Archive for the ‘المرأة’ Category

 أحمد م. ياسين

   من المعيب ونحن في ال 2014 أن أكتب أو أدوّن عن موضوعٍ كالذي سأكتب عنه.

     بينما أدوّن هذه الأسطر، ينشغل القضاء والمحقّقون بالتّحقيق مع زوج كريستال أبو شقرا، لا شيء أكيد بعد ولا إتهام مُثبت بإستثناء ما أعلنته جمعية “كفى” عن أن كريستال “تُوفيت” مسمومة  بمادة الدّيمول. كريستال أبو شقرا وبعد أيامٍ على أبعد تقدير ستصبح رقماً جديداً يُضاف إلى عدّاد الموت الذي لا يتوقّف عن حصد أرواح السّيدات. ستُضاف كرقمٍ وتُنسى، إلى أن تُقتل أخرى فيستحضر الرّأي العام إسمها وتُنسى هي والضّحية الجديدة مجدّداً وهكذا دواليك.

     كريستال هي الضّحية الثالثة في غضون فترةٍ قصيرةٍ بعد رولا يعقوب ومنال عاصي، هؤلاء بعض اللواتي دفعن ضريبة مجتمعٍ إعتاد إخفاء عيوبه كرمى حُججٍ واهية. ليس الزّوج هنا هو الجاني وحده، بل هو القاتل المباشر ومن خلفه قتلةٌ آخرون مسؤولون عن تبرير وتحفيز هكذا نوعٍ من الجرائم. ربما كان حظّ رولا، منال وكريستال عاثراً فأدركهم الموت تحت قبضة “شريك الحياة” المفترض، لكن من قبلهم كانت فاطمة النّشار التي أشبعها زوجها وعائلته ضرباً فقط لأنها أضاعت فاتورة المياه، وغيرهن كُثُر من مَن يضربون، يعنّفون ويموتون دون ان نسمع بذلك أو نعرف به.

      قانون حماية المرأة من العنف الأسري، يجد النّواب والوزراء صعوبةً أخلاقيةً في تقبّل مثل هذه العبارة وإستيعابها. يتوحّد رجال الدّين أو بعض تجّاره ممن يحتكرون صفة “رجال الدّين” ويتّحدون على رفض هذا القانون وإقصائه كلٌ بحجّة، والأنكى، أنّهم يتباكون ويصلّون على جثامين النّساء اللواتي قُتلن بسببهم، على أي حال، يعكس تعنيف المرأة جزء من التّركيبة العقلية للمجتمع الشّرقي والذي ينتمي إليه المجتمع اللبناني. مجتمع الذّكورية بإمتياز الذي يقيس رجولة الرّجل لا بعقله وشخصيته، بل بفحولته وقدرته القمعية، المجتمع ذاته الذي ينظر للمرأة كعورة أو مخلوقة من الدّرجة الثّانية بأحسن الأحوال، ما زال المجتمع يحمل بعضاً من تاريخه الجاهلي حيث كانت توأد الفتيات خوفاً من العار. لكن لا يخفَ على أحدٍ أن المجتمع طوّر تخلّفه وألبسه قميصاً جديدأ فبدل الوأد أصبح يعتمد العنف أو التّصغير والتّحجيم.

     من البديهي أن أطالب ويطالب كلّ مواطنٍ بقانون يحمي المرأة والأطفال من العنف الأسري، لكن هل يرتقي حجم المطالبة على العالم الإفتراضي لمستوى فظاعة الجريمة؟ من قُتلت ليست شخصية إفتراضية بل أمٌ بالأغلب، أمُ خسرها أولادها ودُفنت جسداً، قبل أن تُقتل مرّة أخرى بقرار تبرئة الجاني أي الزّوج أو لفلفة القضية تبعاً للأعراف المجتمعية. من المؤسف أن لا تأخذ جرائم العنف حيّزاً أكبر من حملةٍ لا تُعمّر أكثر من يومٍ أو يومين على الأغلب. بدل أن تُحرّك هذه الجرائم الأجهزة القضائية والمجتمع المدني بجمعياته وحقوقيّه ليضعوا حداً أو يرغموا المسؤولين على تمرير القانون، المجتمع أو المنظمات المدافعة عن المرأة ليست ضعيفةً متى ما آمنت بقدرتها على تشكيل مجموعات ضغط “لوبيّات” وسبق للمجتمع المدني أن أثبت نفسه قادراً، قانون منع التّدخين في الأماكن العامة مثلاً ولو أنّه لا يُطبّق.

   كثيرةٌ هي الجرائم التي ترتكب في حقّ المرأة في مجتمعنا، من تزويجٍ للقاصر، عنف جسدي ولفظي، إقصاء جندري وغيرها، قد يبدو ما أكتبه هنا شاعرياً، لكن أساس المجتمع السّليم هي المرأة، فهي من تبني المجتمع مع بناء أفراده في منزلها، هي من ترسم له هويته وأفكاره وميوله، المعنّفة ستُربّي جيلاً يرضى بالتّعنيف، المُنتفضة إن لم تحقق هي القانون، ستربي جيلاً يعمل على تحقيقه وينبذ العنف أيضاً. من واجبنا جميعاً دفع المعنّفات إلى كسر حاجز الخوف من التّقاليد والأعراف ليتمكّنوا من مواجهة القاتل، مباشراً كان أم غير مباشر، طالما أن شريعة الغاب هي السّائدة، وتزويج القاصر مثلاً مُستمر دون محاسبة من تزوّج، زوّج ورضي يتزويج قاصر، وطالما أن المرأة تُقتل وتُعنّف، فلتردّ هي الصّاع صاعين وتعنّف من عنّفها وتفضحه، ما هو الثّمن الذي ستدفعه؟ ترك منزلها؟ أليس ترك المنزل أفضل من الموت فيه بعد تحوّله سجناً للتعذيب؟ أيّ كان الثّمن، لن يكون أكبر من حياتها وسلامتها، إن عنّفك سيدتي، عنّفيه.

Advertisements

أحمد م. ياسين

    إنّها السّادسة صباحاً بتوقيت ساعة غرفتي، أستيقظ مكرهاً وأنهض من سريري بعد عشر دقائق، أتوجّه للإستحمام، لا مياه ساخنة “هذا أيام الإثنين والخميس”، ولا مياه أصلاً في باقي الأيام، إلّا إذا    كانت مياهً إشتريناها وتغزوها الطّحالب كما الحشرات.

   أركب الباص، طبعاً يستحيل على موظفٍ أن يركب سيّارته من الجنوب إلى بيروت، وإلّا لكان وطّن معاشه الشّهري في أقرب محطّة وقود، المهم، أركب الباص منطلقاً إلى العاصمة، ينطلق السّائق في    الحديث طوال الطّريق، يقود بجنون، فركوب الباصات أمسى مغامرةً يتحمّل مسؤوليتها السّائق والرّاكب، يتوقّف فجأة على الطّريق السّريع، يحاول أن يصطدم بسيّارة تاكسي أو باص آخر سرق منه راكباً، أما أنا، فإما أستمع لحديثه أو أكمل نومي، بعد قرابة السّاعة، تنتهي المغامرة اليومية الصّباحية لأدخل العمل.

   أدخل مكتبي متأخراً كالعادة، لا أحدَ هنا، أبتسم حيث أنّي لست المتأخّر الوحيد، أفتح بريدي الإلكتروني متفقّداً برنامجي لليوم وملقياً التّحية على صديقي الإلكتروني مع انه يبعد مئات أمتارٍ عنّي فقط، نتحدّث عن أحوالنا ومشاكلنا، أخبارنا ونهفاتنا قبل أن أغوص في مهمّاتي، في وقت الإستراحة، يعلو الصّوت في نقاشات حياتية وسياسيّة حادّة، ينتهي وقت الإستراحة، وأعود للعمل حتّى نهاية الدّوام، أغادر، أركب باص العودة في مغامرة جديدة قبل أن أطرق باب المنزلِ بعد نهارٍ روتيني طويل.

