Archive for the ‘خربشات شخصية’ Category

أحمد م. ياسين
أن تفكّر في ما يجري حولك، او أن تقوم بما يُسمى بجولة أفقٍ على ما يجري، تتفكّر من خلف شاشتك التّي تسجن العالم خلفها وتسجنك معه. ماذا يجري؟ هل تغيّر في حياتي شيء غير بعض المتغييرات في الشّكل، تبديلٌ في شكل اللحية أو تساقط شعر ووزن زائد؟ هل أنا جاهز فعلاً لإستقبال عامٍ جديد؟
تراودنا جميعاً هذه الأسئلةُ على الأرجح، ما معيار القياس في مدى الإستعداد لإستقبال عامٍ جديد؟. عند القيام بجولةٍ على الفضاء الإلكتروني بما يحويه من آلام، خيبات، أحلام، طموحات وغيرها، إن كانت تجارب شخصية أو أحداثاً جماعية، ومن ثم مقارنتها بالعام الذي سبق أي 2013. يظهر الشّبه جلياً لا بل تتعاظم الكوارث مع كل عام، وكأن المصيبة كانت حُبلى وأنجبت طفلتها المأساة على أرض الشّرق الأوسط، فتكبر المأساة كل عامٍ لتأكل من أعمارنا وأيامنا، من أمننا وحيواتنا، من طموحاتنا، حتّى أمسى الطّموح بالخروج من المنزل والعودة إليه أقصى الطّموحات.

ماذا عن ليلة رأس السّنة؟
“كيف ستقضي ليلة رأس السّنة؟”، “وين السّهرة؟”، أحاول جاهداً أن أتجنّب الإجابة، لا أدري لماذا، لكن ربما أصبح لرأس السّنة طقوسٌ معيّنةٌ يجب     على الجميع ممارستها، ماذا لو كانت الإجابة: “في المنزل، كأي ليلةٍ من ليالي السّنة”. ستُرسم ملامح الصّدمة على وجه السّائل، “في المنزل؟!!”، أصبح قضاء هذه الليلة في المنزل فأل نحسٍ على صاحب القرار ربما.
طبعاً، دون أن نُغفل نجوم ليلة رأس السّنة –عدا ليلى عبد اللطيف، فهي نجمة كل شهر-. يحتل المنجّمون الشّاشات التّي تسمّر، يتسمّر وسيتسمّر    خلفها الملايين من الغرقى الباحثين عن خشبة الخلاص. تُستهل التّقارير طبعاً بجولةٍ على إنجازات العرّاف\المنجّم الخارق، كيف أصاب وأين أفلح، مع توريةٍ مقصودة لمكامن إخفاقه وفشله. يرسم العرّاف\العرافة إبتسامةً عريضةً وينطلق الحديث في أجواءٍ من الرّهبة والتّرقب. ماذا سيقول؟ هل ينتظرنا مستقبلٌ مُشرقٌ أم سيستمر النّفق الأسود في التّمدد وهوّة خلافاتنا في الإتساع؟ متى سيتكلّم! في جو توترٍ مترافقٍ مع قضمٍ للأظافر والأصابع ربما، بحثاً عن بارقة أملٍ ولو من عرّاف دجّال، او مشعوذة متموّلة.
قد يبدو الحديثُ شاعرياً، لكن لاعام جديدٍ إن لم يحمل من المتغييرات ما يمسح سابقاته من الأعوام. قليلٌ من الطّموحات أو الأحلام ربما لا تضرّ، ماذا عن وطنٍ عسكره حرّ لا يأسره غير حبّه لوطنه وواجبه بالدّفاع عنه، لا عصاباتٍ تكفيرية إحترفت الإجرام. ماذا عن وطنٍ سماؤه ليست مسرحاً تتراقص فيه سُحب دخان العوادم وغيرها، وطنٍ لا عجقة سير فيه بل نقلٌ عام منظم لا باصاتٍ متفلّتة كأنها قنابلٌ موقوتة، وطن لا تقنين مائي فيه وهو عائمٌ على ثروةٍ مائية، وطن لا يفهم سكّانه معنى كلمة “إشتراكٍ كهربائي” أو “ديجونتور”، وطن للقراءة فيه معنى وللإنجاز العلمي والرّياضي تقدير، وطنٌ بهيئة وطنٍ فعلي.

آمل أن أستقبل ونستقبل عاماً لا موت فيه، لا معاناة، عامٌ فيه قليلٌ من ضميرٍ يمنع إعلامه من الإتجار بأوجاع ضحايا الإرهاب أو الفساد، عامٌ مطابقٌ لأدنى مواصفات العيش الكريم، أو العيش أقلّه، لا الموت على أبواب السّفارات وفي عبّارات الهجرة، أو التّدافع على حجز وظيفة ولو بأجرٍ لا يكفي صاحبها قوت يومه، على أمل، كل عام ونحن كما كنّا من قبله.

