Posts Tagged ‘إسرائيل’

أحمد م. ياسين

    مقاتلو حزب الله إلى الواجهة مجدّداً، هذه المرّة من باب وحشيتهم في تصفية وقتل بعض “الثّوار” السّوريين، والدّليل هو مقطع فيديو مسجّل لمدّة دقيقة وقرابة الأربعين ثانية، للوهلة الأولى، يُصدم المُشاهد بما يرى، مقاتلون بزيّ عسكري يُخرجون جرحى وجُثث من سيارةٍ رباعية الدّفع، يشتمونها قبل أن يفرغوا مخازنهم في رؤوس الجرحى العُزّل، كما يقول العنوان، هكذا يتعامل حزب الله مع الجرحى.

   لكن ماذا لو تحقّقنا من التّسجيل؟ حسناً، هنا تبدأ الأسئلة الجدّية بطرح نفسها بعيداً عن الإفراط في المشاعر والأحاسيس، طبعاً مع التّأكيد على هول ما ورد في التّسجيل وبربريّة منفّذيه :

(المزيد…)

Advertisements

 أحمد م. ياسين

  “أرجوك فتّشني”، يبدو الأمر للوهلةِ الأولى جزءاً من مسلسلٍ أو فيلم، لكنه في الواقع، جزءٌ من الواقع اليومي، واقعٌ مترجم على الأرض بحواجز ونقاط تفتيش، إنّها الضّاحيةُ الجنوبية لبيروت، حيث حواجز الحماية للأهل والوطن.

   يتشابه شعار “أرجوك فتّشني” والعرس الذي أقيم بعد تفجير الرّويس، يشبهه في محاولة أصحابه إظهار الحواجز كنموذج حياةٍ وحماية طبيعية، لا مُشكلة في وجود الحواجز، لن تُوقف التّفجيرات حبّنا للحياة ولا إرادتنا على البقاء، لم نركع أمام عدوٍ مستترٍ ولم نركع سابقاً أمام قوّة أعتى منه، أي “إسرائيل”، مع ذلك لا مشكلة مع وجود الحواجز، رغم ما يمكن أن تسبّبه من تأخيرٍ وازدحام للسير، يهون الانتظار أمام خيارٍ آخر لونه أحمر يلوّنه رسّامه بدماء الأبرياء، لكن، “أرجوك فتّشني”؟ لماذا؟ هل أنا مجرمٌ أصلاً كي تُفتّشني؟

   لم تأتِ حواجز الضّاحية، الجنوب والبقاع من العدم، ولا تلبيةً لغاياتٍ في نفس حزب الله كإنشاء دويلة، فرض منطقة أمنٍية أتى بعد تفجيريّ بئر العبد والرّويس، وكان الشعار المكتوب على الحواجز “حماية لأهلنا والوطن” تعبيراً عن هدف الإجراءات الأمنية، لكن الحاجز أو من كتب الشّعار نسي أو ربّما تعمّد ان يتناسى إكمال الجملة بـ “بعد أن أقرّت الدّولة بعجزها عن ذلك”، ولعلها ليست المرّة الأولى التي تتقاعس فيها الدّولة عن واجبها بحماية أمن مواطنيها، هذا ما أوجد المقاومة أصلاً منذ سبعينيّات القرن الماضي.

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

      لم تنتهِ الحرب الأهلية اللبنانية بعد، 11 نيسان 2005، “نحن هنا لأنّهم مفقودون، لن نرحل من هنا، في حديقة جبران خليل جبران، سيكون اعتصامنا حتّى معرفة مصيرهم”، يقول أهالي المفقودين في الحرب الأهلية، الذين يقبعون منذ ثمانيةُ أعوامٍ وما زالوا، أو بعضاً منهم، بينما يئس آخرون، فاختار الرّحيل الأبدي علّه يلاقي هناك من فقد.

    إلياس يوسف البيطار، لبناني مخطوف منذ أكثر من ثلاثين عاماً، توقّفت عقارب الزّمن عنده بتاريخ 25 تشرين الثّاني 1975 وكانت منطقة القنطاري آخر مكان شوهد فيه، إلياس ليس المفقود الوحيد في السّجون السّورية، مثله كُثُر من المفقودين اللبنانيين، إمّا في السّجون السّورية، الإسرائيلية، أو في مقابرَ جماعيّةً لم تُكتشف بعدُ لتقصير الدّولة عن القيام بذلك.

في العام 1996 أقرّ الرّئيس اللبناني إلياس الهراوي بوجود 210 لبنانيين معتقلين في السّجون السّورية، وبعد عامين أعلن الرّئيس السّوري بشار الأسد أنه سيطلق سراح 130 لبنانياً ويحتفظ بـ 25 آخرين لأنهم تعاملوا مع اسرائيل. الرقم المذكور يختلف عن الرقم الذي أعلنه سابقاً الهراوي، ويختلف أيضاً عن عدد اللبنانيين الذين أفرج عنهم لاحقـاً (121)، مما يعني أن عدد اللبنانيين الذين لا يزالون محتجزين لدى سوريا هو 34 لبنانيّاً، لكن الدفعة الجديدة التي أفرج عنها في شهر كانون أول من عام 2000، تضمّت 56 لبنانياً. علماً بأن الدولة اللبنانية كانت قبل ستة أشهر قد أوصت بتوفية جميع المفقودين اللبنانيين في اسرائيل وسوريا ولبنان، من بينهم المفرج عنهم، عبر لجنة تقصّي مصير المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية التي أنشأتها الحكومة في شهر كانون الثاني من العام ذاته.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

   الجيش هو الحامي للحدود والضّامن للامن الوطني، هو المسؤول عن صدّ الاعتداءات الخارجية من أي طرف أتت، بينما تُناط بقوى الأمن الدّاخلي مهمّة صون الأمن الدّاخلي وحل الاشكالات بين أبناء الوطن الواحد، أو الموجودين على اراضيه من نازحين ولاجئين، هذا هو البديهي في أي دولة في العالم، دولةٍ تحترمُ نفسها، إلا في لبنان، فلا يكادُ كادرُ الصّورة أن يخلو من مسلح، حتى يظهر آخر في منطقة أخرى، عدا عن حشر كل طرفٍ أنفه في حربِ سورية الأهليةِ الداخلية، إذاً، في لبنان تختلف الشّرائع والأعراف، في لبنان سلاحٌ غير شرعي خارجٌ عن سيطرة الدولة كلياً.