   أفتح التّلفاز، الأخبار ذاتها ككل يوم، حوادث سيرٍ وضحايا بفعل السّرعة، أحداثٌ أمنيةٌ أبطالها زعران ميليشياتٍ لا أعرف إسماً منهم، مؤتمراتٍ صحافيةٍ لروؤساء، وزراء ونوّاب خائفين على مصلحتي،    لربما يعرفونها أكثر منّي، لا أخبار جديدة لليوم، حتّى الأخبار روتينيّة، قتل، مشاكل، توتّرات ودم، أصبحت هذه الأخبار أو الصّور شيئاً طبيعياً وفقدت الإحساس بالألم، إبتلعت أنهر الدّماء ما تبقّى فييّ من مشاعر ممكن أن تنتفض، فصورة طفل قتيل أو رجلٍ مقطّع أصبحت حدثاً لا يتوقّف المرء عنده، على عكس مثلاً خبر وجود ميشال سليمان في الوطن وليس في الطّائرة، إحساس نجيب ميقاتي بالعمّال، أو مثلاً رئيس مجلس نوّابٍ جديد غير نبيه برّي، أنا أمزح، إزاحة برّي أو وجود رئيسٍ جديد هو العجيبة الثّامنة.

   إذاً، أضع رأسي على مخدّتي كي أدخل في سباتٍ مؤقّت قبل أن أعيد السّيناريو نفسه، أيامي هنا تشبه بعضها كما وأنها تشبه أيّام معظمكم في لبنان، لا أمن، لا كهرباء، لا مياه، لا طرقات، لا أجر يساعد    حتى نهاية الشّهر، لا علم مجّاني والأهم، لا أحد راضِ عن حياته، مع ذلك، ما زلنا هنا.

   لا مقومات لحياة مقبولة في لبنان دون قروضٍ ومساعدات، هذه مسلّمة إعتدنا عليها، يعني لو كنت لاجئاً لما إخترت بلداً يفتقد كلّ شيء إلّا إذا كنت مجبراً، هذا حال السوريين والفلسطينيين اليوم، نحمّلهم    مسؤولية كلّ ما تقصّر دولتنا فيه، قبل مجيء السّوريين، كانت حياتي مثلما هي اليوم بإستئناء السّيارات السّورية التي أراها، أكثر من مليون سوري والبلد لا يحتمل، “ليك ريحتو هالحيوان”، “وين ما كان في سوريين”، “الفلسطينيين خربوا البلد!!”، “سيرلانكية تقعد ورا!”، “خلّي السّوداني ينقبر يحملهن”،”هيدا بيكون شي مصري أو عراقي”، عبارات أسمعها بشكل يومي، حتّى إذا مرّ يومٌ ولم أسمعها أصدم، للأمانة، حتّى اليوم، أسمعها في كلّ يوم.

   من المؤسف فعلاً، أن نحمّل الغريب “الضّيف” مسؤوليّة فشلنا في إختيار ممثّلينا وتمادينا في الغشيان، من المعيب أن نعامل السّوري بإحتقار بينما نرفع الآجارات وتقفل الفنادق بعدد النزلاء السّوريين،    من المخجل أن في الوقت الذي كنّا نتغنّى فيه بوصول عدد السّواح إلى مليوني سائح موسمي، يصيبنا النّوء تحت عبء إستقبال السّوري الذي يدفع كغيره أقساط الجامعة التي “نراه فيها”، المدرسة، الشّقة، سيارة الأجرة وغيرها، هي ذاتها الشّوفينية التي تضرب مجتمعنا عند كل مفترق منذ مقتل الحريري وقتل العمّال السّوريين لأسر آل المقداد السّوريين من كل بقعة في لبنان.

   صحيح، ربما لا يستطيع لبنان تحمّل عدد كبير من اللاجئين، لا إقتصادياً ولا معيشياً، هذا سببه ماذا غير تقاعس الدّولة عن إنجاز خطّة طوارئ للنازحين؟ من يلام على إستغلال السّوريين وتسريح    اللبنانيين من عملهم؟ السّوري أو اللبناني الجشع الذي يريد إستغلال السوري بأجر أقل ودون ضمان؟ من يحاسب على قيادة السّوريين سياراتٍ عمومية دون إذن، السّائق أم قوى الأمن؟ لا أحد يحمي أي مخالفٍ للقانون أي كانت جنسيته، ليس السّوري او الفلسطيني وحدهم من يسرق، يغتصب، يقتل أو لا أدري ماذا، اللبناني أيضاً، فلتتفضّل الدّولة وتحاسب، او أقلّه، ترفع يدها كي نعرف أنها ما زالت هنا.

 أحمد م. ياسين

   الثّامن من آذار، يوم خرجت عاملات معامل النّسيج في نيويورك مطالباتٍ بتخفيض ساعات العمل، زيادة الأجر مساواة بالرّجل، والعمل دون إذن الزّوج المسبق، مع أن اجر المرأة لقاء عملها ما زال أدنى    من أجر الرّجل ب 28% في فرنسا مثلاً، في يوم المرأة، لا بدّ من رسالة للمرأة كلّ مرأة..

   إلى المرأة المصرية:

   كل عامٍ وأنتِ شريكة الثّورة، التّاريخ والحضارة الفرعونية، كل عامٍ وأنت ثائرة على ظلم مستغلّي الدّين، كل عام وأنت أم خالد سعيد، أخت مينا دانيال، وسليلة كليوباترا، متمرّدة على قوانينٍ كمثل نكاح    الميت، على فتاوى الجهل والظّلامية، كل عامٍ وأنتِ حرّة كنّوارة نجم ورشا عزب..

   إلى المرأة التّونسية:

   كل عامٍ وأنتِ زهرة الياسمين في تونس الخضراء، حاملة راية البوعزيزي رغم أنف من يريد تشريع قوانينٍ تجعل منك جارية تقتنى وتباع، كل عامٍ وأنتِ كمثل بسمة الخلفاوي زوجة الشّهيد بلعيد التي    حملت دمه على كفّها معلنةً إحياء الثّورة من جديد، كل عامٍ وأنتِ تلك الشّابة التي وقفت على السّيارة أمام حشدٍ من السّلفيين رافضةً الإهانة او تلك العجوز التّي صفعت بحذائها وجه من حاول التّعدي على حرّيتها وفرض حجابٍ عليها هي لا تريده، كل عامٍ وأنتِ كصديقتي يُسرى، حرّة مسؤولة، وياسمينةً تونسيةً تزيّن شواطئ المتوسط.

   إلى المرأة الليبية:

للأسف، أول ما تحدّث عنه من حملوا لواء الثّورة كان زيادة عدد الزّوجات بدلاً من حرّيتك، مع ذلك،   كل عامٍ وأنتِ ثائرة رافضة لظلمهم،  كل عامٍ وأنتِ أم الشّهيد، أخت الفقيد والشّريكة في المجتمع مهما    حاول تدعيم ذكوريّته في وجهك،  كل عامٍ وأنتِ صديقتي صافيناز وإبتسامتها..

 إلى المرأة البحرينية واليمنية:

   كل عامٍ وأنتن الأفضل، من دوّار اللؤلؤة إلى صنعاء وصعدة، عدن، المنامة وفي كلّ مكان، معكن شريكاتكن السّعوديات في القصيم، مجتمعكم متعطّش للحرية التي لا محال..آتية.   