(المزيد…)

التّطبير بين الشّعائر والبدع

Posted: نوفمبر 3, 2014 by Ahmad M. Yassine in خربشات شخصية

أحمد م. ياسين

 

   فرض التّسوّط أو التّطبير نفسه مادّةً سنوية جدلية عند حلول ذكرى عاشوراء من كل عام. ضرب الرّؤوس بالأدوات الحادّة والسّلاسل، لطم الصّدور وغيرها من الممارسات التي سميّت شعائر حسينية، هذه      الممارسات التّي لم تقتصر على الكبار فقط، بل يقع الأطفال ضحيّتها أيضاً.
في دفاعه عن بدعة ضرب الرّؤوس بالآلات الحادّة، برّر أحد الخطباء المؤيّدين لهذه البدعة فعل التّسوّط بضرب السّيدة زينب رأسها بطرف المحمل عند رؤية جثمان الحسين، حتّى سال الدّم على وجهها.      كان لزينب الفضل الأكبر والدور الأساسي في نقل مأساة كربلاء للعالم بتفاصيلها وأحداثها. كما شكّلت الرّافعة الإعلامية للقضية الحسينية والحاضنة للبقية من أهل البيت، وهي من وقفت بوجه القتلة في مجالسهم.  ماذا عن ضربها رأسها بالمحمل حزناً حتّى أدمت نفسها؟ وصية الحسين لها كانت :”لا تشقّي علَيَّ جيباً, ولا تخمشي عليَّ وجهاً, ولا تدعي علَيَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت”، أتخالف زينب وصية الحسين وتضرب رأسها حتّى تُدمي نفسها؟ هنا تبرز الإشكالية الأولى الأساسية التّي تدحض الرّواية التّاريخية السّائدة معدومة السّند أصلاً، زينب لم تضرب رأسها.
يُنسب التّطبير، أو ضرب الرّؤوس بالآلات الحادّة إلى الشّعوب القديمة، حيث مثّل التّطبير عادةً وثنية إعتمدها البابلييون في تعبيرهم عن حزنهم على الإله تمّوز، وسرعان ما تناقلت الشّعوب عادة التّطبير حتّى وصلت إلى الفينيقيّين وإستعملوها في تعبيرهم عن حزنهم على أدونيس، ومن بعدهم الفراعنة. إستمرّت ظاهرة التّعبير عن الحزن باللطم وضرب الرّؤوس بالآلات الحادة حتّى أيامنا هذه، ورُبطت بالحزن على الحسين ومأساته في منتصف القرن التاسع عشر وصولاً إلى أيامنا هذه.


(المزيد…)

أحمد م. ياسين
  “زمن البكي جايي ع كلّ البيوت”، قالها طلال حيدر وإتخذ  القتلة من هذا القول دستوراً حملوه من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا. شهية المفترس الأكول مفتوحة، يبتلع الأعمار ويسرق منّا كل يومٍ العشرات. أمسينا في هذا الشّرق أرقاماً، فمن أكمل يومه وأنهاه فبدأ بغيره بطل، نحن مشاريع شهداء لمشاريع لا نعرفها ولا ناقة لنا فيها أو جمل.

من كان ليصدّق أن أقصى طموحاتنا هو ميتةٌ على فراش تُعدّ نسبياً ميتةً مرفّهة، أقلّه بجسدٍ كاملٍ لا أشلاءَ متناثرة، أو رأساً إنفصل عن جسد صاحبه دونما سببٍ وجيه. أن تصبح عجقةُ سيرٍ أو أي تجمّعٍ بسيط عبارةٌ عن فيلم رعب، أن يغدو الخوف رفيقاً دائماً وإجبارياً، يعني أن تتحول الحياة إلى مرحلة  ترقّبٍ للموت الحتمي القادم، لكن لا نعرف على صهوة أي شيطانٍ سيركب، شيطانُ الإنتحاريين أم مقصلة الكبار، هذه هي حياتنا اليوم، فصول موتٍ متعدّدة الأوجه ولو أن مضمونها دونما شكّ، واحد.

ما كان الشّهيد هيثم أيّوب الذي قضى في تفجير السّفارة الإيرانية، أو محمود جمال الدّين شهيد تفجير ضهير البيدر الأخير ومعهم عبد الكريم حدرج شهيد تفجير دوّار شاتيلا أن بزّاتهم الرّسمية كأمنيين ستتلوّن بالأحمر، إرتضوا ومثلهم كُثُرٌ مجهولون أن يكونوا الأضاحي على مذبح الوطن وما تبقّى منه، آثروا أن يموتوا هم كي نحيا نحن، ومع ذلك، لا زال بعضنا يتذمّر من إزدحامٍ بسيطٍ على حاجزٍ أمني، مع أن المفاضلة الوحيدة الموجودة في هذه الحالة، هي بين ضياع ساعة أو أكثر، أو ضياع عمرٍ بأكمله. هيثم، جمال وعبد الكريم، لكم ولرفاقكم المجد والخلود، أبطالاً بأوسمة شرف، ولو أن طموحاتكم  وأحلامكم قد إنتهت، كل ما أردتموه كان عيشاً كريما، ولكن لحملة الموت الظّلاميين كلامٌ آخر وإن أفشلتم مخطّطاتهم بأجسادكم فكانت قرابين.
لم يختر عبد الكريم أن يكون إستشهادياً بل أُجبر على هذا الخيار بين المرّ والأمرّ، لعبد الكريم رفاقٌ وعائلة، ولغيره من الشّهداء أيضاً، يدفعون وندفع ضريبة تضارب المصالح والمشاريع من أحلامنا وحيواتنا. ترخُص دماؤنا كرمى لدقّ مسمارٍ في طاولة حوارٍ هي نعشٌ لنا وطاولة قمارٍ لهم. يقامر هؤلاء المتنطّحون على الشّاشات بخُطب رنانة وبيانات صدّاحة بأعمارنا ثم يتباكون علينا. لا يعنيني وغيري إنتخابُ رئيسٍ للجمهورية، ربما تُنصفني السّلسلة التي تنسفون، لا يعنيني تعيينٌ هنا ووظيفةٌ هناك، ما يعنيني بعد إنسحابكم عن الشّاشات هو أن أخرج من منزلي دون أن ألقي نظرة وداعٍ على أهلي بينما أذهب لشراء علبة سجائر، تعبنا.

