الإعلام اللبناني وحوادث الموت…سقطاتٌ إنسانيةٌ من الطّائرة الأثيوبية لإعتداء إسطنبول

Posted: يناير 6, 2017 by Ahmad M. Yassine in إسقاط النظام

يولد لدى المشاهد، عن مشاهدته تغطية المحطّات اللبنانية لأي حدثٍ كارثي، إنطباعٌ سوداوي. وسائل الإعلام اللبنانية تتسابق فيما بينها على إقتناص السّبق الصّحفي، لا ضوابط ولا موانع، لا دروس مستفادةً من أي تغطية لأي كارثةٍ عالمية، تعزل هذه المحطات، بمراسليها ومسؤولي تحريرها ذاكرتهم عن أحداث شبيهة، كأحداث 11 أيلول 2001، أو المسرح الرّوسي والشّاحنة التي إجتاحت الجماهير في “نيس” الفرنسية، فالإعلام العالمي هاوٍ أمام المراسل اللبناني، وكيف لا، والمراسل جاهزٌ للخروج من تابوت الميّت في بعض الأحيان، كرمى لعيون السّبق الصّحفي.

119462image1

  لم يخطئ مالكوم إكس، عندما وصف وسائل الإعلام بالكيان الأقوى على وجه الأرض، فهم، لديهم القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء، وهذه هي القوة. لأنها تتحكم في عقول الجماهير. يعي الإعلام اللبناني قوّته، ليوظّفها في غير هدفها. إبّان أحداث 11 أيلول 2001، بلغ عدد الضّحايا أكثر من ثلاثة آلاف ضحية، لم نرَ وجهاً مخضّباً بالدّم، ولا جُثّةً ملقاةً على قارعة الطّريق، لم نصادف أشلاءً يزهو يمنظرها المراسلون، جلُّ ما نُشر، كان صوراً للهاربين ساعة إصطدام الطّائرتين بالأبراج. عام 2010، سقطت طائرةٌ تابعةٌ للخطوط الأثيوبية قبالة السّواحل اللبنانية، وجدت وسائل الإعلام ضالّتها، بالرّغم من خبرتها في التّعامل مع الكوارث، لم تتعظّ هذه الوسائل، بل عكفت على نقل مشاهد الموت، جثّةٌ عائمة، بقايا شعرٍ وأسنان وكأن فظاعة المشهد لا تكفي، واكبت الكاميرات الأهالي، لا خصوصية تُحترم ولا معايير تُراعى، أمٌّ مفجوعةٌ وأختٌ ثكلى، بالمعيار الإنساني، هما حالةٌ يجب التّعاطف معها! بالمعيار الإعلامي المعتمد لبنانياً، هما مادّتان لجذب المشاهدين، فدموع الأم ووجعها تستقطب نسبة مشاهدةٍ عالية، لم يكن الأداء الإعلامي المحلي مستغرباً، بل طبيعيٌ على إعلامٍ إعتاد نقل صور المجازر الإسرائيلية من قانا 1996 إلى مروحين وغيرها في العام 2006، دون أي تطوّرٍ أو تطويرٍ في معايير إعلام حالات “الطّوارئ”.

  

تنهمك المراسلة على باب المشفى، تتنقّل من طبيبٍ إلى آخر، ومن غرفةٍ إلى أخرى، تبحث في الطّاقم الطّبي عن ضالّتها، عن شخصٍ قد يشفي تعطشها للصور واللقطات الحصرية، لا مانع من ملازمة المُصاب ولو في غرف العمليات. نجحت الحكومة اللبنانية في لعب دورها بعد إعتداء إسطنبول، على عكس الإعلام اللبناني، الذي فشل فشلاً ذريعاً، مما أجبر السّلطات المعنية على محاولة عزله عن البثّ القريب من المطار. مع ذلك، قور شيوع نبأ وفاة الضّحايا الثّلاث، توجّهت الفرق الإعلامية إلى منازل الضّحايا، قبل التّعزية، نصبت الطّواقم كاميراتها، تعرّفت على العوائل المفجوعة، بدأت البحث والتّحري، الأخ قد لا يبكي كثيراً، أين الأخت أو الأم؟ سيشبعون رغباتنا بنقل صور الوجع، المشاهد يهوى الموت وما بعده! في حين نشطت الطّواقم الرّديفةُ على نبش صفحات الضّحايا على مواقع التّواصل الإجتماعي بحثاً عن صورة، نقلت إحدى القنوات مقطع فيديو لفتاةٍ تشترك في حمل الإسم ذاته مع أحد الضّحايا، قبل أن تنفي الفتاة عن نفسها صفة الموت، ودون أن تعتذر القناة عن ما إقترفته، أكملوا نبش الصّفحات والحسابات، دون أي مراعاة للخصوصية.

  مشاهد العويل والنّحيب، الوجع المهيمن على الصّورة، لقطات الجرحى والتّوابيت، كلها، صورٌ ستطبع في ذاكرة الجميع لأن الإعلام قرّر ذلك، لأن السّبق أهم من الضّمير المهني، فلا ضير بإعلام أهلٍ بوفاة إبنهم قبل أن تعلمهم السّلطات حتّى. الإعلام اللبناني بمعظمه يسيء لهوامش الحرّية الممنوحة له، بغياب الرّقابة الفعلية، التي تعتبر بالأصل، موضع جدلٍ أيضاً، فالرّقابة الزّائدة تعني هضماً للحرّيات، بينما التّفلت المهني يعني مشاهد كالتي رأيناها، مراسلٌ في تابوت، وآخرٌ في غرف العمليات، برسالةٍ مباشرة.

  

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s