  إلى المرأة الفلسطينية:

   كل عامٍ وأنتِ شجرة الزّيتون العصية حتّى على جرّافات الصّهاينة، كل عامٍ وأنتِ من تحمل قميص الدّم في يمناها، والحجر في يسراها، كل عامٍ وأنتِ أمّ فارس عودة ومحمّد الدّرة ومئات آلاف الشّهداء    المنسيّين في مقبرة الأرقام، كل عامٍ وأنتِ أم سامر عيساوي، حسن كرّاجة وآلاف المعتقلين، كل عامٍ وأنتِ صامدة صمود أسوار عكّا، جميلة جمال بحر حيفا، بابٌ للحرّية كباب شمس، كل عامٍ وأنتِ ببساطة، فلسطيننا المختطفة، كل عامٍ وأنتِ صديقتي مهى وعشقها لفيروز، كل عامٍ وأنتِ كما أنتِ، مدرسة التّضحية والمقاومة..

  إلى المرأة السّورية:

    كل عامٍ وأنتِ، لا كلمةً تأتي بعد أنتِ وتنصف ما قدّمتي من تضحيات، لا كلام في حضرة الأم السّورية كما في حضرة أنهر الدّم التي غطّت لون بردى، كل عامٍ وأنتِ صامدة شامخة كقاسيون، كل عامٍ وأنتِ    ثائرة، مدافعة عن وطنك رغم كلّ شيء، كل عامٍ وأنتِ سيّدة شاميّة أصيلة أصالة الشّام، ملكة كزنوبيا في تدمر، جميلة بجمال قصيدةٍ لأبي العلاء المعرّي، متجذّرة كحضارة الشّام وبغداد.. كل عامٍ وأنتِ سورية..

 إلى المرأة اللبنانية:

   ماذا أقول فيكِ؟ كل عامٍ وأنتِ مناضلة من أجل منح إبنكِ الجنسية، محاربةً للعنف الأسري، مواجهةً للمادة 522 من قانون الإغتصاب، ثائرةً بوجه من يحاول إبعادك والإستئثار بالمجتمع، رافضةً    لذكورية المجتمع، لن أتمنى لكِ أن تكوني كذلك في العام القادم، بل أتمنى أن أراكِ منتصرةً على من يحاريكِ في قضياكِ كلّها.

  كل عامٍ وأنتِ أم الشّهيد الذي حرّر، أرملة المقاوم الذي إنتصر، شقيقة الجريح الذي قدّم من نفسه للوطن، كل عامٍ وأنتِ يسرى إسماعيل وسناء محيدلي، كل عامٍ وأنتِ سهى بشارة كل عامٍ وأنت كمثلهم    المنتصرة المضّحية، كل عامٍ وأنت مريم أم المجتمع، زينبَ الصّوت الرّافض للظلم، مي زيادة الأديبة رغم من حاول منعها من تعليمها ..

  كل عامٍ وأنتِ أمّي أيقونة العشق في نظري، كل عامٍ وأنتِ زميلتي في العمل، رفيقتي في النّضال، صوتي في كل إعتصامٍ تحضرينه مطالبةً بما لك من حقوق، كل عامٍ وأنتِ صديقتي التي أتناوب وإياك    على الكتف في البكاء، كل عامٍ وأنتِ أنتِ، كما أنتِ، أعظم من تمثال الحرّية في الدّلالة عليها رغم من ينطقن باسمك متخذاتٍ إياكِ غطاءً  لتطرفهن المشّوه لما لأنثويتكِ من كيان..

  إلى نساء العالم:

  إفرحن، مع انّ اليوم عيدكن، لكن كلّ يومٍ من أيامنا هو أنتن كما نحن، شريكين نبني، ونحلم، نبكي ونضحك، نحزن ونفرح، نناضل ونقاتل، نتغازل ونتعاتب… كل عامٍ وأنتن بخير.   

  

 أحمد م. ياسين

    يستعد لبنان اليوم لإكمال فصلٍ جديدٍ من فصول قانون الإنتخاب، حيث تجاوز مشروع الفرزلي مرحلة اللجان شاقّاً طريقه نحو الهيئة العامة للمجلس النّيابي، قانون الفرزلي الذي يحاكي ما في نفوس اللبنانيين   من تقسيم طائفي بشكل علني، يشابه القوانين السّابقة المجحفة بحق المرأة اللبنانية مكرّساً ذكورية مجتمعنا.

          تغيب أو تُغيّب المرأة اللبنانية عن النّدوة البرلمانية منذ ما بعد الطّائف وربما قبله أيضاً، يغيب الحضور النّسائي في المجلس من حيث الفعل، فبقتصر حضورهنّ على الشّكل فقط كممثّلات لأزواجهن، أو   كعنصر يملأ الفراغ النّاجم عن غياب الزّوج تمهيداً لإستلام الإبن تركة والده، ممثلات النّساء و إن كان عددهم قليلاً و فعلهم منعدماً، هنّ أحد المروّجات للمجتمع الذّكوري ولو عن غير قصد، فتتحمل اليوم سعادة النّائب مسؤولية إهمالها واجباتها كمشرّع يراعي حقوق المجتمع الذي تعدّ المرأة عماده الأساس، لا بل في معظم الأحيان، تكون سعادة النّائب، نائبة ومصيبة على نظيراتها من النّساء، بدل أن تتنحى مفسحة المجال أمام نساء فاعلات، تجلس كي تكون شريكاً مساهماً في تعنيف المرأة أسرياً، في حرمانها حق إعطاء إبنها جنسيتها، في حقّها في أن تكون مُمثِلة و مُمثَلة في البرلمان!

بالفعل إنه لمن المستغرب أن في بلدٍ يتغنّى فيه مسؤوليه ليل نهار بنشر الحرف و الحضارة من مرفأ جبيل، تُنتهك حقوق المرأة وتهمّش، مع أن المجتمع الذي تتمتع فيه النّساء بالإستقلالية والقدرة على صناعة   القرار هو مجتمع يراعي حقوق الرّجل أكثر منه حتّى، في هكذا مجتمع، يسهل على الرّجل إيجاد نصفه الآخر، لا في مجتمع يشرّع ضرب المرأة وتعنيفها، مجتمع يجرّها إلى بيت الطّاعة دون مراعاة مظلوميتها، مجتمع تخاف هي فيه أن تمشي على الشّارع دون أن تتعرض للتحرش اللفظي أو الجسدي، نعم، تحرّش في بلد الحرف والحضارات والحريات و و وما إلى هنالك من تسميات التي لا تمت للواقع بصلة.

  من يستطيع أن يطرح اليوم في ظل الإصطفافات، في ظل إنفلات الوضع الأمني و إهتزاز الوضع الاقتصادي، في ظل تهافت الفرقاء على “تناتش” الحصص من المقاعد البرلمانية، في ظل ما يسمّى بالرّبيع   العربي أن يطرح مثلاً إلغاء المادة 522 من نص قانون الإغتصاب الشّامل؟ من يستطيع أن يحمي المُغتصبة من تزويجها لمغتصبها؟ من يستطيع أن ينصف الزّوجة إذا ضربها زوجها؟ من يعطيها حق إحتضان أطفالها دون سحبهم منها في سنّ مبكر؟ من يضمن لها مستقبل أبنائها إذا بقوا دون جنسية؟ من يكرّس حقوقها؟ من يعترف لها بفضلها كنصف المجتمع؟ وهل يستطيع طير أن يطير بجناحٍ واحد؟ لن يطير المجتمع إلى العلا إن ما أنصف المرأة، سيبقى عورة في جسد الحضارة طالما أنه ذكوريٌ غير قائمٍ على المساواة الحقّة.

