذي خدم سابقاً في كرمنشاه ونقل الممارسة إلى العراق عبر الهنود الشّيعة، وذلك بهدف إضعاف الحوزة حينها، وكشفت بريطانيا عن ذلك في العام 1970 في كتاب “دليل الخليج” لمؤلفه ج. لوريمر.
ينقل المفكّر علي شريعتي في كتابه “التّشيّع العلوي والتّشيع الصّفوي” أن إسماعيل الصّفوي إستحدث وزارة خاصةً بالشّعائر الحسينية وطلب من وزيرها السّفر إلى روما للإستفادة من الشّعائر الدينية وتقلها، قنُقلت شعائر الجلّادين إلى شيعة إيران الذين مارسوها أثناء زيارتهم الإمام علي بن موسى الرّضا. هذا ما يؤكّده  الشيخ مرتضى المطهري في كتابه “الجذب والدفع في شخصية الإمام علي(ع)”: “إن التطبير والطبل عادات ومراسم جاءتنا من أرثوذكس القفقاز وسرت في مجتمعنا كالنار في الهشيم”، والقفقاز هي منطقة القوقاز بين أوروبا وآسيا.
حالت المناوشات بين الحوزة والعثمانيين، ثم تهديد الوهابيين من العام  1902 إلى العام 1922 وإنشغال العلماء بمواجهة الإحتلال البريطاني دون محاربة هذه البدع، من ثم مجيء أنظمةٍ حاكمة طائفية      خاصّة في العراق، مما سمح لممارسات مثل التّطبير، التّسوّط والزّحف بأخذ مكانها كشعيرة من الشّعائر الحسينية، لكن هذا لم يمنع العلماء من محاربتها، في العام 1920 أصدر المراجع والعلماء أبو الحسن الموسوي الأصفهاني في النّجف الأشرف،السّيد مهدي القزويني في البصرة والسّيد محسن الأمين العاملي فتاوى تحرّم التّطبير وإراقة الدّماء في مظاهر الحزن على الحسين.
هذه الفتاوى كلّفت السّيد أبو الحسن الأصفهاني حياة إبنه حسن الموسوي الأصفهاني، حيث قتله أحد زعماء تكايا التّطبير حينها، علي القمّي  ورمى برأسه في حجر والده أثناء صلاة الجماعة بتهمة الحرب على الشّعائر الحسينية!

التّحريم لم يقتصر فقط على هؤلاء العلماء، بل أيضاً أورد السّيد محسن الحكيم:” إن هذه الممارسات ( التطبير ) ليست فقط مجرد ممارسات… هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة بل هذه     الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت عليهم السلام ولم أرى أي من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى يقول بان هذا العمل مستحب يمكن إن تقترب به إلى الله سبحانه وتعالى أن قضية التطبير هي غصة في حلقومنا”، أمّا السيد أبو القاسم الخوئي فيقول:”لم يرد نص بشرعيته فلا طريق إلى الحكم باستحبابه”، أما السّيد محمّد باقر الصّدر فقد إتخذ موقفاً حازماً:”إن ما تراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من فعل عوام الناس وجهالهم ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء بل هم دائبون على منعه وتحريمه”.
إدراج بدعة التّطبير تحت بند “الجزع في الحزن على الحسين” هو مغالاة وإساءة لطابع السّيرة والثّورة الكربلائية، لا مرجع تاريخي للتّطبير أو حادثةٌ دينيةٌ مثبتةٌ بإستثناء كونها عادةً قديمة عند بعض    الشّعوب، ولنتمعن اليوم بفوائد التّطبير ومضاره مقارنين إياها بعضها ببعض، تتفوق المضار في الميزان على الفوائد، بدل رمي الدّم على الأرض، تبرعوا به حبّا بالحسين وذكراه، إسألوا الصّليب الأحمر والهيئة الصّحية وغيرها عن النّقص في بنوك الدّم، وختاماً، “رأسك هذا الذي تطبّر لا رأسي”؟ صح، لكن سيرة كربلاء تمثلنا جميعاً بإختلاف معانيها الثورية، الإجتماعية، المجتمعية، الحياتية والإنسانية قبل الدّينية، إضرب رأسك ما شئت لكن لا تضربه بإسمي، ولا تشوّه بدمك ثورة الحسين، ولا تخطّ بهذا الدّم دعائم الجهل، لا تكن شيناً.

بعض آراء العلماء

تعليقات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s