  أصبح من المعروف أن مشكلة لبنان الثّانية بعد الاقتصاد هي الأمن مع أن الأمن يتقدم على الاقتصاد أحياناً، سلاحٌ منفلتٌ في كل مكانٍ ولكل طرفٍ تبريراته، هذا ما نعيشه منذ زمنٍ بعيدٍ لا أذكر إن كنت قد ولدت حينها أم لا، آخر فصول هذا الانفلات كان هجوم الارهابيين على الجيش في عبرا، سقط خلاله أكثر من ١٧ شهيداً للجيش على مذبح الوطن ودرءًا لفتنةٍ أعد لها الأسير ومن دعمه عن سابق إصرارٍ وتصميم، فتنة ما كانت لتبقي أحداً، وأول ضحاياها هم من يحاولون اشعالها، أي الفريق المغطي سياسياً للأسير والظّواهر المشابهة له، أي من غطى فتح الإسلام في نهر البارد سابقاً، من غطى ودعم جند الشّام وعصبة الأنصار، هذا الطّرف هو المسؤول الأول عن دماء الجيش، لكن كالعادة وفي وطنٍ قضاؤه مرتهن، لن يحاسب أحد ورحم اللّه من سقط شهيداً! هل سلاح الميليشيات هو الوحيد المنتشر؟ بالطّبع لا، بل سلاح حزب الله أيضاً، هذا السلاح الذي يستخدمه الفريق الداعم للظواهر المتطرفة كغطاءٍ يبرر فيه مخططاته، سلاح الميليشيات مقابل سلاح الحزب، معادلةٌ يحاول البعض ارساءها وسيفشل. (المزيد…)

أحمد م. ياسين
إذاً، إنحسرت معركة القُصير وإنتهت لمصلحة النّظام السّوري مدعوماً من حزب الله، سيغيب وجه هادي عبد الله عن الشّاشات وسيُعيد لُؤي المقداد حساباته، فالإئتلاف السّوري إعترف بأول هزيمةٍ عسكرية،    كلّ هذا على أرض الميدان السّوري حيث تدور رحى الحرب الأهلية السّورية، لكن، يأبى اللبناني إلّا أن يكون شريكاً ثابتاً بكل ما يمتّ للكوارث بصلة.

    نجد أنفسنا اليوم أمام إنقسامٍ عامودي فيما خصّ الحرب الأهلية السّورية بين اللبنانيين، إنقسام كان حتماً سيقود إلى حربٍ أهليةٍ لولا غياب القرار الدّولي، فإقتصر الإنقسام على إنفلات أمني وإقتتال طرابلسي    أصبح إعتيادياً، ففي حين يغتال النّواب آخر ما تبقّى من ديمقراطية ويمدّدون لأنفسهم، تُفرّخ في الأحياء الفقيرة زعاماتٌ وقياداتٌ يُجبرون السّياسيين على السّير خلفهم بعد أن كانوا هم أدواتٍ يستغلّها السّياسيون في بازاراتهم، هذه هي حال طرابلس، مدينةٌ أُخذت رهينةٌ لحين إنتهاء الحرب في وعلى سوريا، مدينةُ لا تُشبه الصّورة القاتمة المنقولة عنها، مدينةٌ تُعدّ من المدن الأفقر متوسطيّاً، مع ذلك لا تفارق الإبتسامة محيّا من فيها، طرابلس ليست باب التّبانة ولا جبل مُحسن وحدهما، بل فيهما ربّما تظهر صورة المدينة الفقيرة، طفلةٌ بدل أن تحمل لُعبتها تحملُ السّلاح، طفلٌ لم يعرف مقاعد الدّراسةِ بقدر معرفته بمقاعدِ ما خلف المتاريس، في طرابلس مسلّحون، يفتحون نيرانهم متى ما شاؤوا ويغلقونها أيضاً كما فتحوها، أغلب الأحيان دونما سبب، نيرانٍ تُحرق المدنيين من سكّان المنطقتين، ذنبُ السّكان الوحيد أنّهم وجدوا هنا، وجدوا على فوّهة بركانٍ يحاصرهم، فلا هم يقدرون على المغادرة بسبب فقرهم، ولا على البقاء بسبب رصاصٍ طائشٍ يعزف ألحان موتهم، هي طرابلسَ الضّحية، وهمّ جلّادوها، هم من جرّوا العامل السّوري كمثل ما تُجرّ الحيوانات وحبل حقدهم يلتف حول رقبته، هم من يتقاتلون ليل نهار، عصابة صغيرة تتحكم بمدينة كبيرة، مدينة طرابلس الشّقيقة..

  طرابلس أمست صُندوقَ بريدٍ للقوى الدّاعمة للحرب في سوريا، ليست طرابلس وحدها، صيدا كما الشّمال والبقاع، عرسال خاصةً تحجز لنفسها مكاناً في الصّورة، صورةٌ شاء البعض تغييبها، فالجيش اللبناني    يُقتل هناك، حاله حال المدنيين، الدّولة عاجزةٌ وإن ما فكّرت بالرّد، يُقابلها هجومٌ على مؤسّساتها وتهديدٌ لها بالإنشقاق والفتنة المذهبية، هكذا صودرت طرابلس لمصلحة هؤلاء، جعلوا من أنفسهم الدّولةَ بعد إعدام العسكر والدّولةِ ذاتها، هم ذاتهم من إحتفلوا ووزّعوا الحلوى عند سقوط شهداءَ لحزب الله، هم من جرّوا العامل السّوري بحبلٍ وضربوا آخر، هم من أحرقوا الصّهاريج السّورية، مع ذلك، “هم مع الثّورة” فيتغاضى عن قبحهم من يلطم الخدّ ليل نهارٍ على السّوريين، حسبما يزعم.

  في المقابل، يُجلد حزب الله ليل نهارٍ على تدخّله في سوريا، تُعقد المؤتمرات، تُنظّم الإعتصامات، تُحرق الرّايات ويعلو المنابر من يشتم الحزب في كلّ مكانٍ جتّى في معاقل الحزب، نعم حزب الله قاتل في    القصير لحماية قرى لبنانية في حوض العاصي أولاً، حماية خطّ إمداده بالسّلاح كمقاومةٍ ثانياً، وثالثاً لدرء الخطر الذي يرمي بصواريخه على قرى البقاع اللبناني من القصر، الهرمل، سرعين والنّبي شيت وغيرها، حزب الله يحمي لبنان من القتل كمل قُتلت الطّفلة لولو عوّاد، لكن لولو ليست مادّةً دسمةً ليتباكى عليها مثقّفٌ من خلف شاشته، أو من على مقعده في أحد مقاهي شارع الحمراء حيث تعالت الضّحكات يوم إستشهاد يارا عبّاس مراسلة الإخبارية السّورية، يارا كما لولو، لا قيمة لحياتها كإنسانٍ فهي إختارت تأييد “النّظام الأسدي”، لنشرب نخب مقتل هذه “الشّبيحة”، هذا المُثقف عينه هو من يكتب على مواقعه وفي صحفه واصفاً حالةَ غضبٍ شعبي على الحزب كلما شيّع شهيداً، وصل الحدّ ببعض المثقّفين أن أجرى لقاءاتٍ مع مقاتلين للحزب كانوا قد إنشقّوا “في مخيلته” وكتب النّص، ينصرف هو شاتماً من سقطوا، رافعاً شعار “لقد سقط حزب الله” و”لا مقاومة بنظرنا بعد اليوم”، متى كنت أنتَ أصلاً من مؤيّدي خط المقاومة ونهجها؟ من أولى بالحديث عن المقاومة، عوائل الشّهداء أم انت؟ من نصّبك أصلاً متحدّثاً باسم المقاومة أو الجنوب؟