   لن ينصف المرأة غير المرأة نفسها، لن يلغي أحدٌ أي مادة أو يقرّ أي قانون أفضل من المرأة ذاتها، فهي اليوم وعلى أبواب الانتخابات أمام واجبٍ تجاه نفسها أولاً ومجتمعها ثانياً، في أن تترشح وتفرض نفسها   شريكاً في التّشريع كما هي شريك في بناء الأسرة، تقاسم المدخول، كما كانت شريكاً في التّحرير والمطالبة بالحقوق الوطنية، لطالما كانت المرأة في الرّيادة والطّليعة، متقدّمة بذلك على الرّجل أحياناً، إذاً، سيدتي، آنستي، تفضلي وتفضّلن، ترشّحن كي لا يبق البرلمان منقوصاً، ترشّحن لتنصفن أنفسكن، ما أجمل “نون” النسوة..

صفحة الحملة على الفايسبوك: هنا

بيان المؤتمر الوطني الأول لمناصرات حق المرأة بالتّرشح للإنتخابات: هنا

من المؤتمر الأول لمناصات حق المرأة بالتّرشح للبرلمان

أحمد م. ياسين

        مرّ هذا السّؤال ببالي عند مروري بالبحر اليوم، أسمع هذا العبارة كثيرا”، تطرق على مسامعي مرارا” لكن دون أن أفكر فيها، جدّ، هل يضحك البحر أم يبكي؟ لما يراه صديقي مياها” و تراه صديقتي بئر أسرار؟ هل يضحك فعلا” أم  يبكي؟

   ربما يضحك البحر، او نراه نحن كذلك، ربما ذاك الكبير الأزرق الذي يعانق الأفق بلونه  دون أن نبصر له نهاية هو الأمل، ربما نتخيّله ضاحكا” كي نرتاح،  لعلّنا نأنس بإحساس الأمان، أن الغد أفضل،   نبادل البحر الإبتسامة و قد نضحك معه، قد نتبادل معه الأحاديث فيكون بئر أسرار صديقتي، نبكي بينما نشاركه الذّكريات لتمتزج الدّموع بمياهه، في حين أن المشاهد ينظر بإستغراب و يحادث نفسه، ما بالهم؟ يضحكون و يبكون لوحدهم؟ ربما جنّوا..لن يفهم المشاهد أن البحر يضحك و يسمع، يراه ماء” فقط.

   البحر بيضحك ليه؟ لماذا و ما يمنعه من الضحك أو الإبتسام، أليست الإبتسامة هي الشّعاع الأسطوري، هذا الذي يخرق ظلمة النّفق فيحي التّائه ببعض من نور الأمل؟ يضحك البحر لنا كي نضحك، كي   نمسح أسى الحروب و ظلمة اليأس بإنحناءة من الشّفتين، تخيلوا لو أنّ المرء لا يعرف معنى الإبتسامة، لا يجيد تحريك شفتيه إلا كي يتكلم أو يأكل..

   البحر يضحك للأطفال، للباعة الصّغار المتجولين، يبيعون الورد في الشّوارع، كمثل الطّفل الذي يبيع الورد في شارع الحمراء فيبيع معها الإبتسامة و الفرح من تعبه و طفولته المقهورة، يضحك للشاب   المحبط عند تفكيره بتعب ينتظره كي يبني نفسه، يضحك للعجوز، يضحك للأم عند وضعها مولودها بعد مخاض من الألم، يضحك للفلاح المبتسم رغم تورّم يديه من حمل المعول، يضحك للأب الذي يقبّل أبنائه النّيام بعد عودته من العمل، يضحك لطفل طرابلس المسلح عندما يلعب مع أصدقائه بعيدا” عن سلاح حمله بدل الكتاب و القلم، يضحك فرحا” بالشّاب الذي حصد إنجازا” صغيرا” للمراقبين كبيرا” له في العمل، يضحك البحر، يبتسم، و لما لا؟

By Hana Yassine’s Photography

  يضحك البحر لحبيبين تصالحا بعد زعل، يبتسم لخجل البنت من عيون حبيبها، يضحك لرمي المتخرج قبّعته في الحفل، يضحك حتّى لمن يأخذ الفيزا هاربا” من قلّة الفرص في وطنه، فليس للبحر وطن،   فالبحر للجميع، يضحك لهم أينما كانوا و أيّا” فعلوا”، يضحك و يبتسم مواسيا” أم الشّهيد، يبتسم  لليتيم، لإبن الشّهيد، لا تقلق، فالأمل ما زال موجودا”، يبتسم للباكية بعد تركها و حبيبها كي تتلو عليه مشاعرها و إنكسارها، يبتسم للطفل ذاته، بائع الورد ليطمأنه أن الغد أفضل، يبتسم للشاكي من فقره و جوعه و عائلته أن لا تيأس، يغنّي معهم كلهم، يغنّي معنا، يغنّي البحر للفرح، فرح سيأتي من بعد الجوع، الفقر، الموت، الفقد، الشوق، الإشتياق، طفولة كبرت باكرا”، فرح سيأتي بعد كل شيء بالأمل.

   إذا، هو البحر بيضحك ليه؟ بيضحك حتى نضحك نحن، يضحك كي نحيا رغم فقد من نحب، ثلاثة أعوام مرّوا على فقد عمتي التي أحب، التي لن أنعى بالدّموع، بل، بالإبتسامة، عمتي، أحبك بقدر شوقي   إليك.

 

أحمد م. ياسين

   “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، هذا ما قاله النّبي محمد عند خواتيم إبلاغ رسالته، مضيئا” على أهمية الأخلاق في دين الإسلام حيث أنها أساس لا يمكن أن يكتمل الدّين إلّا بوجوده، من مراعاة جار إلى   رأفة بالأهل و حتى إحترام المجتمع و النّظام ككل، فكانت النظافة وصيته، و قبول الآخر مهما إختلف دينه، و لذلك عقد الإتفاقيات مع اليهود من بني قريظة و زار النصارى في الحبشة كما راسل كسرى حينها.

    و كما تنقل الرّوايات، كان لمحمد جار يهودي يرمي بباب داره النفايات يوميا”، غاب هذا اليهودي يوما” فسأل محمد عنه أصحايه أجابوه أنه مريض، عندها ذهب النّبي لعيادته في منزله رغم ما بدر من   ذاك اليهودي فأسلم إحتراما” لأخلاق محمد، هذا جزء من المفاهيم الإجتماعية التّي هدف النّبي إلى نشرها و إيصالها لأتباعه، خاصة التسامح، المحبة و الإنفتاح، اما اليوم، فقد طفت على السّطح مفاهيم جديدة و إسلام جديد قلب موازين القديم حدّ الإخفاء، أو المحي.

     الإسلام الجديد بمتأسلميه، من يذبحون بدم بارد و على صيحات “الله أكبر”، يقتلون أخاهم المسلم، او بالحدّ الأدنى شريكهم في الوطن بعد تكفيره و إستحلال ماله و عرضه و روحه، إسلامهم الجديد   الظالم للمرأة فتتمنى لو أنّ زمن دفنها حيّة لا زال، لقد تفوق التكفيريون اليوم على معاصري العصر الجاهلي في همجيتهم و تخلّفهم، من عاصر الجاهلية إشتهر بالكرم و القيم مع الغريب أيّ كان، ماذا عن المتأسلمين الجدد؟ أين هم من هذا؟

     الإسلام الجديد من يغفل إحتلال فلسطين أربعا” و ستين عاما”، و لا يستفيق من كبوته إلا عندما يدنس الأقصى فيها و كأن فلسطين كلها لا تعنيه، إسلاميّون يهينون الإسلام و دينهم بسبب فيلم أكثر   من الفيلم نفسه، فيقتلون دون ذنب و ظلما” مع أنّ “لا تزر وازرة وزر أخرى”، يحرقون المحال و يحرمون أخوتهم من العمل إنتقاما” من صانعي الفيلم، كأن الفيلم صوّر في هذا المطعم أو ذاك، عن أي أخلاق أو إسلام يتحدّثون؟

