Posts Tagged ‘اقليميات’

أحمد م. ياسين
  “زمن البكي جايي ع كلّ البيوت”، قالها طلال حيدر وإتخذ  القتلة من هذا القول دستوراً حملوه من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا. شهية المفترس الأكول مفتوحة، يبتلع الأعمار ويسرق منّا كل يومٍ العشرات. أمسينا في هذا الشّرق أرقاماً، فمن أكمل يومه وأنهاه فبدأ بغيره بطل، نحن مشاريع شهداء لمشاريع لا نعرفها ولا ناقة لنا فيها أو جمل.

من كان ليصدّق أن أقصى طموحاتنا هو ميتةٌ على فراش تُعدّ نسبياً ميتةً مرفّهة، أقلّه بجسدٍ كاملٍ لا أشلاءَ متناثرة، أو رأساً إنفصل عن جسد صاحبه دونما سببٍ وجيه. أن تصبح عجقةُ سيرٍ أو أي تجمّعٍ بسيط عبارةٌ عن فيلم رعب، أن يغدو الخوف رفيقاً دائماً وإجبارياً، يعني أن تتحول الحياة إلى مرحلة  ترقّبٍ للموت الحتمي القادم، لكن لا نعرف على صهوة أي شيطانٍ سيركب، شيطانُ الإنتحاريين أم مقصلة الكبار، هذه هي حياتنا اليوم، فصول موتٍ متعدّدة الأوجه ولو أن مضمونها دونما شكّ، واحد.

ما كان الشّهيد هيثم أيّوب الذي قضى في تفجير السّفارة الإيرانية، أو محمود جمال الدّين شهيد تفجير ضهير البيدر الأخير ومعهم عبد الكريم حدرج شهيد تفجير دوّار شاتيلا أن بزّاتهم الرّسمية كأمنيين ستتلوّن بالأحمر، إرتضوا ومثلهم كُثُرٌ مجهولون أن يكونوا الأضاحي على مذبح الوطن وما تبقّى منه، آثروا أن يموتوا هم كي نحيا نحن، ومع ذلك، لا زال بعضنا يتذمّر من إزدحامٍ بسيطٍ على حاجزٍ أمني، مع أن المفاضلة الوحيدة الموجودة في هذه الحالة، هي بين ضياع ساعة أو أكثر، أو ضياع عمرٍ بأكمله. هيثم، جمال وعبد الكريم، لكم ولرفاقكم المجد والخلود، أبطالاً بأوسمة شرف، ولو أن طموحاتكم  وأحلامكم قد إنتهت، كل ما أردتموه كان عيشاً كريما، ولكن لحملة الموت الظّلاميين كلامٌ آخر وإن أفشلتم مخطّطاتهم بأجسادكم فكانت قرابين.
لم يختر عبد الكريم أن يكون إستشهادياً بل أُجبر على هذا الخيار بين المرّ والأمرّ، لعبد الكريم رفاقٌ وعائلة، ولغيره من الشّهداء أيضاً، يدفعون وندفع ضريبة تضارب المصالح والمشاريع من أحلامنا وحيواتنا. ترخُص دماؤنا كرمى لدقّ مسمارٍ في طاولة حوارٍ هي نعشٌ لنا وطاولة قمارٍ لهم. يقامر هؤلاء المتنطّحون على الشّاشات بخُطب رنانة وبيانات صدّاحة بأعمارنا ثم يتباكون علينا. لا يعنيني وغيري إنتخابُ رئيسٍ للجمهورية، ربما تُنصفني السّلسلة التي تنسفون، لا يعنيني تعيينٌ هنا ووظيفةٌ هناك، ما يعنيني بعد إنسحابكم عن الشّاشات هو أن أخرج من منزلي دون أن ألقي نظرة وداعٍ على أهلي بينما أذهب لشراء علبة سجائر، تعبنا.