جولةٌ صغيرة في أي حيّ أو شارع تكفي لقياس حجم اليأس بين النّاس، أو نظرةٌ على أبواب السّفارات، كفر الشّعب بالإصلاح فتعايش مع الفساد حتّى أمسى واقعاً، ضاق الشّعب ذرعاً بدعوات التّغيير فبقت المحاور السّياسية ذاتها من 8 إلى 14 وما بينهما من وسطيين، وصل الشّعب ووصلنا اليوم حدّ اليأس حتّى من الحياة ليقيننا بقرب شفرة المقصلة من نحورنا، قد أبدو متشائماً لكن كيف لي أن أتفائل؟ إعتدنا في كُتب الأساطير أن نؤمن بطائر الفينيق، لا بدّ أن ينفض طائرنا عنه الرّماد ويعود للتحليق رغم الجراح، لكننا نُغفل أن مع كلّ حريقٍ نخسر منّا أبرياء لا علاقة لهم بالمشاريع، أبرياء لا يعرفون أصلاً من هو بندر أو قاسم سليماني، لا يكترثون لا لمعارك إيران والسّعودية، ولا لمشاريع أميركا وتركيا، هؤلاء من يتحسّسون رقابهم في كلّ يومٍ كيفما تنفّسوا في حين أن القاتل يعدّ عليهم أنفاسهم، لكن يبقى الأمل لا شيء غيره، الأمل بأن يخترق شعاع النّورظلام الموت المخيّم فوق رؤوسنا.

أحمد م. ياسين

    أن تتحول من ناقلٍ للخبر إلى الخبر بحدّ ذاته. ان تتصدر صورك الصّحف وإبتسامتك الشّاشات وقد شدّدت الرّحال، أن نبكيك عريساً على مذبح الشّهادة والواجب المهني. هو الألم يا حمزة، لم تكن لتعلم أن رحلتك القلمونية هي الأخيرة بيننا والأولى إلى الأبدية. مَضيت يا حمزةَ وخلّفت وراءك قلمك وكرسيك، دفاتر شعرك وقصائدك، ورفاقً غير مصدّقين.

    لست أدري إنما كانت كلمات النّعي في محضر شهادتك يا حمزةَ ورفاقك هي سيدةُ الموقف. كيف يُنعى من كانت إطلالته وإبتسامته صنوان، كيف يُنعى الفرح يا حمزة، أو الحُلُم يا حليم، أيُرفع نعشٌ لمن رفع التّحية لمريم يا أبو جعفر؟ مهلاً..

(المزيد…)

 

 أحمد م. ياسين

    إنّها السّادسة صباحاً، يرنّ المنبّه فأسكته، يرّن مجدّداً ومجدّداً حتى أعالج صراخه بضربة يومية تظهر على شكله ندوباً، أنهض من سريري وأتأمّل وجهي في المرآة، من هذا؟ أرفع يدي وأمسح بها وجهي فأراه مغطّى بالدّماء، أفرك عينيّ وأنظر، لا دم على وجهي أبداً، أبتسم وأقول لصورتي أن اليوم يومٌ جميل، لا داعي للهلع.

    أجوب غُرف المنزل مطمئناً على وجود أفراد عائلتي، ما زالوا هنا، كلّ شيءٍ على ما يُرام ويبدو اليوم جيّداً، أحمل أغراضي وأنطلق نحو العمل، مهلاً، نسيت سماع أخبار الطّرق وزحمتها، نسيت أن أحلق ذقني أيضاً، أو ربما لا، كانت الكهرباء مقطوعة أو المياه، لا أذكر.

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

      لم تنتهِ الحرب الأهلية اللبنانية بعد، 11 نيسان 2005، “نحن هنا لأنّهم مفقودون، لن نرحل من هنا، في حديقة جبران خليل جبران، سيكون اعتصامنا حتّى معرفة مصيرهم”، يقول أهالي المفقودين في الحرب الأهلية، الذين يقبعون منذ ثمانيةُ أعوامٍ وما زالوا، أو بعضاً منهم، بينما يئس آخرون، فاختار الرّحيل الأبدي علّه يلاقي هناك من فقد.