    إسلاميّون جدد قادتهم يتسلون و الحور العين على السكايب كما في سوريا، إسلاميّون يرضخون لملوك على عروشهم منذ عشرات الأعوام، فمن الحرام الخروج عن وليّ الأمر، حتى لو كان عديم  أخلاق و منحل، همه النّساء و الملذّات الشخصية غافلا” عن فقراء شعبه، أين هذا الملك من عمر بن عبد العزيز؟ يستفز الإسلاميّون و تثور ثائرتهم بعد فيلم و أكثر الكتب مبيعا” في بلادهم –إن إطلعوا عليها- هي “كيف تثير زوجتك”،”وسائل تكبير الصدر” إلخ…و لو بحثت لمجرد البحث مستخدما” غوغل، تجد أن أكثر الكلمات إستخداما” في البحث هي الجنس و مشتقّاته، إسلاميّون تكفيريّون يحللون ما يريدون أو يحلو لهم، و يحرّمون ما يزعجهم، أساء للإسلام فيلم؟ ماذا عن آلاف القتلى يوميا” في فلسطين و سوريا و البحرين و غيرها؟ أي إسلام هذا؟!

    ببساطة مؤلمة، لقد شوّهت الإحتجاجات على الفيلم الإسلام أكثر من الفيلم ذاته، نزعت عن المسلم أو الشرق أرقى ما يملك، و هي أخلاقه، عرّى الإسلاميّون دينهم أمام الغرب حتى أصبح دين قتل و  إرهاب، دين أناس همجيّن متخلفين و دعموا من يريد تشويه صورتهم بأيديهم، فإنتشرت و لا تزال الإسلامفوبيا و تتمدد، ربما عن نفسي لست ملتزما” دينيا”، لكن أقله أعرف أن الأخلاق هي شرعة إنسانية جامعة بين الرسالات السماوية و القوانين كلها، أساء فيلم إليكم؟ ألم يؤذيكم إحتلال العراق، تقسيم السوادن، الذبح بدم بارد و قطع الرؤوس، تفتيت اليمن، إغتصاب فلسطين و تجويع الصومال؟ ألا يحزنكم أو يستفزكم منظر طفل ميت جوعا” أو قتلا” برصاص و صواريخ بدل أن يغرق في ألعابه، غرق في دمه؟ ألا يبعث فيكم إنصراف حكّامكم لتعداد المليارات من أموالهم و أنتم جياع؟ إنصرافهم إلى النساء حتى إستحلوا و أفتوا بالزواج من قاصرات سوريات لاجئات؟ ألا يستفزّكم كل هذا؟ و تتحدثون عن النّبي و كرامته؟ ألستم أسوء ما قد يهشم فيها؟ أي دين كان، هو دين أخلاق، أين الإسلاميّون اليوم من الأخلاق؟ لا أدري، فعلا”، لا أدري.

تسبيحات جمالية

Posted: أغسطس 4, 2012 by Ahmad M. Yassine in المرأة

أحمد م. ياسين

   بعيدا” عن ما يعصف بمركبنا اليومي من أحداث تتسابق لتفرض نفسها في كل يوم و تتقلب على بطنها و ظهرها لتثبت أنها على قيد الحياة، يأتي الوجه الملائكي لينزع عن تلك الأحداث صفة الأولية في سلّم الأحاديث و الريادة في غزو الساحات ذات المتغيرات اليومية، ليتربع هذا الوجه على عرش الأعين و ميدان القلب.

   و يحتار المتأمل في ابتداع القصائد و النثر الغزلي، بالشعر المتطاير أو الأعين الساحرة إلى الجسد الملتوي كلما لامسته نسمة، أو قبلة من الهواء لتلفح الخدود الحمر، ي كي بحث في معاجم الكلام عن ما قد يروي ظمأ الروح التي تعتصر على نفسها علّها تنطق بما تشعر، أو تقذف الحمم المتدفقة من بركان الشوق، الشوق إلى ذاك الملاك، لتجنب تلك الروح إبتسامة عريضة ممزوجة بخجل يغزو بحمرته شفق الوجه، حتى يلاحظ الوجه الملائكي ذلك، فينظر ليتأكد إذا ما كان هو المقصود، و بعد تأكده، ينتفض.

   و كيف به لا ينتفض و هو اللوحة المرسومة بدقّة تعيد الملحد إلى أول طريقه في البحث عن المبدع، عن من إبتعد آية من الجمال، عن من أعطى تلك العيون قدرة جحافل الجيوش على الأسر، و صلابة الجلاد على الذبح، لكنها بجماليتها تأسر و تذبح دونما إراقة أي دم، تأسر الضحية بين البؤبؤ و الرمشين، تمهيدا” منها لذبحه بحاجبيها و هي التي تكفن صورتها في عينيها كلما رمشت… قبل أن تعيده إلى سابق عهده، أخرسا” مع أن جعبته تفيض بالكلام، لكن أي كلام سيختصر ما يرى، يرى فيها جمال الشرقية و رقّتها، يرى فيها نعومة الغربية، يرى ما يراه ساكنو الأرض في أي بلد كانوا فيتوحد و هم على لغة واحدة لا يتقنها إلى الناظرون إليها، لغة يترجمها الجمال البديع، و لا ينفك يتعلمها الناظر، ليتغزل بها تارة بصوته الرقراق كحفيف صفاف يخترق حزن الشتاء، أو كسمفونية من غدير عذب يكسر ملوحة البحر، بحر الغزل.

   تحمل بيدها تفاحة ما زالت تتوارثها عن أمّها حواء و تطعمه منها، ليترك حتى الجنة و يكون معها، ليكسر كل الثوابت و يحرك كل الجوامد و يجعل من السوائل أنهار تمجّد ما رسمته هي بإبتسامتها، و ما أرسته بأوتاد رموشها، ليتمايل شعرها على كتفيها و يحمله الهواء، فترمي بتفاحتها كي يلتقطها آدم مطيعا” لجمالها رغم معصيته.

أحمد م. ياسين

تتسارع الأحداث في عالمنا العربي كل يوم وبوتيرة متسارعة، فلا يكاد يمضي الحدث الأول، ربما تفجير أو إنقلاب، حتى يأتي الحدث الثاني ويقلب الأول رأساً على عقب، هكذا يعيش العرب منذ سنة ونيف، أي منذ أن أحرق البو عزيزي نفسه مشعلاً ثورة تونس الممتدة إلى أقطار العالم العربي الحالم بالحرية، حرية يجهلها وقد أتقن العيش في ظل أنظمة الطوارئ.

إمتد حريق البو عزيزي ليحرق عروش أنظمة تجاوزت العشرين عاماً في الحكم، لتؤذن بغد جديد مجهول للشعب، وللمحيط، قبل أن ينقشع غباره على نتائج إنتخابات حملت معها القوى الاسلامية وسلمتها مقاليد الحكم في كل من مصر وتونس وليبيا وهي التي كانت حتى الأمس القريب قوى محظورة وممنوعة من الحراك أو العمل التنظيمي، طبعاً اختارها الشعب ديمقراطياً، قبل أن تدخله في نفق أسود يترحم فيه على ما قبل الثورات، فحاصر المرأة وقيد الحريات معيداً العالم العربي إلى العصور الوسطى، فهو من غطى تماثيل الاسكندرية بحجة أنها أصنام، ولا نستبعد أن يغطي الأهرامات أيضاً أو يهدمها، وفي تونس، يطرح حزب “النهضة” مشروع قانون يسمح للرجل بإقتناء جارية إلى جانب زوجته، لتكون تونس فريدة من نوعها، فهي البلد الوحيد الذي تكون فيه النهضة رمزاً للتخلف ومحاصرة المرأة.