جولةٌ صغيرة في أي حيّ أو شارع تكفي لقياس حجم اليأس بين النّاس، أو نظرةٌ على أبواب السّفارات، كفر الشّعب بالإصلاح فتعايش مع الفساد حتّى أمسى واقعاً، ضاق الشّعب ذرعاً بدعوات التّغيير فبقت المحاور السّياسية ذاتها من 8 إلى 14 وما بينهما من وسطيين، وصل الشّعب ووصلنا اليوم حدّ اليأس حتّى من الحياة ليقيننا بقرب شفرة المقصلة من نحورنا، قد أبدو متشائماً لكن كيف لي أن أتفائل؟ إعتدنا في كُتب الأساطير أن نؤمن بطائر الفينيق، لا بدّ أن ينفض طائرنا عنه الرّماد ويعود للتحليق رغم الجراح، لكننا نُغفل أن مع كلّ حريقٍ نخسر منّا أبرياء لا علاقة لهم بالمشاريع، أبرياء لا يعرفون أصلاً من هو بندر أو قاسم سليماني، لا يكترثون لا لمعارك إيران والسّعودية، ولا لمشاريع أميركا وتركيا، هؤلاء من يتحسّسون رقابهم في كلّ يومٍ كيفما تنفّسوا في حين أن القاتل يعدّ عليهم أنفاسهم، لكن يبقى الأمل لا شيء غيره، الأمل بأن يخترق شعاع النّورظلام الموت المخيّم فوق رؤوسنا.

أحمد م. ياسين

    أن تتحول من ناقلٍ للخبر إلى الخبر بحدّ ذاته. ان تتصدر صورك الصّحف وإبتسامتك الشّاشات وقد شدّدت الرّحال، أن نبكيك عريساً على مذبح الشّهادة والواجب المهني. هو الألم يا حمزة، لم تكن لتعلم أن رحلتك القلمونية هي الأخيرة بيننا والأولى إلى الأبدية. مَضيت يا حمزةَ وخلّفت وراءك قلمك وكرسيك، دفاتر شعرك وقصائدك، ورفاقً غير مصدّقين.

    لست أدري إنما كانت كلمات النّعي في محضر شهادتك يا حمزةَ ورفاقك هي سيدةُ الموقف. كيف يُنعى من كانت إطلالته وإبتسامته صنوان، كيف يُنعى الفرح يا حمزة، أو الحُلُم يا حليم، أيُرفع نعشٌ لمن رفع التّحية لمريم يا أبو جعفر؟ مهلاً..

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

   إستفاق اللبنانييون صباح الثّاني  والعشرين من تشرين الأول على مفاجأة تتعدّى في أهميّتها دخول غينيس عن إنجاز أكبر صحن حمّص. لبنان الآن أصبح على رأس أكبر المنظّمات الأمنية العالمية، هكذا ودون مقدّمات، لبنان يترأّس الإنتربول الدّولي.

     رئاسة الإنتربول؟، هذا ما بدأ الإعلام اللبناني والمحسوب على المرّ بإشاعته، الرّجل عبر من الدّاخلية إلى العالمية الأممية، بحسب إعلامه، إرتقى الوزير الطّيار رتبةً فطار من المستوى اللبناني الضّيق إلى الفضاء العالمي، لم يعد المرّ منتظراً في منزله أن يُمنح وزارةً من حصّة الرّئيس، أصبح الرّجل رئيساً يُشهد له، رجل محاربة عبدة الشّيطان ذو القبضة الحديدية.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

    مقاتلو حزب الله إلى الواجهة مجدّداً، هذه المرّة من باب وحشيتهم في تصفية وقتل بعض “الثّوار” السّوريين، والدّليل هو مقطع فيديو مسجّل لمدّة دقيقة وقرابة الأربعين ثانية، للوهلة الأولى، يُصدم المُشاهد بما يرى، مقاتلون بزيّ عسكري يُخرجون جرحى وجُثث من سيارةٍ رباعية الدّفع، يشتمونها قبل أن يفرغوا مخازنهم في رؤوس الجرحى العُزّل، كما يقول العنوان، هكذا يتعامل حزب الله مع الجرحى.