    إلياس يوسف البيطار، لبناني مخطوف منذ أكثر من ثلاثين عاماً، توقّفت عقارب الزّمن عنده بتاريخ 25 تشرين الثّاني 1975 وكانت منطقة القنطاري آخر مكان شوهد فيه، إلياس ليس المفقود الوحيد في السّجون السّورية، مثله كُثُر من المفقودين اللبنانيين، إمّا في السّجون السّورية، الإسرائيلية، أو في مقابرَ جماعيّةً لم تُكتشف بعدُ لتقصير الدّولة عن القيام بذلك.

في العام 1996 أقرّ الرّئيس اللبناني إلياس الهراوي بوجود 210 لبنانيين معتقلين في السّجون السّورية، وبعد عامين أعلن الرّئيس السّوري بشار الأسد أنه سيطلق سراح 130 لبنانياً ويحتفظ بـ 25 آخرين لأنهم تعاملوا مع اسرائيل. الرقم المذكور يختلف عن الرقم الذي أعلنه سابقاً الهراوي، ويختلف أيضاً عن عدد اللبنانيين الذين أفرج عنهم لاحقـاً (121)، مما يعني أن عدد اللبنانيين الذين لا يزالون محتجزين لدى سوريا هو 34 لبنانيّاً، لكن الدفعة الجديدة التي أفرج عنها في شهر كانون أول من عام 2000، تضمّت 56 لبنانياً. علماً بأن الدولة اللبنانية كانت قبل ستة أشهر قد أوصت بتوفية جميع المفقودين اللبنانيين في اسرائيل وسوريا ولبنان، من بينهم المفرج عنهم، عبر لجنة تقصّي مصير المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية التي أنشأتها الحكومة في شهر كانون الثاني من العام ذاته.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

   حان الموعد، رمى حقيبته التي حملها أكثر من أربعين عاماً جانباً ورحل، مجنون الحي ما عاد حي، إختار لنفسه حياةً هادئة تكاد تشابه المستنقع في ركودها، مع ذلك، كان مجنون الحي، قليلةٌ هي الكلمات التي    سمعتها منه، لم يكن يهوى الكلام ولو أن لعيونه قدرةً على الكلام، لكانت فاضت بمكنونات قلب الدّكتور، الدّكتور المجنون.

   بعيداً عن العالم الفعلي والإفتراضي، قطن الدّكتور العجوز وزوجته في عالمهما الخاص، كنّا نراه عائداً من بيع أوراق اليانصيب، يرتدي ربطة عنقٍ باليةٍ وبنطالاً قديماً، ننتظر مجيئه كي نسخر منه، هذا الرّجل    هو حجرُ أساسٍ قامت على مثله طفولتي، كنّا زمرةَ أطفالٍ ومراهقينَ نتلهّى بمشاكل النّاس، وإن لم تنوجد المشاكل، نختلقها، وكنّا قد حفظنا ميعاد عودة المجنون من جولته اليومية، كلّما دقّت السّاعة معلنةً عن بلوغها الخامسة، خرجنا ننتظره عند باب الحي، نسخر من لباسه وساعة يده، بينما هو يبتسم ويوزّع علينا الحلويات، حتّى كبرنا ولا زالت ملابسه على حالها، طبعاً كان الزّمن كفيلاً بمسح ألوانها، لكن، بقي المجنون على حاله حتّى باغته الأجل، أو أنّه كان ينتظره منذ زمن، زمنٍ بعيد.

   لا أعرف، أجدني نادماً على ما مضى، لقد رحل المجنون ولم أكن أعرفه، مع أنّي إعتدت لقاءه يومياً ورفاقي، لم أفكّر يوماً في أن أتبعه إلى حيث يذهب، لم أزره في منزله أبداً عندما كان على قيد الحياة، لم اظن أصلاً أنه جسدٌ محسوس، بل أكثرَ منه ميّزة تميّز بها الحي كعلامةٍ دالةٍ عليه، لم تكن حياة المجنون صاخبةً أبداً، على العكس، لم يركب حصاناً خشبياً أبداً، لم يهذِ، ما كانت تصرّفاته مخالفة للطبيعة أو غريبة، إنّما صمته وساعة يده، كان يضع في يده ساعةً رقميةً زرقاء اللون، رُسم عليها سوبرمان.

   ربما أصلُ صيت الجنون، كان هذه السّاعة مشتركةً مع الزّمن الذي هَتَمَ فمهُ حتّى كاد يخلو من الأسنان، إلّا الصّفراء منها والتي بدورها كانت ضحيةً لسجائر اللف، فنزعت عنها بياض لونها ليكسوها الصّفار،    كأنها مرآة لوجه الدّكتور، حمل المجنون شهادتي دكتوراه في الفيزياء والهندسة الميكانيكية، لكنه ما كان محدّثاً ذو فصاحةٍ وبلاغة، لم يأتِ بعمره بالكلام الحسن المبين على الرّغم مما يحملُ من شهادات، لطالما عانى من عدم التّلاؤم بين جُمله ووصول المعنى المقصود مهشّماً تماماً، كان أوضح ما فيه شكلاً ومضموناً هو تلك السّاعة، كانت لغزاً إكتشفناه بعد الرّحيل.