   لست من مريدي تدخّل الحزب في سوريا، ولا من المهلّلين لسقوط شبابٍ لبنانيٍ على الأرض السّورية وفي ميدانٍ غير الميدان المقابل لإسرائيل، لا أريد أن أرى الحزب مقاتلاً في سوريا، أتقبّل ذلك مُكرهاً    ومثلي كُثُر، كُثُر حتّى ممن وزّعوا البقلاوة في يوم سقوط القُصير، لم ترق الصورة ربّما للإنسانيين “بالإنتقاء”، كيف يوزّعون البقلاوة على دماء الأبرياء؟!!، نعم، لا أبرياءَ غير الشّعب السّوري، ضحيّةُ مواقفكم والإرهاب من جهة، والنّظام الفاسد من جهةٍ أخرى، لستم أنتم أصحاب الحقّ بالبكاء على الشّعب السّوري أكثرَ منه هو، أنتم من غطّى قتله في ال 2005 إبّان مقتل الحريري، أنتم من حرّض على إحراق المساعدات التي أرسلناها كجنوبيين للنازحين السّوريين والفلسطينيين، أنتم من قال “لا نقبل مساعداتٍ ممن يقتل شعبنا”، لكن.

   لكن طوال ثلاثة أسابيعٍ من المعارك الدّائرةِ في القُصير لم نرَ صورةً واحدةً لضحيّةٍ مدنيٍ ممن إعتصمتم لأجلهم، أين هم؟ كيف “قتل حزب الله” الشّعب السّوري، خارج مخيّلاتكم طبعاً؟ أين تنسيقية القُصير    وصور الضّحايا؟ حزب الله أعلنها جهاراً أنه سيقاتل في سوريا، لكن ماذا عمن أعلنوا الجهاد والنّفير في لبنان؟ لم نسمع منكم كلمةً تُدينهم ولو كلمةَ نفاقٍ كي تخرسونا، لم وُزّعت البقلاوة؟ وُزّعت فرحاً بدرء أكلة القلوب وقاطعي الرّؤوس.

عمد اهالي طرابلس بدورهم على توزيع الحلوى على المارين وعلى السيارات احتفالا بسقوط مئة واربعين عنصراً من حزب الله في القصير

   الضّاحية التّي وزّعت البقلاوة هي ذاتها التّي تستقبل مِئات الآلاف من النّازحين السّوريين، مُعارضين كانوا أم مُؤيّدين، يجوّب فيها السّوريون كيفما أرادوا دون حبلٍ في رقبةِ هذا أو إعتداءٍ على ذاك، حتّى يوم    خرجَ علينا آل المقدادِ بجناحهم العسكري، ظلّت الضّاحية مأوى للسوريين، ومع أنّ لأبناء الضّاحيةِ أشقّاءٌ مخطوفين في أعزازَ من قِبل دُعاة الحرّية، مع ذلك، الضّاحيةُ بيتُ السّوريين، وُزعت البقلاوة إبتهاجاً بالنّصر لا فرحاً بالضّحايا السّوريين، لو أنّها كذلك لما تواجد السّوريون في الضّاحيةِ أصلاً.

   نحن لسنا كائناتٍ بلا قلوبٍ ولا أصنام فقدت أحاسيسها، نحن نزّف الشّهداء نهاراً ونبكي فراقهم ليلاً، نحن تلك الأمهات اللواتي تفاخر بشهيدها، من إفتدين الوطن بفلذات أكبادهن، نحن الآياء الذين إستقبلوا    جثامين أبطالهم مبتسمين ولو أن في العين دمعةً تأبى أن تُذرف، نرضى أن يُقتل شبابُنا في سوريا مُكرهين كي لا نُقتل هُنا، حالنا حال الشّعب السّوري الذي يرزح تحت إرهابٍ لم تعرفه سوريا يوماً، فليقرّر الشّعب السّوري مصيره، مع الأسد أم بدونه، هذا يبقى شأنهم الدّاخلي، لكن قبل ذلك، كلّي ثقةٌ أن شعباً صمد في وجه الذّبح والتّقطيع وقصف الطّيران، قادرٌ على أن ينتصر على آلات القتل ودحر الإرهاب عن أرضه، من ثمّ نيل حرّيته حسبما يحدّدها هو، فقط هو، لا من يقطنون الفنادقَ والسّفارات.

أحمد م. ياسين

    لا، لا أقصد السّوريين ممن يحبّون حزب الله المقاوم، ولا من في تمّوز فتحوا بيوتهم متقاسمين لقمة عيشهم وخبزهم مع النّازحين اللبنانيين، لا أعني من جعل من صورة السّيد حسن نصر الله جدارية تزّين    غرف منزله الشّامي، أعني جمهور الحزب القاطن في لبنان وعينه كما قلبه، على سوريا.
جمهور المقاومة، عينه على سوريا مترقّباً ما قد يحمله الرّبيع التّكفيري إلى وطنه، وقلبه عليها مرتعداً، جمهور المقاومة المُستَغل، فالكل يكتب بإسمه –وأنا منهم-، بينما ينصرف هو نحو حقول التّبغ، لتتوارى    خلف إبتسامة الصّغير والكبير فيه حكايات عن ماضٍ ممزوج بألم الاحتلال، وحاضرٍ يعجّ بالإستحقاقات التي فرضت نفسها عليه دون ان يكون له في هيمنتها على تفاصيل حياته اليومية رأي، كما مستقبلٍ يمطي فرس الموت حاملاً رؤوس قتلى تحتّل أجسادهم الشّاشات، هذا الجمهور، هو من يرى الأمل مسجّى أمامه بإنتظار من يأذن بدفنه، أي أملٍ هذا الذي ننتظره؟، مهلاً، ذاك المسجّى امام أحلامنا هو جسدٌ لأملٍ ضعيفٍ عاجز، خرجت منه الرّوح لتبعث في قلوب جمهور المقاومة الطّمأنينة، روحه التي تفرّقت نجوماً تضيء درب العابرين وتؤنس وحشة لياليهم، قف بنا، قف بنا يا حادي هنا، إنّنا نخاف، نخاف الغدّ، قف بنا عند اليوم أو عد بنا من حيث أتينا، فلا يؤلم الجرح إلّا حامليه.

   لا أعرف إن ما كان القدر هو المُلام، أم أن الحظّ ونحن طِباقٌ يستحيل لقائه، تسير إنتصارتنا بالتّوازي مع خيباتنا، يمتزج فرحنا بوجعنا، فالحزن هو ضيفنا الدّائم، فلا تكاد تطرق بيتاً من بيوتنا، إلّا وكان الحزن    لك من المستقبلين، وإن سافرت العبرات على جفون الصّبر، تستحضرك صور الشّباب الشّهيد، في كل شارع، حارةٍ وزاروب، في كل بيتٍ هنا حكايةٌ لشهيدٍ أو مغترب، وإبتسامةٌ تختزل في طيّاتها أقسى درجات الحزن في نفوسٍ صنعت من اليأس قاعدةً للأمل، فكان لها ما أرادت ولو بثمنٍ غال.
في غضون أقل من شهر، كُتب عن هذا الجمهور وبإسمه آلاف المقالات والتّحليلات، تارةً هو ناقم على حزب الله، وطوراً هو يستعدّ للتغيير، لتأييد من لم يكونوا في يومٍ محلّ ثقة، دائماً بحسب الكتبة والصّحف    الصّفراء، لكن هذا الجمهور بقي صامتاً، كأنه والصّمت صنوان، لم يُزل عن محيّاه تلك الإبتسامة، لكن حزنها الخفي ما عاد إسرائيلي القطب فقط، صار الجرح سورياً في الجغرافيا، عالمياً في الفاعل، مع أن الفاعل كمثل المفعول به، يتدوران على لعب الأدوار فيتقناها.