فبعد الربيع العربي، وبدل أن تكون الأنظمة هي ما يضحى به لاجل بناء وطن ديمقراطي حر، كانت المرأة الضحية فاقدة حريتها ومكانتها الانسانية، مع أنها كانت شريكاً أساسياً في الربيع الذي أوصل من يسجنها كانسانة اليوم إلى  الحكم، بعد أن كان مسجوناً وملاحقاً، هي من نامت في ميدان التحرير وضمدت جراح الثوار، لم تفرق بين إسلامي أو لبيرالي، بل ساعدت الجميع دون إستثناء، وهي أيضاً من صرخت في وجه نظام بن علي وساهمت في هروبه خارج تونس، كيف رد لها الربيع الجميل؟ مشهدها تسحل وتضرب من قبل العسكر المصري، وليس هذا فقط، بل تعرى على مرأى من العالم أجمع، لم يهتز جفن الاخوان إلا لما بان من جسدها، وبدل الدفاع عنها، لاموها لعدم ارتدائها شيئاً تحت العباءة، وكأنها تعلم أن الجيش الذي يدفن الثورة، سيسحلها بهذه الوحشية، كي يكملوا هم الدور، أي الاخوان والسلفيين، مصادرين حقها في إختيار ما ترتدي حتى وصل بهم الأمر، إلى نشر صور زوج المرشحات إلى مجلس الشعب، حرصاً على عدم إظهار عورتها، ووجهها، حتى عيونها في نظرهم عورة، وما العورات، إلا عورات الفكر.

لم يقف الاسلاميون في مصر عند هذا الحد، بل تخطوا حدود الانسانية والعقل وأبسط مبادئ الأخلاق، مناقشين قانون سمي ب”مضاجعة الوداع” يسمح للرجل أن يودع زوجته لمدة ٦ ساعات بعد موتها، للوهلة الاولى، يظن المرء أنها دعابة تلقى لتصف حال الاسلاميين، فيستخدم الملقي المبالغة، لكنها ليست كذلك، بل حقيقة، نعم، البرلمان المصري يناقش قانون “مضاجعة الوداع”، لكن ماذا عن رأي المرأة الميتة؟ هل تقبل؟ وإن ما قبلت ألا يعد هذا إغتصاباً؟ وفي حال وداع زوجها لها في الساعة السادسة من الساعات الست المسموحة، وتجاوز الوقت، هل يدخل في الحرام؟ انها اليوم اسئلة مشروعة في الربيع العربي، ربيع أول ما إنتصر في ليبيا، خطب رئيس مجلس ثوارها مصطفى عبد الجليل بالناس مباشراً بإلغاء قانون يمنع الرجل من تعداد زيجاته ويلزمه بالزواج مرة واحدة كان القذافي قد وضعه، كأن الثورة في ليبيا قامت كي يتزوج الرجل ٤، لا بسبب ظلم القذافي وخنقه للحريات، ومثل عبد الجليل فعل النهضة في تونس، تونس التي كانت تعد نفسها كي تكون الدولة العربية الاولى الرائدة في عالم إحترام المرأة وحقوقها من خلال القوانين والتشريعات، فمنع “النهضة” القانون المدني، ويبحث قانون إقتناء الرجل لجارية، ومن يعلم، ربما يبحث مستقبلاً في وئد البنات وتشريع جرائم الشرف، هذا حال نسائنا بعد الربيع العربي، فبدل أن ينالوا حريتهم، حكم عليهم بالسجن الظلامي.

لبنان وغيره من البلدان العربية ليس بمنأى عن إضطهاد المرأة، ففي لبنان تظلم المرأة أيضاً، إن من خلال حرمها من إعطاء جنسيتها لاولادها، أو من خلال عدم وجود تشريع يحميها من العنف الاسري ويكفل لها حق الدفاع عن نفسها، أو حتى بعدم حمايتها من الاغتصاب المكفول دستورياً في المادة ٥٢٢، المادة التي تحمي المغتصب وتشرع له إغتصاب من أراد، إن كانت قاصر أم لا، مادة شبيهة بالمادة ٣٠٨ في الدستور الاردني، والتي تراعي نفس المضمون أيضاً، من حيث تزويج المغتصب لضحيته لمدة لا تقل عن سنة إلا ٣ سنوات، و يعود السؤال ليطرح نفسه، أي ربيع هذا وأي حرية هذه وأي ديمقراطية؟

نعم، أي ربيع هذا الذي يدوس وروده بدل أن يسقيها لتنموا، أي ديمقراطية هذه التي تقيد حق المرأة، أو تصادر أبسط حقوقها كانسانة؟ أي حرية هذه التي تجعل منها سلعة يمتلكها الرجل ويبدلها متى ما أراد إن لم تعجبه؟ من قال، أو أي نظرية تجعل منه أفضل منها كي يمارس عليها العنف، أو يمنعها من ممارسة حقها في التعلم والعمل؟ ويبقى السؤال، هل الربيع العربي أتى ليكمل رقصة الموت على قبر حرية المرأة، أم هو بداية مخاض عسير لولادة حرية تحترم المرأة التي لا زالت تحلم بها؟

أحمد م. ياسين

   إختياري للعنوان أتى ليتشابه مع عناوين نسمعها كثيراً منذ أكثر من عام، الربيع الشيوعي، أو إعادة الحزب العجوز إلى مرحلة الشباب بما أننا اليوم بأمس الحاجة إليه وإلى جميع القوى التي تؤمن بعدم حصر نفسها في قيودٍ طائفية أو مذهبية أو منطقية، قوى تستطيع أن تخرق الاصطفاف العامودي الحاصل في البلد منذ ٢٠٠٥ إلى الأن، لكن قبل أن تلعب هذه القوى دوراً كهذا، يجب عليها أن تكون بحجم الدور، وأن تكون قادرة جدياً على إحداث تغيير أو اقله محاولة تخرق جدار الفتنة، فهل يقدر الشيوعي على فعل ذلك؟

 

   ساحاول قدر المستطاع أن استخدم لهجة بعيدة عن التعابير الكلاسيكية الجامدة وان انقل ما يتمناه كثر وأنا أولهم مع أني خارج التنظيم، وربما ألام على ذلك، أي التنظير أو النقد بينما أجلس خارجاً بدل أن أكون في داخل التنظيم وأحاول التغيير ضمن الاطر الطبيعية والتنظيمية، لكن لما أنا خارج التنظيم؟ لسبب بسيط، لأني مؤمن بالقدرة على التغيير والتطوير من الخارج كما الداخل، وبأن النقد هو الوسيلة الأمثل للوصول إلى النجاح المنشود، طبعاً إذا ما كان نقداً بناءً مبنياً على أسس سليمة، لا مجرد نقد بهدف التهديم، ماذا لو كنت في داخل التنظيم؟ ما كان ليتغير؟ أليس الحزب بحاجة إلى ربيع ضروري اليوم عله يحافظ على مبادئ لطالما نادى بها وهي مهددة بالانقراض في ظل الاصطفاف الطائفي والعامودي بين فريقين يختلفان في الظاهر، ويتفقان في الباطن على تكريس سيطرتهم على الدولة ومفاصلها، أين الحزب الشيوعي من هذا؟ أين هو على الساحة؟