   لم تكن السّاعة اللغز الوحيد، بل منزل الرّجل أو مكتبته، كانت تعجّ بالكتب والمراجع العلمية، بيته مؤلّفٌ من ثلاث غرفٍ إحداها فارغةٌ إلّا من سريرٍ لطفل، مع أنّي وحسب ما أعرف، لا طفل للرجل،    للصّراحة، لم أسأل يوماً إذا ما كان له طفل أم لا، في خزانته ملابسٌ غير تلك التي إعتدنا أن نراه فيها، أحذية غير مستعملة، تلك الخزانة تُشبه متحفاً لأزياء التّسعينيات، بيد أن ساعة تجديد ما فيها توقّفت قبل حلول الألفية الجديدة، الشّيء الوحيد الذي تجدّد دورياً هو المكتبة، حتّى أن في محفظته كتاباً جديداً لربما إشتراه قبل أن يرحل، لم يكن المجنون مجنوناً!

   أمّا السّاعة، فكانت ساعةَ صاحب الغرفة الفارغة، ساعة وحيده الذي قضى دهساً في أواخر التّسعينيات، توقّف الزّمان عند الدّكتور ساعةَ توقّف قلب إبنه عن النّبض، فكانت السّاعة الزّرقاء رفيقة ذكراه الدّائمة،    أكاد أجزم أن الرّجل كان يرى فينا إبنه، وكان يشتري الحلويات خصّيصاً  لا له كما كنّا نظن، كان المجنون أعقل منّا، كان العاقل الوحيد، كان أكثر تعقّلاً من الجميع، فكلما زادت الإهانات، بادلها بالصّمت المطبق والإبتسامة، تخيّلوا لو أنه لم يكن “مجنوناً” وردّ على ما كنّا نفعل، يبدو أننا نحن من كنّا المجانين، أيها الدّكتور، رحلت قبل أن تسنح لي الفرصة كي أعتذر منك، رحلت ولم تقبل منّا إعتذاراً لم تسمعه.

أحمد م. ياسين

    لا، لا أقصد السّوريين ممن يحبّون حزب الله المقاوم، ولا من في تمّوز فتحوا بيوتهم متقاسمين لقمة عيشهم وخبزهم مع النّازحين اللبنانيين، لا أعني من جعل من صورة السّيد حسن نصر الله جدارية تزّين    غرف منزله الشّامي، أعني جمهور الحزب القاطن في لبنان وعينه كما قلبه، على سوريا.
جمهور المقاومة، عينه على سوريا مترقّباً ما قد يحمله الرّبيع التّكفيري إلى وطنه، وقلبه عليها مرتعداً، جمهور المقاومة المُستَغل، فالكل يكتب بإسمه –وأنا منهم-، بينما ينصرف هو نحو حقول التّبغ، لتتوارى    خلف إبتسامة الصّغير والكبير فيه حكايات عن ماضٍ ممزوج بألم الاحتلال، وحاضرٍ يعجّ بالإستحقاقات التي فرضت نفسها عليه دون ان يكون له في هيمنتها على تفاصيل حياته اليومية رأي، كما مستقبلٍ يمطي فرس الموت حاملاً رؤوس قتلى تحتّل أجسادهم الشّاشات، هذا الجمهور، هو من يرى الأمل مسجّى أمامه بإنتظار من يأذن بدفنه، أي أملٍ هذا الذي ننتظره؟، مهلاً، ذاك المسجّى امام أحلامنا هو جسدٌ لأملٍ ضعيفٍ عاجز، خرجت منه الرّوح لتبعث في قلوب جمهور المقاومة الطّمأنينة، روحه التي تفرّقت نجوماً تضيء درب العابرين وتؤنس وحشة لياليهم، قف بنا، قف بنا يا حادي هنا، إنّنا نخاف، نخاف الغدّ، قف بنا عند اليوم أو عد بنا من حيث أتينا، فلا يؤلم الجرح إلّا حامليه.

   لا أعرف إن ما كان القدر هو المُلام، أم أن الحظّ ونحن طِباقٌ يستحيل لقائه، تسير إنتصارتنا بالتّوازي مع خيباتنا، يمتزج فرحنا بوجعنا، فالحزن هو ضيفنا الدّائم، فلا تكاد تطرق بيتاً من بيوتنا، إلّا وكان الحزن    لك من المستقبلين، وإن سافرت العبرات على جفون الصّبر، تستحضرك صور الشّباب الشّهيد، في كل شارع، حارةٍ وزاروب، في كل بيتٍ هنا حكايةٌ لشهيدٍ أو مغترب، وإبتسامةٌ تختزل في طيّاتها أقسى درجات الحزن في نفوسٍ صنعت من اليأس قاعدةً للأمل، فكان لها ما أرادت ولو بثمنٍ غال.
في غضون أقل من شهر، كُتب عن هذا الجمهور وبإسمه آلاف المقالات والتّحليلات، تارةً هو ناقم على حزب الله، وطوراً هو يستعدّ للتغيير، لتأييد من لم يكونوا في يومٍ محلّ ثقة، دائماً بحسب الكتبة والصّحف    الصّفراء، لكن هذا الجمهور بقي صامتاً، كأنه والصّمت صنوان، لم يُزل عن محيّاه تلك الإبتسامة، لكن حزنها الخفي ما عاد إسرائيلي القطب فقط، صار الجرح سورياً في الجغرافيا، عالمياً في الفاعل، مع أن الفاعل كمثل المفعول به، يتدوران على لعب الأدوار فيتقناها.