   لكن ماذا لو تحقّقنا من التّسجيل؟ حسناً، هنا تبدأ الأسئلة الجدّية بطرح نفسها بعيداً عن الإفراط في المشاعر والأحاسيس، طبعاً مع التّأكيد على هول ما ورد في التّسجيل وبربريّة منفّذيه :

(المزيد…)

 

 أحمد م. ياسين

    إنّها السّادسة صباحاً، يرنّ المنبّه فأسكته، يرّن مجدّداً ومجدّداً حتى أعالج صراخه بضربة يومية تظهر على شكله ندوباً، أنهض من سريري وأتأمّل وجهي في المرآة، من هذا؟ أرفع يدي وأمسح بها وجهي فأراه مغطّى بالدّماء، أفرك عينيّ وأنظر، لا دم على وجهي أبداً، أبتسم وأقول لصورتي أن اليوم يومٌ جميل، لا داعي للهلع.

    أجوب غُرف المنزل مطمئناً على وجود أفراد عائلتي، ما زالوا هنا، كلّ شيءٍ على ما يُرام ويبدو اليوم جيّداً، أحمل أغراضي وأنطلق نحو العمل، مهلاً، نسيت سماع أخبار الطّرق وزحمتها، نسيت أن أحلق ذقني أيضاً، أو ربما لا، كانت الكهرباء مقطوعة أو المياه، لا أذكر.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين
إذاً، إنحسرت معركة القُصير وإنتهت لمصلحة النّظام السّوري مدعوماً من حزب الله، سيغيب وجه هادي عبد الله عن الشّاشات وسيُعيد لُؤي المقداد حساباته، فالإئتلاف السّوري إعترف بأول هزيمةٍ عسكرية،    كلّ هذا على أرض الميدان السّوري حيث تدور رحى الحرب الأهلية السّورية، لكن، يأبى اللبناني إلّا أن يكون شريكاً ثابتاً بكل ما يمتّ للكوارث بصلة.

    نجد أنفسنا اليوم أمام إنقسامٍ عامودي فيما خصّ الحرب الأهلية السّورية بين اللبنانيين، إنقسام كان حتماً سيقود إلى حربٍ أهليةٍ لولا غياب القرار الدّولي، فإقتصر الإنقسام على إنفلات أمني وإقتتال طرابلسي    أصبح إعتيادياً، ففي حين يغتال النّواب آخر ما تبقّى من ديمقراطية ويمدّدون لأنفسهم، تُفرّخ في الأحياء الفقيرة زعاماتٌ وقياداتٌ يُجبرون السّياسيين على السّير خلفهم بعد أن كانوا هم أدواتٍ يستغلّها السّياسيون في بازاراتهم، هذه هي حال طرابلس، مدينةٌ أُخذت رهينةٌ لحين إنتهاء الحرب في وعلى سوريا، مدينةُ لا تُشبه الصّورة القاتمة المنقولة عنها، مدينةٌ تُعدّ من المدن الأفقر متوسطيّاً، مع ذلك لا تفارق الإبتسامة محيّا من فيها، طرابلس ليست باب التّبانة ولا جبل مُحسن وحدهما، بل فيهما ربّما تظهر صورة المدينة الفقيرة، طفلةٌ بدل أن تحمل لُعبتها تحملُ السّلاح، طفلٌ لم يعرف مقاعد الدّراسةِ بقدر معرفته بمقاعدِ ما خلف المتاريس، في طرابلس مسلّحون، يفتحون نيرانهم متى ما شاؤوا ويغلقونها أيضاً كما فتحوها، أغلب الأحيان دونما سبب، نيرانٍ تُحرق المدنيين من سكّان المنطقتين، ذنبُ السّكان الوحيد أنّهم وجدوا هنا، وجدوا على فوّهة بركانٍ يحاصرهم، فلا هم يقدرون على المغادرة بسبب فقرهم، ولا على البقاء بسبب رصاصٍ طائشٍ يعزف ألحان موتهم، هي طرابلسَ الضّحية، وهمّ جلّادوها، هم من جرّوا العامل السّوري كمثل ما تُجرّ الحيوانات وحبل حقدهم يلتف حول رقبته، هم من يتقاتلون ليل نهار، عصابة صغيرة تتحكم بمدينة كبيرة، مدينة طرابلس الشّقيقة..