لا، لسنا جدراناً صلبةً ولا روبوتاتٍ تمّت برمجتها على رسم الإبتسامات بين الحين والآخر، نحن الخائفون الذين من خوفهم صنعوا حكاياتٍ يأخذ منها المجدُ مرجعاً إذا ما تعذّر عليه التّعريف عن نفسه، خائفون       كنّا ولا نزال، نتحسس رؤوسنا قبل أن نضعها على الوسائد، هل هي في مكانها؟ أم إقتلعها سيف ثائرٍ لا يرى منّا إلا طريقاً يعبّده بأشلائنا كي يصل الجنّة، من قال أننا لا نتألم في كل مرّةٍ ندفن فيها جثمان شابٍ منّا قد سقط في سوريا؟ من أعطى لنفسه الحق في أن يحاكمنا ويكتب عنّا كأننا في مجتمعٍ شموليٍ أو في ألمانيا النّازية ندين بالولاء للقيادة مهما جرى؟ من المخوّل أصلاً أن يكون الحكم وله الحقّ في القرار أو الفصل؟ أتظنون أن شبابنا يذهبون للموت فرحين أم أنّكم إعتدتم الإستثمار في الموت كي تعتاشوا كالدّود الطّفيلي الذي يتغذّى على الدّماء؟
لسنا عبدة أصنامٍ من القيادات، لسنا مجتمعاً يهوى ثقافة الموت، نحن من يرى في الموت حياة، فيخرج طالباً الحياة لمجتمعه ولو كلّف الأمر موته، قدرنا أن نُحرم نعمة الاستقرار، فقد ولدنا على فوّهة بركانٍ    فكلما حاولنا إخماده، إشتعل أكثر فأكثر، ماذا نرى في النّزاع السّوري؟ لا علاقة لنا ببقاء النّظام أو رحيله، لكن إن كان رحيله يعني ذبحنا لهويةٍ دينية، فمن كشف أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، لن يجلس منتظراً الموت القادم على فرس عزرائيل، يحصد الرّؤوس ويمزّق الأجساد، لن نكون لقمةً سائغةً يعلكها مضلّلٌ عسى أن يذوق فيها طعم الجنّة، وإن كنّا اللقمة التي يتناولها المثقّف ويجني منها دولاراتٍ  يكفيه تذّكر سببها…كي يغرق في عاره.

   لست، كجنوبي، راضٍ عن حزب الله السّياسي، حزب الله أثبت نفسه فاشلاً مذ أن أصبح طرفاً في السّياسة اللبنانية، من إعتصام وسط البلد، إلى حكومات السّنيورة – الحريري وميقاتي، تندر الخدمات في    مناطقنا، حلفاءُ الحزب يجنون المكاسب ويفتتحون المشاريع على حساب صمتنا، تكفيكم نظرةٌ بسيطة على نسب الهجرة، كي تجدوا أننا من الأكثر هجرةً في لبنان، لكن حنقنا وغضبنا على الحزب، هو لممارسات سياسيّه وغيابهم عن آلامنا اليومية، هذه الآلام، وهؤلاء السّياسيين ليسوا هدفاً مغرياً للكتبة والإعلام كي يظهروا إنزعاجنا منهم، فنحن آخر ما قد يهتمون به وإليه عكس ما يكتبون ويتباكون ليل نهار، ليست تجارةً مربحة، بل مهاجمة المقاومة أربح، المقاومة التي يلبس الحزب عباءتها هي نحن وهو، هي الفلّاح، المزارع، الحدّاد، النّجار، المعلّم، المهندس، الطّبيب والعمّار، هي الجنوبي البسيط الصّلب، من يأبى أن يمسح عن جبينه ندى أرضه، الجنوبي مثلي أنا، من عاد إلى منزله بعد الحرب يعد القنابل العنقودية ويقيس الحفر التي أحدثتها الصّواريخ، يقيسها ويتخيّلها كانت لتكون قبراً له، الجنوبي الذي يرسم على ثغره إبتسامةً حزينة، لا ينفك يحّولها جدولاً من أمن وأمل، أمن وأمل صُنّاعه شبّان ندروا حياتهم لحمايته.

      خيارُنا أن يمثّلنا الحزب ليس لزفتٍ على طريق، أو لوظيفةٍ في دائرةٍ فاسدة، إسمعونا جيداً، خيارنا ما بُني إلّا على ثقةٍ بمن وعدوا فصدقوا، قاوموا فحرّروا، من حافظوا ويحافظون اليوم على رؤوسنا في    مكانها قبل أن يحتزّها سيف النّصرة، نصرة الباطل على حساب الإنسانية.

   أحمد م. ياسين

  كثرُ في الآونة الاخيرة ورود هذا التّعبير في الصّحف، نشرات الأخبار والمواقع الإلكترونية :”لم يعد خافياً على أحد تشييع حزب الله لمقاتلين قضوا في سوريا منذ أيام، وقد شيّع الحزب  ..إلخ”، لا أدري    متى كان هذا خافياً أو مخفيّا أصلاً، فالحزب منذ اليوم الأول لإنخراطه في الصّراع الجاري على الأرض السّورية كان واضحاً في ذلك، “نحن لا نقاتل، بل ندافع”، فحتى وسائل الإعلام التي جعلت من هذا الخبرَ مادةً لهجومها على الحزب، لم تشر إلى أي هجومٍ قام به الحزب على أراضٍ سورية.

لست أبداً في معرض التّبرير أو الدّفاع عن تدخّل حزب الله في الصّراع السّوري، فالحزب أدرى بشعابه، لكن الهجمة الإعلامية الموجّهة تثير الإستغراب، ففي حين تغيب الإشارة إلى أي هجومٍ حزبيٍ على    الشّعب السّوري، يظهر واضحاً حجم التّدخل الخارجي لصالح المشروع الذي يمعن في سوريا دماراً، فيظهر الليبيّون، التّوانسة، المصريين، الخليجيّين وحتّى الإرهابيين من بلاد أفغانستان والقوقاز بشكلٍ يوميٍ متكررٍ على شاشات التّلفزة كلّها، طبعاً ما عدا الجزيرة والعربية في وقتٍ سابق، يصمت الإعلام والمثقّفون الدّاعمون لما يسمّى ثورةً سورية عن هؤلاء المسلّحين، يرفضون فكرة حتّى الإضاءة على إرهابهم وإجرامهم، يلصقون بالحرب الدّائرة في سوريا صفاتٍ كالثّورة، أي ثورةٍ تلك التي تقطع الرّؤوس، تبيح الأعراض وتشرّع الإغتصاب؟ لنسلّم وربما أغلبنا على يقينٍ أنّ النّظام السّوري جائرٌ وتغييره حقّ مقدّس تحت إسم الحرّية، لكن ما البديل؟ أيسقط النّظام أولاً ثم نُسقط جبهة النّصرة وأخواتها؟ كيف سنسقط من يرى فينا طريقَ عبورٍ إلى الجنة؟ ببيان إستنكارٍ وإضاءةِ شموع؟