لا، لسنا جدراناً صلبةً ولا روبوتاتٍ تمّت برمجتها على رسم الإبتسامات بين الحين والآخر، نحن الخائفون الذين من خوفهم صنعوا حكاياتٍ يأخذ منها المجدُ مرجعاً إذا ما تعذّر عليه التّعريف عن نفسه، خائفون       كنّا ولا نزال، نتحسس رؤوسنا قبل أن نضعها على الوسائد، هل هي في مكانها؟ أم إقتلعها سيف ثائرٍ لا يرى منّا إلا طريقاً يعبّده بأشلائنا كي يصل الجنّة، من قال أننا لا نتألم في كل مرّةٍ ندفن فيها جثمان شابٍ منّا قد سقط في سوريا؟ من أعطى لنفسه الحق في أن يحاكمنا ويكتب عنّا كأننا في مجتمعٍ شموليٍ أو في ألمانيا النّازية ندين بالولاء للقيادة مهما جرى؟ من المخوّل أصلاً أن يكون الحكم وله الحقّ في القرار أو الفصل؟ أتظنون أن شبابنا يذهبون للموت فرحين أم أنّكم إعتدتم الإستثمار في الموت كي تعتاشوا كالدّود الطّفيلي الذي يتغذّى على الدّماء؟
لسنا عبدة أصنامٍ من القيادات، لسنا مجتمعاً يهوى ثقافة الموت، نحن من يرى في الموت حياة، فيخرج طالباً الحياة لمجتمعه ولو كلّف الأمر موته، قدرنا أن نُحرم نعمة الاستقرار، فقد ولدنا على فوّهة بركانٍ    فكلما حاولنا إخماده، إشتعل أكثر فأكثر، ماذا نرى في النّزاع السّوري؟ لا علاقة لنا ببقاء النّظام أو رحيله، لكن إن كان رحيله يعني ذبحنا لهويةٍ دينية، فمن كشف أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، لن يجلس منتظراً الموت القادم على فرس عزرائيل، يحصد الرّؤوس ويمزّق الأجساد، لن نكون لقمةً سائغةً يعلكها مضلّلٌ عسى أن يذوق فيها طعم الجنّة، وإن كنّا اللقمة التي يتناولها المثقّف ويجني منها دولاراتٍ  يكفيه تذّكر سببها…كي يغرق في عاره.

   لست، كجنوبي، راضٍ عن حزب الله السّياسي، حزب الله أثبت نفسه فاشلاً مذ أن أصبح طرفاً في السّياسة اللبنانية، من إعتصام وسط البلد، إلى حكومات السّنيورة – الحريري وميقاتي، تندر الخدمات في    مناطقنا، حلفاءُ الحزب يجنون المكاسب ويفتتحون المشاريع على حساب صمتنا، تكفيكم نظرةٌ بسيطة على نسب الهجرة، كي تجدوا أننا من الأكثر هجرةً في لبنان، لكن حنقنا وغضبنا على الحزب، هو لممارسات سياسيّه وغيابهم عن آلامنا اليومية، هذه الآلام، وهؤلاء السّياسيين ليسوا هدفاً مغرياً للكتبة والإعلام كي يظهروا إنزعاجنا منهم، فنحن آخر ما قد يهتمون به وإليه عكس ما يكتبون ويتباكون ليل نهار، ليست تجارةً مربحة، بل مهاجمة المقاومة أربح، المقاومة التي يلبس الحزب عباءتها هي نحن وهو، هي الفلّاح، المزارع، الحدّاد، النّجار، المعلّم، المهندس، الطّبيب والعمّار، هي الجنوبي البسيط الصّلب، من يأبى أن يمسح عن جبينه ندى أرضه، الجنوبي مثلي أنا، من عاد إلى منزله بعد الحرب يعد القنابل العنقودية ويقيس الحفر التي أحدثتها الصّواريخ، يقيسها ويتخيّلها كانت لتكون قبراً له، الجنوبي الذي يرسم على ثغره إبتسامةً حزينة، لا ينفك يحّولها جدولاً من أمن وأمل، أمن وأمل صُنّاعه شبّان ندروا حياتهم لحمايته.

      خيارُنا أن يمثّلنا الحزب ليس لزفتٍ على طريق، أو لوظيفةٍ في دائرةٍ فاسدة، إسمعونا جيداً، خيارنا ما بُني إلّا على ثقةٍ بمن وعدوا فصدقوا، قاوموا فحرّروا، من حافظوا ويحافظون اليوم على رؤوسنا في    مكانها قبل أن يحتزّها سيف النّصرة، نصرة الباطل على حساب الإنسانية.