  طرابلس أمست صُندوقَ بريدٍ للقوى الدّاعمة للحرب في سوريا، ليست طرابلس وحدها، صيدا كما الشّمال والبقاع، عرسال خاصةً تحجز لنفسها مكاناً في الصّورة، صورةٌ شاء البعض تغييبها، فالجيش اللبناني    يُقتل هناك، حاله حال المدنيين، الدّولة عاجزةٌ وإن ما فكّرت بالرّد، يُقابلها هجومٌ على مؤسّساتها وتهديدٌ لها بالإنشقاق والفتنة المذهبية، هكذا صودرت طرابلس لمصلحة هؤلاء، جعلوا من أنفسهم الدّولةَ بعد إعدام العسكر والدّولةِ ذاتها، هم ذاتهم من إحتفلوا ووزّعوا الحلوى عند سقوط شهداءَ لحزب الله، هم من جرّوا العامل السّوري بحبلٍ وضربوا آخر، هم من أحرقوا الصّهاريج السّورية، مع ذلك، “هم مع الثّورة” فيتغاضى عن قبحهم من يلطم الخدّ ليل نهارٍ على السّوريين، حسبما يزعم.

  في المقابل، يُجلد حزب الله ليل نهارٍ على تدخّله في سوريا، تُعقد المؤتمرات، تُنظّم الإعتصامات، تُحرق الرّايات ويعلو المنابر من يشتم الحزب في كلّ مكانٍ جتّى في معاقل الحزب، نعم حزب الله قاتل في    القصير لحماية قرى لبنانية في حوض العاصي أولاً، حماية خطّ إمداده بالسّلاح كمقاومةٍ ثانياً، وثالثاً لدرء الخطر الذي يرمي بصواريخه على قرى البقاع اللبناني من القصر، الهرمل، سرعين والنّبي شيت وغيرها، حزب الله يحمي لبنان من القتل كمل قُتلت الطّفلة لولو عوّاد، لكن لولو ليست مادّةً دسمةً ليتباكى عليها مثقّفٌ من خلف شاشته، أو من على مقعده في أحد مقاهي شارع الحمراء حيث تعالت الضّحكات يوم إستشهاد يارا عبّاس مراسلة الإخبارية السّورية، يارا كما لولو، لا قيمة لحياتها كإنسانٍ فهي إختارت تأييد “النّظام الأسدي”، لنشرب نخب مقتل هذه “الشّبيحة”، هذا المُثقف عينه هو من يكتب على مواقعه وفي صحفه واصفاً حالةَ غضبٍ شعبي على الحزب كلما شيّع شهيداً، وصل الحدّ ببعض المثقّفين أن أجرى لقاءاتٍ مع مقاتلين للحزب كانوا قد إنشقّوا “في مخيلته” وكتب النّص، ينصرف هو شاتماً من سقطوا، رافعاً شعار “لقد سقط حزب الله” و”لا مقاومة بنظرنا بعد اليوم”، متى كنت أنتَ أصلاً من مؤيّدي خط المقاومة ونهجها؟ من أولى بالحديث عن المقاومة، عوائل الشّهداء أم انت؟ من نصّبك أصلاً متحدّثاً باسم المقاومة أو الجنوب؟

   لست من مريدي تدخّل الحزب في سوريا، ولا من المهلّلين لسقوط شبابٍ لبنانيٍ على الأرض السّورية وفي ميدانٍ غير الميدان المقابل لإسرائيل، لا أريد أن أرى الحزب مقاتلاً في سوريا، أتقبّل ذلك مُكرهاً    ومثلي كُثُر، كُثُر حتّى ممن وزّعوا البقلاوة في يوم سقوط القُصير، لم ترق الصورة ربّما للإنسانيين “بالإنتقاء”، كيف يوزّعون البقلاوة على دماء الأبرياء؟!!، نعم، لا أبرياءَ غير الشّعب السّوري، ضحيّةُ مواقفكم والإرهاب من جهة، والنّظام الفاسد من جهةٍ أخرى، لستم أنتم أصحاب الحقّ بالبكاء على الشّعب السّوري أكثرَ منه هو، أنتم من غطّى قتله في ال 2005 إبّان مقتل الحريري، أنتم من حرّض على إحراق المساعدات التي أرسلناها كجنوبيين للنازحين السّوريين والفلسطينيين، أنتم من قال “لا نقبل مساعداتٍ ممن يقتل شعبنا”، لكن.