       لقتال الحزب في سوريا عدّة تفسيرات تتنقّل بين العقائدي الدّيني والمحوري المقاوم، فعقائدياً، يبرّر الحزب كما المجموعات العراقية قتالهم في سوريا بواجب حماية المقامات الدّينية لا سيما مقام    السّيدة زينب في دمشق،  حيث يتولّى لواء أبا الفضل العبّاس الدّفاع عن المقام في وجه الهجمات المتكرّرة للجماعات التّكفيرّية، وهناك يتساقط المقاتلون بين قتيلٍ وجريح في صدّ الهجوم على المقام، خاصةً بعد تفجير هذه الجماعات لمقام الصّحابي حجر بن عدي، وإصابة قبّة مقام السّيدة رقية، حيث إستطاعت الجماعات التّكفيرّية أن تجرّ الطّائفة الشّيعية إلى حربٍ معها تحت مسمّى الدّفاع عن المقامات، وأيضاً، لم نسمع عن هجومٍ للواء أبي الفضل العبّاس، بل صدّ هجومٍ على المقامات، من هنا يأتي السّؤال، أين الجيش السّوري؟ هل تفجير الأضرحة الدّينية حرّيةٌ وثورة؟ السّبب الطّائفي ذاته هو ما دفع بأبناء القرى اللبنانية في الدّاخل السّوري، منطقة حمص – القصير إلى تشكيل وحدات وجيش الدّفاع الشّعبي، وكلمة الدّفاع، يبرّرها حمل إبن الرّابع عشرة سلاحاً في الليل، وحرثه أرضه في النّهار، ذنب أهالي هذه القرى الوحيد أنهم لبنانيون من طائفةٍ معينةٍ تقع قراهم على إمتداد خطّ إمداد المسلّحين بالسلاح، فبينما يدافع هؤلاء اللبنانيون عن رزقهم وأرضهم، أو من تبقى منهم في أرضه، تتعالى البيانات الإعلامية لتروّج لتدخل حزب الله في النّزاع السّوري، هذا كان قبل أن يصل الإعلام لا سيما جريدة “الأخبار” وتلفزيون “الجديد” إلى هذه القرى ويوضح من فيها وما يجري فيها، هؤلاء ليسوا مقاتلي حزب الله، بل أبناء المنطقة المنتمين إلى الحزب، هل سمع المثقّفون عن قرى زيتا، مطربة، الصفصافة، السغمانية، الفاروقية، العقربية، الفاضلية، حوش السيد علي، دبين، ناعم، حاويك، الحمام والجنطلية وسكّانها؟ هؤلاء لبنانيون تحت خطّ النّار.


ثاني التّبريرات، هو الدّفاع عن خط إمداد المقاومة العسكري، وهذا الكلام ليس منقولاً عن تلفزيون المنار أو الدّنيا، بل عن تصريحاتٍ لوزير الخارجية الأميركية وجنرالات في البنتاغون، فأحد الأهداف    من الحرب على سوريا وإستغلال حراك الشعب ودمه، هو كسر الفقرة الرّئيسية في العمود الفقري المقاوم، وقد نجحوا إلى حدٍ كبيرٍ في تدمير البنية التّحتية السّورية العسكرية والمعيشيّة، لكن ماذا عن خطوط الإمداد بالأسلحة؟ ما زالت الأسلحة تصل إلى المقاومة اللبنانية على الرّغم من كل شيء، من هنا يظهر الدّور الذي يلعبه مقاتلو الحزب على الحدود وطوال الخطّ المذكور، فعندما يخرج مسؤولٌ غربيٌ أو إسرائيليٌ للتصريح بأهمية كسر هذا الخط، او تدخل القنوات الإسرائيلية المتلفزة إلى سوريا ويستقبلها الجيش السّوري الحرّ، يطرح السّؤال عن مستقبل المقاومة نفسه خاصةً في حال نجاح راكبي الثّورة ومشروعهم، هل سيحاصر لبنان ومقاومته كما جرى مع غزّة أيام نظام مبارك؟ هل يكون هذا مقدّمة لعدوانٍ على لبنان يهدف للقضاء على المقاومة تحت غطاءٍ طائفي، وعبر كمّاشة تكفيريّة إسرائيلية؟ الجواب موجود عند من يدافع عن خط الإمداد بالسّلاح ويبقه مفتوحاً، فالدّفاع عن الأرض والحدود في ظل غياب وعجز واضح للجيش اللبناني، هو بمثابة درهم وقاية، خيرٌ من قنطار علاجٍ لاحقاً، من يحمي أهالي القصر والهرمل من صواريخ العصابات الإرهابية؟ الدّولة؟ أين هي في ظل النّأي بالنّفس يا ترى؟ ألم يسمع أحد تصريح أبي حفص الأدلبي عن إستعداده للسّلام مع إسرائيل؟

  

    من المؤلم أن يتساقط شبابٌ لبنانييون برصاصٍ سوري أو عربي أو لا أدري ماذا، لكن ليس حزب الله وحده من يدخل إلى سوريا مقاتلاً، فخليةُ تل كلخ اللبنانية ما زالت موجودة، والإعلام ذاته الذي    يهاجم تدخل الحزب، صمت عن خلية تل كلخ وكثر مثلها، شباب المقاومة الذين يتساقطون كزهر ربيعي في سوريا هم يقومون بواجبٍ وطني، فلبنان ليس معزولاً أو بمعزلٍ عن ما يجري في سوريا، وكي لا نكون، او نتفادى أن نكون الضّحية كما حصل مع الشّعب السّوري، يقوم هؤلاء الشّبان يالدّفاع عن أرضهم ومقاومتهم، مجدّداً بالدّفاع، لا الهجوم، وأتحدى أن يثبت أحدٌ العكس، موجعٌ أن نخسر مقاومين، لكن الوجع هو وجع أمهات سوريا ذاته، فالأبرياء السورييون يقضون كورقة مساومة على الطّاولة الرّوسية – الأميركية، فكما ساعد الشّعب السّوري النّازحين اللبنانيين إبان عدوان تمّوز، مساعدة الشّعب السّوري واجبٌ في إعادة امنه وتحصين بلده، ليختار بعدها النّظام الذي يريد، نظاماً يحفظ له حقّه في الحياة الحرّة والكريمة.

 

 أحمد م. ياسين

   راج في الآونة الأخيرة، أو درجت العادة منذ ما بعد الإتفاق الرّباعي أن تسلّط الأضواء على السّاحة اللبنانية إلى حين نشوب الأزمة السّورية، تغيّرت الأولويات الدّولية و أصبح لبنان ملحقا” ثانويا” بالأزمة   الإقليميّة، لتثور ثائرة أصدقاء بولتون و حلفائهم.