   ببساطة، واجه الحزب  حرب إلغاء وتهشيم معروفة بعد إنهيار الاتحاد السوفياتي على يد السوريين وأعوانهم في الداخل، فاقصي عن التمثيل بفعل قوانين الانتخاب المفصلة مسبقاً على قياس الحلفاء -حلفاء سوريا-، وضيق عليه من قبل الأجهزة الأمنية فلوحق ناشطوه من ما إضطر معظمهم إلى الهجرة، وطبعاً في ظل العجز الحزبي، معظمهم هاجر إلى احزاب أخرى يجد فيها مستقبلاً سياسياً له، هذا في التاريخ، أما اليوم، فتحقق هدف من أراد إلغاء الحزب، الحزب اليوم عاجز حتى عن فرض نفسه في الشارع إلا من خلال الحركات النقابية وخاصة المعلمين، بينما يستطيع أصغر بلطجي أن يرغم  الدولة على الانصياع وتنفيذ مطالبه، لا ادعو هنا الحزبيين إلى شهر أو حمل السلاح في وجه الدولة، بل إلى الاعتصام وقطع الطرقات ولو سلمياً إلى حين تحقيق مطلب من مطالبهم، وللمفارقة، لم تكن مطالب الحزب كما انصاره أو حتى المنكفئين عنه مطالب غير محقة، من إنتخابات بقانون عادل، إلى الدفاع عن حقوق العمال والفقراء مهما كانت اطيافهم حتى وإن لم يشاركوا هم، أي العمال، مروراً بأسعار المحروقات ورفض الضرائب الغير مبررة، إضافة إلى رفض تحويل العمالة من تهمة خيانة عظمى إلى وجهة نظر وجزء من معادلة ال ٦ و ٦ مكرر، لكن، هل إستطاع الحزب أن يغير منها شيئاً؟

    طبيعي، لن يستطيع الحزب أن يغير أي شيء في ليلة وضحاها، فهو يواجه نظاماً أقل ما يوصف به هو المافيوي المتامر على مصلحة المواطنين حتى من هم معه، يرضيهم بمكاسب انية في مقابل مكاسب جمة تحصل عليها الطبقة السياسية المسيطرة، إن موالاة أو معارضة، فتغيير هكذا واقع يحتاج إلى مدة زمنية وعمل متواصل بهدف التوعية يترافق مع تحركات رافضة لمجرد السكوت عن تمرير هكذا مشاريع، ابرزها العمالة وتبسيطها، وكي يقوم الحزب بذلك، ألا يحتاج أن يكون قوياً؟ كيف يكون الحزب قادراً قوياً؟، إذاً، الحزب الشيوعي ليس بالشرط حزباً أو تشكيلاً يضم تحت لوائه أعضاء منتسبين، فهو من الأحزاب القلة التي تمثل من خارجها أكثر حتى من ما تمثل من فيها، فمن المفترض به بما يحمل من مبادئ وأفكار أن يمثل الفقير، العامل، النجار، الفران، الحداد، المقاوم، القضية، المرأة وحتى الطفل في حقوقه من حيث البناء المجتمعي وهذا يرتب مسؤولية كبيرة على الحزب تتعدى الزواريب التنظيمية لتشمل المجتمع بكامله، مجدداً يأتي السؤال، هل يقدر الحزب على لعب مثل هذا الدور؟ الجواب أسهل من السؤال حتى، نعم، يقدر وبقوة شرط أن يخرج من عزلته ويكسر الستاتيكية والجمود السائدين في ادائه، كيف ذلك؟

 

   تحقيق ذلك، من منظور مراقب من الخارج، يتم عبر تحقيق نقلة نوعية تطال الحزب بقيادته وهيئاته وتنظيمه حتى تصل إلى نقاش الأفكار والخطط، و كما يعلم الحزبيون أنهم على باب مؤتمر قريب ستحصل فيه إنتخابات، برأيي هي البوابة الأمثل للتغيير إذا ما ارادت القيادة أولاً، والمنكفئون ثانياً إرجاع الحزب إلى دوره وجعله على مستوى التحديات، وأنا واثق من أنهم يريدون ذلك، فالحفاظ على الحزب لا يتم من خلال التجميد والإقصاء والإبعاد، وهنا أقصد نهج القيادة المتبع مع المعارضين، فإن لم تسطيع قيادة أن تتحاور مع معارضيها وتقبلهم وصولاً إلى إستيعابهم ضمن أطرها الحزبية، فكيف لها أن تتحاور مع المجتمع وأن تحدث تبديلاً ما؟ مع العلم، أن معظم هؤلاء المبعدون، أو من إبتعد بارادته عن الحزب يخاف على مصلحته مثل ما تخاف القيادة ولربما أكثر، وللاسف معظمهم من الشباب الواعد والناشط والمشارك في المناسبات أو الاعتصامات الحزبية أو المدعومة من قبل الحزب على الرغم من اقصائه أو ابتعاده الاختياري، لا تتحمل القيادة وحدها المسؤولية، بل أيضاً يساهم المناصرون أو المنظمون في ذلك بسبب سكوتهم عن التجاوزات، كما يتحمل المبعدون جزءًا من المسؤولية لا يستهان به، وذلك بسبب عدم الضغط في كل مرة ومناسبة على القيادة كي تستمع لهم، أو حتى في عدم المبادرة إلى صياغة أفكار تستطيع أن تكون أساساً يجمع أطياف الحزب الشيوعي سوية، ربما سيبادر احدهم بالقول أن هذا من واجب القيادة، فهي من يجب عليه أن يجمع ويتقبل المعارضين، لنفترض أن هذا صحيح وهو كذلك، والقيادة لم تفعل، إذاً ماذا؟ نسكت ونرضى ويضيع أو يغرق الحزب، أم نسعى بشتى الوسائل إلى انقاذه؟ برأيي، و خاصة اليوم، مع إشتعال الثورات وهنا لا أناقش الثورات، وإستيقاظ الشعوب، العالم العربي وطبعاً لبنان من ضمنه مهدد من قبل قوى التطرف والفتنة، إعتماد سياسة النأي بالنفس، أو “حيد عن ضهري بسيطة” لا يمثل الحزب الشيوعي ولا ينفعه، على القيادة في مؤتمرها الجديد أن تعيد من أقصي كي ينتخب، وعلى من أقصي إذا ما عاد أن ينتخب على أساس برنامج وخطط نهضوية تخدم الحزب، لا على أساس حسابات أو أخذ بالثأر، هل ستقبل القيادة بإعادة المبعدين؟ أم أن المؤتمر سيكون كما المؤتمرات السابقة، مجرد إجتماع شكل وقيادة بالتزكية، أو منافسة شكلية؟ إعادة المبعدين هو الخطوة الاولى، كي يعود المبتعدون إلى الحزب وأن لا يكتفوا بالتنظير من الخارج المترافق مع حسرة على التاريخ وأمل بتحرك لن يأتي طالما أنه لن ولم يصنع، الانتخابات في المؤتمر هي أولى شرارات الربيع الشيوعي، ربيع الحزب العريق، كي لا يبقى عجوزاً يتكئ على صفحات كتاب التاريخ، ويتحول ليكون فتياً على رغم من كبر سنه.