   لكن طوال ثلاثة أسابيعٍ من المعارك الدّائرةِ في القُصير لم نرَ صورةً واحدةً لضحيّةٍ مدنيٍ ممن إعتصمتم لأجلهم، أين هم؟ كيف “قتل حزب الله” الشّعب السّوري، خارج مخيّلاتكم طبعاً؟ أين تنسيقية القُصير    وصور الضّحايا؟ حزب الله أعلنها جهاراً أنه سيقاتل في سوريا، لكن ماذا عمن أعلنوا الجهاد والنّفير في لبنان؟ لم نسمع منكم كلمةً تُدينهم ولو كلمةَ نفاقٍ كي تخرسونا، لم وُزّعت البقلاوة؟ وُزّعت فرحاً بدرء أكلة القلوب وقاطعي الرّؤوس.

عمد اهالي طرابلس بدورهم على توزيع الحلوى على المارين وعلى السيارات احتفالا بسقوط مئة واربعين عنصراً من حزب الله في القصير

   الضّاحية التّي وزّعت البقلاوة هي ذاتها التّي تستقبل مِئات الآلاف من النّازحين السّوريين، مُعارضين كانوا أم مُؤيّدين، يجوّب فيها السّوريون كيفما أرادوا دون حبلٍ في رقبةِ هذا أو إعتداءٍ على ذاك، حتّى يوم    خرجَ علينا آل المقدادِ بجناحهم العسكري، ظلّت الضّاحية مأوى للسوريين، ومع أنّ لأبناء الضّاحيةِ أشقّاءٌ مخطوفين في أعزازَ من قِبل دُعاة الحرّية، مع ذلك، الضّاحيةُ بيتُ السّوريين، وُزعت البقلاوة إبتهاجاً بالنّصر لا فرحاً بالضّحايا السّوريين، لو أنّها كذلك لما تواجد السّوريون في الضّاحيةِ أصلاً.

   نحن لسنا كائناتٍ بلا قلوبٍ ولا أصنام فقدت أحاسيسها، نحن نزّف الشّهداء نهاراً ونبكي فراقهم ليلاً، نحن تلك الأمهات اللواتي تفاخر بشهيدها، من إفتدين الوطن بفلذات أكبادهن، نحن الآياء الذين إستقبلوا    جثامين أبطالهم مبتسمين ولو أن في العين دمعةً تأبى أن تُذرف، نرضى أن يُقتل شبابُنا في سوريا مُكرهين كي لا نُقتل هُنا، حالنا حال الشّعب السّوري الذي يرزح تحت إرهابٍ لم تعرفه سوريا يوماً، فليقرّر الشّعب السّوري مصيره، مع الأسد أم بدونه، هذا يبقى شأنهم الدّاخلي، لكن قبل ذلك، كلّي ثقةٌ أن شعباً صمد في وجه الذّبح والتّقطيع وقصف الطّيران، قادرٌ على أن ينتصر على آلات القتل ودحر الإرهاب عن أرضه، من ثمّ نيل حرّيته حسبما يحدّدها هو، فقط هو، لا من يقطنون الفنادقَ والسّفارات.

أحمد م. ياسين

    لا، لا أقصد السّوريين ممن يحبّون حزب الله المقاوم، ولا من في تمّوز فتحوا بيوتهم متقاسمين لقمة عيشهم وخبزهم مع النّازحين اللبنانيين، لا أعني من جعل من صورة السّيد حسن نصر الله جدارية تزّين    غرف منزله الشّامي، أعني جمهور الحزب القاطن في لبنان وعينه كما قلبه، على سوريا.
جمهور المقاومة، عينه على سوريا مترقّباً ما قد يحمله الرّبيع التّكفيري إلى وطنه، وقلبه عليها مرتعداً، جمهور المقاومة المُستَغل، فالكل يكتب بإسمه –وأنا منهم-، بينما ينصرف هو نحو حقول التّبغ، لتتوارى    خلف إبتسامة الصّغير والكبير فيه حكايات عن ماضٍ ممزوج بألم الاحتلال، وحاضرٍ يعجّ بالإستحقاقات التي فرضت نفسها عليه دون ان يكون له في هيمنتها على تفاصيل حياته اليومية رأي، كما مستقبلٍ يمطي فرس الموت حاملاً رؤوس قتلى تحتّل أجسادهم الشّاشات، هذا الجمهور، هو من يرى الأمل مسجّى أمامه بإنتظار من يأذن بدفنه، أي أملٍ هذا الذي ننتظره؟، مهلاً، ذاك المسجّى امام أحلامنا هو جسدٌ لأملٍ ضعيفٍ عاجز، خرجت منه الرّوح لتبعث في قلوب جمهور المقاومة الطّمأنينة، روحه التي تفرّقت نجوماً تضيء درب العابرين وتؤنس وحشة لياليهم، قف بنا، قف بنا يا حادي هنا، إنّنا نخاف، نخاف الغدّ، قف بنا عند اليوم أو عد بنا من حيث أتينا، فلا يؤلم الجرح إلّا حامليه.