   أن يصل الواقع اللبناني للفوضى الشّرعية، أن تصبح الجريمة خبرا” عاديا” و إنعدامها المفاجأة، أن يتحوّل الإعتدال إلى غطاء للتطرف و تغطيّة الإرهاب، أن تمسي المقاومة تهمة و العمالة وجهة نظر،   عندها يصبح العالم مجنونا” و منعدم المنطق، و المتهم هنا بنظر الجميع، حزب الله.

  ليس الحزب معصوما”، و لربما الأفشل سياسيا” من حيث الدّاخل اللبناني و زواريبه، من التّحالف الرّباعي إلى  عدم إستثمار نصر تمّوز العسكري و الإعتصام المضاد للسنيورة الذي دام سنة و نصف دون   جدوى، وصولا” إلى إسقاط حكومة الحريري بذريعة شهود الزّور و الإتيان بأسوء منها بأشواط، بحكومة سجّلت رقما” قياسيا” في عدد إعتصامات و إضرابات مواطنيها، غطّت الإرهاب و حمته لغايات رئيسها الإنتخابية، حكومة بالظّاهر  محسوبة على حزب الله، بينما بالأفعال، أكبر متضرّر منها هو الحزب و المستفيد أخصامه، من مستقبل، ميقاتي و ميشال سليمان.

    حكومة حزب الله؟ حكومة حزب الله يخاطبها أمين الحزب العام مطالبا” إيّاها بإصلاحات تبدأ بمحاربة الفساد و لا تنتهي بالمطالبة بحقوق العمّال و الجامعة اللبنانيّة، كيف لا يطالب السّيد نصرالله حكومة له فيها   وزراء بالإستقالة؟ يطالب كما كان المسّتقلّون يطالبون إبّان الحكم السّوري بإصلاحات و هم داخل الحكم، الحزب هنا كمن يتجرّع السّم، مخيّر ما بين المرّ و الأمرّ، المرّ في تقبّل حكومة تشرّع العمالة، و رئيس حكومة جاهز لبيع الوطن لأجل مقعد نيابي، أو رئيس جمهورية يحمي قاضية كأليس الشّبطيني جعلت من العمالة وجهة نظر، أمّا الأمرّ، فهو الفراغ، او حكومة من فريق الرّابع عشر من آذار، تشّرع لبنان بوّابة نقل للسلّاح لسوريا، عداء” علنيّا” للمقاومة بتهمة الدّفاع عن نظام الأسد، أي بإختصار، جعل لبنان ساحة ملحقة بالأزمة السّورية و سحب قوى التّطرف إلى هنا، مع أن الحكومة الحالية تنأى بنفسها عن واجباتها، من المتضرّر؟ حزب الله أكثر أم من؟

   صرّح فيلتمان منذ فترة أن الولايات المتحدة الأميركية رصدت 500 مليون دولار لتشويه صورة الحزب، أيّ شوّه صورة الحزب أكثر؟ الإفراج عن عملاء إسرائيل أم ماذا؟ هل تخيّل احد وقع هذا القرار   على أهل الجنوب؟ أمّهات الشّهداء و أبنائهم؟ أيّ شوّه صورة الحزب أكثر؟ إعلام يستغلّ حتى اليوم قضية السّابع من أيّار متجاهلا” الخامس منه؟ السّابع من أيّار الذي خيضت على أساسه الإنتخابات البرلمانيّة في العام 2009، هو نتيجة و ليس سبب، يلام إعلام الثّامن من آذار و حزب الله على تقصيره! 7 أيّار نتيجة 5 أيّار و قرارات كادت توصل البلد إلى الحرب الأهلية، ما فشلت إسرائيل في تحقيقه، كانت حكومة السّنيورة تعمل على إقراره مما إستدعى تدخل عسكريا” من الحزب، الحزب ذاته الذي قال أمينه العام:”لو قتلوا منّا ألفا” لن ننجرّ إلى الفتنة” بعد مقتل أحمد محمود في قصقص أيام الإعتصام الشّهير، أصبحت 7 أيّار قضية شبيهة بالهولوكوست، دعاية مضخّمة لحدث عابر، أين أسماء ضحايا 7 أيّار الذين قتلوا على يدّ الحزب بالمناسبة ؟

   أما بعد إتهام بلغاريا و ما قاله محمّد سلام عن خوفه على الأمن القومي البلغاري، كان من المفترض بجمهور المقاومة أن يغضب، لكن الصّورة أصبحت كوميديّة، كوميديّة مضحكة بالفعل و شرّ البليّة ما    يضحك، مثلا”، تيّار يكاد لا تخلو جياب مسؤوليه من أموال الخزينة، يهاجم إعلامه الحزب لقضية فساد قبض فيها على شقيق الوزير فنيش ليتضح لاحقا” أن التّزوير هو في الأسماء لا المحتوى، هاجم التّيار و صمت الحزب كالعادة، بينما أعرب عن إستعداده لتسليم شقيق الوزير المزوّر، و رفع الغطاء عن أخوة النّائب البقاعي تجّار المخدّرات، هل سلّم التيّار أحدا” من لصوصه؟ عبد المنعم يوسف مثلا”؟ يتهم الحزب بسلاحه، “السّلاح الغير شرعي”، من يهدّد سلاحه الأمن الدّاخلي أكثر؟ صواريخ الحزب أم سلاح المستقبل المنفلت من عقاله؟ الحزب الذي يقتحم الجيش و مخابراته مناطقه كبريتال و الضّاحية ليعتقل عنتر كركي مثلا”، عنتر أخو الشّهداء الثّلاث في الحزب الذي لم يدافع عنه الحزب، لم يقل نوّاب الحزب عنه مظلوما” أو إختلقوا الرّوايات، بينما غيره يهاجم و يحرّض على الجيش ليل نهار، تارة تحت شعارات مذهبية و طورا” تحت شعارات نصرة سوريا و السّلاح مقابل السّلاح، بسيطة، فلنتقايض الأرض لمدّة، إتخذوا من إسرائيل جارة” لكم و من بعدها أعطوا المقاومة الحلول، حزب الله هذا، أي المقاوم، ليس حزبا” سياسيا”، مقاومو الحزب هم الفلّاح و النّجار و الحداد و و و من أبناء الجنوب، حاولت إسرائيل بالحروب ان تنتزع عقيدة المقاومة، حاولت و تحاول أميركا غزونا ثقافيا” تحت شعارات فضّ النّزاعات سلميّا”، و ما زالت عقيدة المقاومة متجذّرة، من أيام المماليك، أدهم خنجر، الشّيخ الشّهيد الأول و الثّاني و حتى مقاومات اليوم اللبنانية و الجنوبية خاصة”، إنّها عقيدة شعب، شعب ليس بالضّرورة تابعا” لولاية الفقيه لا بل و لا يتفق في معظمه معها، شعب دافع عن حرّيته مرارا” و آخرها في قضية محاولة الحزب منع الكحول و فشله، هذا الشّعب الذي صوّت بنسبة 40% في الإنتخابات البلدية لخصوم الحزب من أهل الضّيع و   المدن المحسوبة عليه -أي حزب الله-، هو ذاته الذي يصوّت بنسبة 90% لنوّاب الوفاء للمقاومة، لا حبّا” بالنّواب بالضّرورة، لا أملا” بطريق معبّد أو لمّبة إنارة، بل وفاء” لدماء الشّهداء أولا” و أخيرا”.