    تعمدت أن اكتب هذه التدوينة بلغة بسيطة ومباشرة تنقل ما أفكر فيه كمبتعد عن الحزب لا مبعد، وأن تكون رسالة إلى القيادة التي احترم، لأني على يقين، أنها لو خسرت في إنتخابات ديمقراطية ستسلم القيادة إلى الفائز وتعود عناصر عادية تخدم الفقير والعامل قبل نفسها، ألا يستحق الشباب الواعد ربيعاً في حزبهم؟ أما أن الأوان للقيادات القديمة والحالية أن تساهم في نهضة الحزب ونقله من العزلة والستاتيكية إلى التقدم و التطوير؟ البيانات وحدها لا تكفي، الاعتصامات أو الذكرى السنوية وحدها لا تكفي، الحزب ليس قوياً مادياً مقارنة بالأحزاب الطائفية أو المحسوبة على أطراف السلطة، لكنه قادر على أن يكون قوياً شعبياً، ونحن على أبواب إنتخابات برلمانية في ٢٠١٣، طبعاً مهما كان القانون، فإنه لن يخدم سوى أطراف السلطة كي يحافظوا على مكتسباتهم وحصصهم، لكن الترشح في وجههم ولو أن الخسارة هي أبرز إحتمال واجب كي يحس الناس أن هناك من يقف ويحتج على غلاء الأسعار، أو إنتشار السلاح أو إلخ من المشاكل اليومية التي ينوء تحتها المواطن، بينما إذا ما قوطعت الانتخابات، فقوى الحكم لن تتضرر أبداً، بل المتضرر الوحيد هو الحزب الشيوعي الذي سيخسر المزيد والمزيد من ناشطيه المتململين من الأداء السائد، وسيخسر أيضاً فرصة ضم وجوه جديدة وبناء قاعدة جديدة، عزل الحزب عن محيطه هو بمثابة الانتحار البطيء، حتى يصل المطاف بأحد الأشخاص ليسأل “بعد في حزب شيوعي”؟ أو “إكرام الميت دفنه”، فلنتعاون سوياً لنشفي الحزب الشيوعي، قبل أن يموت وتصح مقولة إكرام الميت دفنه، ربما تحمل تدوينتي العديد من المغالطات أو الأخطاء، لكنها ورقة للنقاش، قبل المؤتمر، لعل وعسى، نرى ربيعاً شيوعياً يمحو خيبات السنين التي مرت.

 

أحمد م. ياسين

       العنوان ليس مستغرباً، بل هو واقع حال المرأة العربية اليوم، بعد الربيع القارص عليها، فهي ما زالت تعامل كمواطن درجة عاشرة أو أدنى، وما زالت سلعة مكملة في البيت، تطهو، تغسل، تمسح وتستعمل لانجاب الأطفال، دون الالتفات إلى أبسط حقوقها، وهي العيش كانسانة، تارة تحت إسم الدين وما يفرض، وطوراً تحت حجة العادات والتقاليد، عادات وتقاليد متخلفة أكل عليها الدهر وشرب.

      هل تعلم أن لك الحق في إغتصاب أي بنت تريد؟، لا تستغرب عزيزي المتخلف، فالقانون اللبناني مثله مثل الأردني يسمح لك بذلك من خلال مواده، في لبنان، المادة ٥٢٢ تبيح لك إهانة ذات المرأة وإنتهاك كرامتها عندما ترغب، فجسدها لا قيمة له إلا لغرائزك، وفي الاردن أيضاً، تعطيك المادة ٣٠٨ الامتيازات ذاتها، لكن شرط إحترام عرض المرأة “الذي هتكته”، لأن الكرامة خط أحمر، تغتصبها لكن إياك أن تشهر بذلك حفاظاً على سمعة العائلة، فتتزوجها، وبذلك تكسب جسدها أكثر، يعني، إغتصب أي فتاة تريد، وإحصل عليها مجاناً عزيزي المتخلف، و ان أردت، يمكنك أن تتحرر منها بعد عام لتتزوج أخرى وهكذا دواليك، كله بالقانون، قانون يخالف شرعة حقوق الانسان، يخالف كل الأديان، حتى أنه يخالف أدنى مقومات المجتمع السليم، فكيف لمغتصبة أن تعيش مع مغتصبها؟ كيف لمجتمع أن يرضى ببقائها؟ إلا إذا لم يكن مجتمعاً يحترم نفسه.

     ليست هذه المميزات الوحيدة في القانون عزيزي المتخلف، فهو أيضاً يبيح لك إغتصاب القاصر، أيضاً، شرط أن لا يعرف أحد، وتتزوجها زوجاً شكلياً ثم تتحرر منها، صدق، في لبنان الذي ما ينفك نوابه يتغنون بأنه منبع الحرف والحضارة وما إلى هنالك من شعارات رنانة، قانونه لا يحترم مكون أساسياً في المجتمع، لا بل المكون الرئيسي والمسؤول عن تطوره وتقدمه، أو تخلفه أكثر، ماذا سيكون رأي إبن المغتصبة في أبيه أو موقفه منه؟ من نفسه حتى؟ ألن يكبر ليغتصب فتاة أخرى؟ قانوننا يربي مجتمعاً مريضاً، مريض بكبت جنسي حاد يظهر كل يوم ومع كل لفظ، من برامج السياسة إلى الكوميديا، كلها تركز على الجانب الجنسي، لتنفجر هذه العقدة في وجه المرأة دونما حسيب أو رقيب، بل مغطي ومشرع، كأن المرأة لا يكفيها العنف الاسري، كي يأتيها الزواج الاجباري، وتسأله لما ضربتها؟ “العصا من الجنة”، أريد أن أؤدبها، طبعاً يجيب واثقاً، تعود لتسأله، من أعطاك هذا الحق؟ يعبس ويقول، الدين والشرع!!، تذهب لتبحث أي دين أو شرع، تجد أحاديث منقولة لا إسناد لها، وإن كان هناك، فالسؤال يطرح عليك أيها المسلم، هل فاطمة أو خديجة ضربهما محمد؟ هل مريم ضربت؟ اعطني إسم نبي من أنبيائك ضرب زوجته أو سجن ابنته، أي دين هذا الذي تتكلم عنه يا عزيزي المتخلف؟

      لا تقف الأمور حد إغتصاب المرأة وهي حية، بل يمتد لاغتصابها ميتة أيضاً، برلمان الربيع المصري يناقش إقرار هذه المادة، فللرجل حق وداع زوجته قبل دفنها، مضاجعة الوداع، يا لرومانسية الربيع، عزيزي المتخلف، كيف تقدر حتى أن تتخيل مثل ذلك كي تقره؟ ماذا عن رأي المرأة الميتة، ربما لا تريد أن تلمسها، أم أن إغتصاب الموتى أيضاً محمي دينياً وقانوناً؟ ظلاميتكم حرمت النساء من الضوء، من الكرامة، من الاحساس كانسانة، وصلت فيكم الجرأة إلى حرمانها حتى من الموت بسلام والخلاص منكم؟ هل ستعيدون وئد النساء أيضاً؟ جعلتم من صوتها عورة، من وجهها عورة، من عينيها عورة، جعلتموها عورة والعورة هي أنتم وتفكيركم، تخافون أنفسكم فتسجنون النساء بلون قلوبكم الأسود، فانتم “القوامون” عليها، كأن لا عقل للمرأة أو لا معايير تضعها هي لنفسها، فتقيدون حريتها، الثورة ليست فقط على طاغية، انما على نفس اعتادت الذل للطاغية، فتحرروا.

      نعم، تحرروا من عقدكم الدفينة، من عجزكم عن فهم معنى الحرية والمشاركة، من ضعفكم أمام حيوانكم الغرائزي الذي لا ينفك يتحكم بكم، لا عورة إلا عورة الفكر، عورات الجسد  يغطيها قماش، لكن ماذا عن عورات النفس والفكر؟ تداس بناتنا وتسحل كل يوم من جنود الاحتلال الاسرائيلي، ومؤخراً من جنود الجيش المصري، لا نسأل لماذا سحلت، بل لماذا لم تلبس، مجتمعنا الذي تنتهك كرامته كل يوم لا يستفيق إلا عند رؤية جزء من جسد فتاة تقاوم بالحجر إسرائيل، فبدل دعمها، يشتمها لما بان من جسدها، هذا هو مجتمعنا، مجتمع يغطي الاغتصاب ويشرعه، فيعمل تحت شعار “اغتصبها مرة، وإحصل عليها مجاناً قدر ما تريد”، مجتمع لا يأبه بضرب النساء، فهو القائل “العصا من الجنة”، “النسوان متل الزيتون ما بيجو إلا بالرص”، مجتمع يضاجع الميتة حتى..كأن إكرام الميت دفنه، والميتة مضاجعتها.

 

 صفحة المدونة على الفايسبوك: لبناني