 أحمد م. ياسين

    يستعد لبنان اليوم لإكمال فصلٍ جديدٍ من فصول قانون الإنتخاب، حيث تجاوز مشروع الفرزلي مرحلة اللجان شاقّاً طريقه نحو الهيئة العامة للمجلس النّيابي، قانون الفرزلي الذي يحاكي ما في نفوس اللبنانيين   من تقسيم طائفي بشكل علني، يشابه القوانين السّابقة المجحفة بحق المرأة اللبنانية مكرّساً ذكورية مجتمعنا.

          تغيب أو تُغيّب المرأة اللبنانية عن النّدوة البرلمانية منذ ما بعد الطّائف وربما قبله أيضاً، يغيب الحضور النّسائي في المجلس من حيث الفعل، فبقتصر حضورهنّ على الشّكل فقط كممثّلات لأزواجهن، أو   كعنصر يملأ الفراغ النّاجم عن غياب الزّوج تمهيداً لإستلام الإبن تركة والده، ممثلات النّساء و إن كان عددهم قليلاً و فعلهم منعدماً، هنّ أحد المروّجات للمجتمع الذّكوري ولو عن غير قصد، فتتحمل اليوم سعادة النّائب مسؤولية إهمالها واجباتها كمشرّع يراعي حقوق المجتمع الذي تعدّ المرأة عماده الأساس، لا بل في معظم الأحيان، تكون سعادة النّائب، نائبة ومصيبة على نظيراتها من النّساء، بدل أن تتنحى مفسحة المجال أمام نساء فاعلات، تجلس كي تكون شريكاً مساهماً في تعنيف المرأة أسرياً، في حرمانها حق إعطاء إبنها جنسيتها، في حقّها في أن تكون مُمثِلة و مُمثَلة في البرلمان!

بالفعل إنه لمن المستغرب أن في بلدٍ يتغنّى فيه مسؤوليه ليل نهار بنشر الحرف و الحضارة من مرفأ جبيل، تُنتهك حقوق المرأة وتهمّش، مع أن المجتمع الذي تتمتع فيه النّساء بالإستقلالية والقدرة على صناعة   القرار هو مجتمع يراعي حقوق الرّجل أكثر منه حتّى، في هكذا مجتمع، يسهل على الرّجل إيجاد نصفه الآخر، لا في مجتمع يشرّع ضرب المرأة وتعنيفها، مجتمع يجرّها إلى بيت الطّاعة دون مراعاة مظلوميتها، مجتمع تخاف هي فيه أن تمشي على الشّارع دون أن تتعرض للتحرش اللفظي أو الجسدي، نعم، تحرّش في بلد الحرف والحضارات والحريات و و وما إلى هنالك من تسميات التي لا تمت للواقع بصلة.

  من يستطيع أن يطرح اليوم في ظل الإصطفافات، في ظل إنفلات الوضع الأمني و إهتزاز الوضع الاقتصادي، في ظل تهافت الفرقاء على “تناتش” الحصص من المقاعد البرلمانية، في ظل ما يسمّى بالرّبيع   العربي أن يطرح مثلاً إلغاء المادة 522 من نص قانون الإغتصاب الشّامل؟ من يستطيع أن يحمي المُغتصبة من تزويجها لمغتصبها؟ من يستطيع أن ينصف الزّوجة إذا ضربها زوجها؟ من يعطيها حق إحتضان أطفالها دون سحبهم منها في سنّ مبكر؟ من يضمن لها مستقبل أبنائها إذا بقوا دون جنسية؟ من يكرّس حقوقها؟ من يعترف لها بفضلها كنصف المجتمع؟ وهل يستطيع طير أن يطير بجناحٍ واحد؟ لن يطير المجتمع إلى العلا إن ما أنصف المرأة، سيبقى عورة في جسد الحضارة طالما أنه ذكوريٌ غير قائمٍ على المساواة الحقّة.

   لن ينصف المرأة غير المرأة نفسها، لن يلغي أحدٌ أي مادة أو يقرّ أي قانون أفضل من المرأة ذاتها، فهي اليوم وعلى أبواب الانتخابات أمام واجبٍ تجاه نفسها أولاً ومجتمعها ثانياً، في أن تترشح وتفرض نفسها   شريكاً في التّشريع كما هي شريك في بناء الأسرة، تقاسم المدخول، كما كانت شريكاً في التّحرير والمطالبة بالحقوق الوطنية، لطالما كانت المرأة في الرّيادة والطّليعة، متقدّمة بذلك على الرّجل أحياناً، إذاً، سيدتي، آنستي، تفضلي وتفضّلن، ترشّحن كي لا يبق البرلمان منقوصاً، ترشّحن لتنصفن أنفسكن، ما أجمل “نون” النسوة..