   هذا الحزب اليوم و كما بدأت، ليس معصوما”، لكن الأكيد انه ضعيف أكثر من دوري شمعون حتّى، في زمن وقح يحاضر فيه من كان قبّل قدم الأسد بالأمس، ضيّف الإسرائيليّين الشّاي و شرّع أحزابا” كحزب    التّحرير، و يعطي من سلّم سلاحه لإسرائيل دروسا” في إستراتيجيّات الدّفاع، يهاجمون الحزب لردّه على إختراقات إسرائيل الجوّية أكثر من إسرائيل ذاتها، بدل أن تكون “أيّوب” فخرا” لنا، تصبح تهمة يحاسب عليها المقاومون! إتهام بلغاريا، هلّل له هؤلاء أكثر من إسرائيل، مع العلم أنه إتهام إنتخابي بلغاري داخلي لا قيمة له، من يعرف الجناح العسكري للحزب أصلا”؟ هل سيمنع السّيد حسن من قضاء عطلته في باريس؟

  هذا  الحزب هو سبب علاقة مريم نور بالفضائيّن، الحزب هو من إغتال ولي عهد النّمسا، هو من سبّب التّسونامي، هو من كان وراء زلزال بيروت، وراء تقارير الجديد عن ليلى الصّلح حمادة، هو من كان وراء تدوينتي هذه.

 أحمد م. ياسين

     منذ توحدّ الجيش اللبناني بعد الحرب الأهلية، و إستطاعت المؤسسة أن تنأى بنفسها عن الإنقسامات اللبنانية الطّائفية و يكرّس نفسه صمّام أمان للوطن، خاصّة بعد مقتل رفيق الحريري و لعبه دور الحامي و المانع للفتنة.

     تعرّضت المؤسّسة العسكرية طوال فترة الإحتلال الإسرائيلي لإعتداءات و هجمات من العدو، حتى بعد التّحرير و في حرب تمّوز، كان للجيش الوطني نصيبه من الشّهداء على مذبح الوطن، ليعمّد بالدّم شراكته مع المقاومة و الشّعب في الدّفاع عن لبنان و حدوده، فكانت حادثة شجرة العدسية التي سطّر فيها الجيش بطولة رغم نقص عتاده مقارنة بالعدو و الأحزاب الدّاخلية الطّائفية، مع العلم أن العالم أجمع يرفض تسليحه خوفا” من عقيدته المعادية لإسرائيل أولا” و أخيرا”، فتسليح الجيش مشروط بتغيير العقيدة و هذا ما لم و لن يحدث، بالمحصّلة، أثبت الجيش أنّه الشّريك الأساسي للمقاومة رغم كل المعوقات من عدد و عتيد.

    لم يكن العدو الإسرائيلي هو العدو الوحيد الذي واجهه الجيش، بل أيضا” واجه العصابات التّكفيرية في المنية و من بعدها نهر البارد، ممارسا” واجبه الوطني رغم محاولات السّياسيّين الضّغط عليه بغية إختراقه كما باقي المؤسّسات الأمنية، فمخابراته ذاتها التي قبضت على عملاء إسرائيل، ساهمت في كشف الشّبكات الإرهابية الدّاخلية، لهذا، أصبح هذا الجيش هدفا” لأصحاب الأجندات، مقدّما” الشّهداء الواحد تلو الآخر، على رأسهم الشّهيد فرنسوا الحاج، ضحيّة الوطن المنسي، فهو ليس شهيدا” تستثمره طائفة، بل شهيد المؤسسة الوطنية، و من يسأل من ملوك الطّوائف عن الوطن؟

       بدون إطالة، يكبّل السّياسيّيون اليوم يدي الجيش اللبناني مانعين إيّاه من الحركة، ففي حين يشير وزير الدّفاع إلى وجود قاعدة و إرهابيّين في عرسال و الشّمال، يغيب ميشال سليمان عن السّمع، ينفي مروان شربل ذلك، و يزور نوّاب الرّابع عشر من آذار المناطق ليوفّروا الغطاء للمسلّحين، الوزير أكّد وجود الإرهابيّين، و رئيس البلدية يدعو الأهل للتّمرد و حمل السّلاح، يغطّيه نوّاب الطّائفة لا الأمّة، يهدّ معين المرعبي و يرعد خالد الضّاهر، يصرخ محمّد كبارة و يغضب جمال الجّراح، يتّهمون الجيش بالعنصرية، فالعنصرية بنظرهم حماية أمن الوطن من المسلّحين، مارسوا و هم الشّركاء في دم من إستشهد من الجيش اليوم سياسة التّرهيب و التّهويل، عاونهم نجيب ميقاتي المتوجّس دائما” و الخائف على شعبيّته و سنّيته، نأى بنفسه عن الأمن رغم التّحذيرات، و وزير داخليّته إنصرف يداري و يصادق السّلفيّين، فيهدّد المعتصمين لحقّ جورج عبد الله، بينما يمازح الأسير و يغضّ الطّرف عن تسلّحه و مشروعه القتنوي، نجيب ميقاتي و مثله النّواب الدّاعمين للإرهابيّين في الشّمال هم المسؤولون عن الدّم الذي سقط و سيسقط، في عرسال، في طرابلس، في عكّار، في بيروت و في صيدا و غيرها، الجيش اليوم يحارب وحيدا” منظومة تروّج لقوانين كالأرثوذوكسي، و تحمي طائفيّتها برفض القوانين المدنية.

       اليوم هو يوم تضامن مع الجيش الوطني و شهدائه، في وجه القتلة، في وجه السّياسيّين الطّائفيّين، في وجه من يجعل من اللعب على أوتار المذهبية شغله الشّاغل، مع المؤسّسة التي حاول النّواب الموتورون كالمرعبي فتح نيران الحرب الكلامية عليها، قبل أن يفتح ميليشياته في عرسال، ميليشيات الحجيري النّار الفعلية على المجنّدين، و يجوبوا بجثامينهم شوارع القرية البقاعية، الجثامين على السّيارت و هم يطلقون النّار إبتهاجا”، على السّياسيّين، و خاصة من يدّعي صداقة الجيش و الحرص عليه إعطائه الغطاء السّياسي ليقضي على هؤلاء دون تهويل طائفي عليه، الجيش هو المؤسّسة الوحيدة المتماسكة، أبعدوا السّياسة و التّقسيم عنها.

  الرّحمة للشهداء، شهداء الجيش اللبناني، جيش “الشرف” الذي لا يعرفونه، “التّضحية” التي لا يمارسونها إلّا بالتّضحية بالوطن لصالحهم، و “الوفاء” الغائب عن قاموسهم

 

أحمد م. ياسين

      “الحرّية لجورج عبد الله”، هذا كان الشّعار الفضفاض الذي جمع و لا يزال رفاق عبد الله إن فيما بينهم، أو مع أطياف المقاومة الأخرى في البلد، قضية السّجين، او الأسير -إنما صحّ تسميته- الإنسانية كمظلة كبرى، و الوطنية المقاومة كسماء فوق المظلّة، قضية ال 29 عاما” من الأسر أصبحت اليوم ادّة أخذ و ردّ مستحدث في العلن، بين أيديولوجيّات مختلفة، مؤيّد و رافض.

    أن يسمع خبر إطلاق جورج بعد 29 عام بحدّ ذاته عيد وطني بالنّسبة لأي لبناني شريف يعرف معنى المقاومة، كما أن الخبر ذاته هو خنجر في ضمير كل من باع نفسه أو تهاون في صون حقوق لأجلها سجن جورج، حقوق كالكرامة و الإنتماء إلى وطن كان حينها تحت الإحتلال، هؤلاء ذاتهم هم من إنتفضوا بعد عملية أسر الجنديّين في تمّوز ال 2006 و التي تحرّر على إثرها عميد الأسرى سمير القنطار، هم ذاتهم من يهاجم المقاومة صبح مساء و لا ينفك يجتمع مع السّفارات واضعا” نفسه و وسائل إعلامه في خدمة كل من يريد تقويض إنجازات المقاومين و تصغيرها، هم ذاتهم من هاجم المقاومة يوم طارت أيوب و حلّقت في سماء فلسطين المحتلّة، هم نفسهم من يستغل النّازحين السّوريين اليوم ليقبض جرّاء المتاجرة بأوجاعهم حفنة من المال، هم نفسهم من كانوا في الماضي عرّابي الإحتلالات المتتالية للبلد إن من إسرائيلي أو سوري، و أذرع الوصايات إن من محكمة دولية أو سفارات، من الطّبيعي أن يزعج هؤلاء جورج عبد الله و أمثاله، لا بل أكثر، من الطّبيعي أن يعرضوا أنفسهم شركاء للسّجان و لعبة طيّعة في يده.

   من هؤلاء، إعلاميّيون و سياسيّون من أمثال سمير الجسر و مي شدياق، إطلالة الجسر كانت يتصريح لا يتعدّى كونه تمسيح جوخ لفرنسا، ما لبثت كتلته أن أصلحته و أصدرت بيانا” يخرس الجسر نفسه، قبل أن تأتي شدياق اليوم لترمي بتصريح أقل ما يوصف بالسّافل التّخويني، حيث أنّها ليست المرّة الأولى التي تفيض فيها علينا الشّدياق إن بعنصريّتها أو بكرهها العلني للمقاومة، فإتّهمت الشّهيدة “الحيّة” الشّباب المعتصم بالمدفوع و الموالي لحزب الله، المحسوب على محور الشّر و عديم التّمئيل إلّا لقلّة لا تتعدى ال 20% و لا أعرف هنا من أين حصلت الشّدياق على الرّقم، إذا ما قصدت عدد المشاركين، فهذا يعني أن 14 آذار التي تنتمي إلها و تيّار المستقبل لا يمثّلان 15% إن ما أردنا العودة إلى المهرجان الأخير للتيار في طرابلس، شدياق المتاجرة بإصابتها و من خلفها جهاد المرّ، الرّاعي الرّسمي للإسرائيلييّن و أصدقائهم في لبنان يحاولون التّرويج لما حاول بعض النّاشطين التّرويج له من قبل، أي ثقافة تقبّل الإسرائيلي، في حين أنهم بحاجة إلى تعلّم ثقافة تقبّل الآخر، الفلسطيني، السّوري، العراقي، المصري، داكني البشرة و غيرهم، تحاول شدياق و معها المرّ أن يفصلوا ما بين إسرائيلي مدني و إسرائيلي آخر عسكري، مع أن المدنيين في ثقافة الإسرائيليّين غير موجودين فإسرائيل مجتمع عسكري أصلا”، لكن كيف لك أن تقنع من أعمته الكراهية و العنصرية بذلك؟ المهم، تتهم شدياق في العلن ما يردّده كثر من اللبنانيين في السّر الأسير جورج عبد الله بالإجرام، و جريمة جورج هي تصفية دبلوماسي أميركي لأن الأخير هو شريك في إحتلال أرضنا، و قتل أبنائنا، لن تفقه مي أو جهاد ما أقول، فمن لم يعرف إلّا الأسواق الباريسية، لن يرى قطرة الدّم على كتاب مدرسي أو وردة جنوبية سقيت منه.

   ربما شهدت الآونة الأخيرة أخذا” و ردّا”، صراخا” عاليا” و أحيانا” شتائم بيني و بين الرّفاق بسبب إعتراضي على شكل الإعتصام و سبل الإعتراض، لكنّي اليوم على يقين  تام، أن البيض و البندورة لن تشوّه صورة النّاشطين أو القضية، بل ستظهر الصّورة الحقيقية للسفارة الفرنسية، الصّورة المستترة لشعارات فرنسا العفنة الرّنانة، فرنسا التي تتغنى بالحرية و تسجن جورج تعسّفيا”، فرنسا برئيسها اليساري الدّاعم لأقصى التّطرف اليميني أي إسرائيل، فرنسا المساواة التي تسرق مالي و ثروتها من اليورانيوم اليوم، فرنسا المقاومة التي تحارب مقاومات العالم كلّه إن ما كانت ضدّ مصالحها، فرنسا الثّورة و الجمهوريات، ربما ظروفي لم تسمح لي بالمشاركة في أي من الإعتصامات، ربما عتبي على ما تعرّضت له من هجوم أسكتني لفترة، لكن الأكيد، ان تصريحا” كمثل ما تقيّأت به مي شدياق سيجعلني أعي مجددا: حجم العداء للمقاومة و رموزها من الدّاخل حتى أكثر من الخارج.

   ما لا يعرفه سمير الجسر، مي شدياق و جهاد المرّ، طبعا” من خلفهم مئات الأقلام المأجورة و الحناجر المسعورة، أن قافلة جورج لن تتوقف مهما حاولوا ذلك، و أن جورج اليوم يمثل قضية، لم يندم على المدافعة عن كرامة وطنه، لم يتراجع عن نصرة شعبه، و لن يعتذر عن قباحة أمثال شدياق، نعم، ستحاول شدياق أن تستدرّ الرّأي العام لدعمها مستغلّة إصابتها، ستسميل ربما مقدّمة في إحدى النّشرات، أن تبث الشّهيدة “الحيّة” سمومها في كل حدب و صوب، ستجعل من نفسها بطلة مضطهدة و شهيدة تحارب حتّى بعد نجاتها، أمّا المؤكّد، اننا بنجاتها نجونا من عذاب محتّم، هو إرفاق لقب شهيدة بإسمها كما يرفق اليوم بغيرها، فنساوي هذه الحشرة المريضة بأنبل النّاس، جورج و رفاقه، كما قالت هي و معها حق، لن تكون الشّدياق و من مثلها في خانة جورج عبد الله أبدا”.