صفحة الحملة على الفايسبوك: هنا

بيان المؤتمر الوطني الأول لمناصرات حق المرأة بالتّرشح للإنتخابات: هنا

من المؤتمر الأول لمناصات حق المرأة بالتّرشح للبرلمان


أحمد م. ياسين

 تربّينا في صغرنا على أخلاقيات العرب، فكانت مادّة اللغة العربية أو التّاريخ أبواباً يدخل منها المدرّسون إمّا حكماً أو عبراً تعرّفنا على خلفيتنا الثّقافية، يشرحون عن كرم حاتم طيّ وذبحه شاة يملكها فقط لإكرام   الضّيف. ويشرح المعلّم عن أهمية إستقبال و تعزيز الضّيوف، يتحدّث عن كيف كان أجدادنا يستقبلون الضّيف ثلاثة أيّام قبل أن يسمحوا له بالرّحيل، أذكر ما كان أستاذي يردّده دائماً”: نحن أمّة لا تبرد نارها تحت الرّماد، أي لا تخمد نيران موائدنا”.

لم نعتد في لبنان أن نطرد الضّيوف، بل إعتدنا فتح بيوتنا للجميع، فلسطيني، مصري، عراقي أو سوري، و لا زلنا نفتح أبوابنا للجميع إنطلاقاً من إكرام الضّيف وإحترامه كإنسان له حق في التّعبير طالما أنه لا   يؤذي الوطن الذي نزح إليه، لم نألف سماع خبر عن التّعرض لأي شخص في لبنان بسبب رأيه، وإن حصل ذلك، تبادر الدّولة بالإعتذار. هذا كان في الماضي، أما اليوم، فما عاد الوضع مشابهاً لأي ماض في ظل الإنفلات الأمني، الإجتماعي والأخلاقي.

تعرّض الفنان دريد لحّام لمضايقات ولمحاولة إعتداء في منطقة القلمون – شمال لبنان من قبل بعض الشّبان المضلّلين، وكاد ان يتعرّض للأذى لولا تدخل قوى الأمن والجيش. تهمة لحّام هي موقفه السّياسي الذي   لم يرق لمن حرّض هؤلاء الشّبان. تهمة لحّام أنّه قال في البدء أنّه يدعم النّظام خوفاً من تحوّل سوريا إلى عراق أو ليبيا جديدة، خوف الفنّان على وطنه كانت تهمة” كافية” لإدانته وإستباحة حرّيته. لا يلام الشّبان على ما فعلوا، فهم ضحكوا وتربّوا على فنّ غوّار، على أغنية “يامو” و”زيّنوا المرجة”، بكوا على ضياع “أمل” و سجن “غوّار” في “عودة الأصدقاء” هؤلاء الشّبان “دراويش” لا يلامون، بل يلام من حرّضهم حتى عماهم الكره والحقد، من حرّضهم هو ذاته من حرّضهم في الأمس إبّان مقتل رفيق الحريري على قتل ّالسّوريين دون أي ذنب، فقط لأنهم سوريّو الهوية.

عفواً دريد لحّام. أعتذر منك عن ما نعانيه سوياً، الفرق الوحيد أنّك ضيف وأنا مواطن في هذا البلد. عفواً دريد لحّام على تعرّض الظّلاميّين لك وإن أنت أو ليث حاجو نفيتم ذلك حفاظاً على صورة لبنان. عفواً   للتاريخ عن ما وصلنا إليه كأمّة، نقطع رؤوس مثقّفينا حتى ولو كانت تماثيلاً كما رأس أبو العلاء المعرّي، نهدم تماثيل أدبائنا والمناضلي كما جرى مع تمثال طه حسين، فاقد البصر الذي كان عرضة حتى لو بتمثاله لإعتداء من عمي البصيرة، أو تمثال شكري بلعيد، شهيد تونس وثورة الياسمين. نعم، أعتذر. أنا وأنت يا دريد لحّام للتّاريخ عن مجموعة إرهاب ثقافيّ تُلبس تمثال أم كلثوم النّقاب كأنها تخجل بماض عريق في الأدب، العلم والفنّ حتى.

 عفواً دريد لحّام، عادل إمام، وجمال سليمان، لا إحترام في مجتمعنا لرأي فنان موال للنظام، أي نظام كان. نسي إرهابيّو الفكر أن الفنّان إنسان، وكي يكون الإنسان فنّاناً، عليه أن يكون إنساناً مسبقاً، كما قال   الرّائع جورج جرداق في ختام فقرته من فيلم “لبنان اللي بحلم فيه”: أكيد أن لبنان الذي نحلم به، ليس هذا المظلم ثقافياً وكهربائياً، لبنان الذي كان في السّابق مركزاً أساسياً لجذب الفنّانين والمخرجين. كم فيلم لفريد الأطرش، حسني البورزان وغيرهم تمّ تصويره هنا؟

   لا أدري إذا كان ينفع الإعتذار من التّاريخ، فمكان حضارتنا هو غرف ذلك التّاريخ المشرق، اما اليوم، فنحجز بحاضرنا مكاناً في “مزبلته” لا أكثر، نخرس أدبنا وفننا، بينما نفتح أثير الفضائيّات لكائنات تجرثم   العقل والرّوح، تبثّ الكراهية أينما حلّت وكيفما فتحت أفواهها، لكن الكائنات هذه لن تخرجنا من وطننا. ورح نكتب إسمك يا بلادي… عالشّمس اللي ما بتغيب.