   لا أعرف إن ما كان القدر هو المُلام، أم أن الحظّ ونحن طِباقٌ يستحيل لقائه، تسير إنتصارتنا بالتّوازي مع خيباتنا، يمتزج فرحنا بوجعنا، فالحزن هو ضيفنا الدّائم، فلا تكاد تطرق بيتاً من بيوتنا، إلّا وكان الحزن    لك من المستقبلين، وإن سافرت العبرات على جفون الصّبر، تستحضرك صور الشّباب الشّهيد، في كل شارع، حارةٍ وزاروب، في كل بيتٍ هنا حكايةٌ لشهيدٍ أو مغترب، وإبتسامةٌ تختزل في طيّاتها أقسى درجات الحزن في نفوسٍ صنعت من اليأس قاعدةً للأمل، فكان لها ما أرادت ولو بثمنٍ غال.
في غضون أقل من شهر، كُتب عن هذا الجمهور وبإسمه آلاف المقالات والتّحليلات، تارةً هو ناقم على حزب الله، وطوراً هو يستعدّ للتغيير، لتأييد من لم يكونوا في يومٍ محلّ ثقة، دائماً بحسب الكتبة والصّحف    الصّفراء، لكن هذا الجمهور بقي صامتاً، كأنه والصّمت صنوان، لم يُزل عن محيّاه تلك الإبتسامة، لكن حزنها الخفي ما عاد إسرائيلي القطب فقط، صار الجرح سورياً في الجغرافيا، عالمياً في الفاعل، مع أن الفاعل كمثل المفعول به، يتدوران على لعب الأدوار فيتقناها.

لا، لسنا جدراناً صلبةً ولا روبوتاتٍ تمّت برمجتها على رسم الإبتسامات بين الحين والآخر، نحن الخائفون الذين من خوفهم صنعوا حكاياتٍ يأخذ منها المجدُ مرجعاً إذا ما تعذّر عليه التّعريف عن نفسه، خائفون       كنّا ولا نزال، نتحسس رؤوسنا قبل أن نضعها على الوسائد، هل هي في مكانها؟ أم إقتلعها سيف ثائرٍ لا يرى منّا إلا طريقاً يعبّده بأشلائنا كي يصل الجنّة، من قال أننا لا نتألم في كل مرّةٍ ندفن فيها جثمان شابٍ منّا قد سقط في سوريا؟ من أعطى لنفسه الحق في أن يحاكمنا ويكتب عنّا كأننا في مجتمعٍ شموليٍ أو في ألمانيا النّازية ندين بالولاء للقيادة مهما جرى؟ من المخوّل أصلاً أن يكون الحكم وله الحقّ في القرار أو الفصل؟ أتظنون أن شبابنا يذهبون للموت فرحين أم أنّكم إعتدتم الإستثمار في الموت كي تعتاشوا كالدّود الطّفيلي الذي يتغذّى على الدّماء؟
لسنا عبدة أصنامٍ من القيادات، لسنا مجتمعاً يهوى ثقافة الموت، نحن من يرى في الموت حياة، فيخرج طالباً الحياة لمجتمعه ولو كلّف الأمر موته، قدرنا أن نُحرم نعمة الاستقرار، فقد ولدنا على فوّهة بركانٍ    فكلما حاولنا إخماده، إشتعل أكثر فأكثر، ماذا نرى في النّزاع السّوري؟ لا علاقة لنا ببقاء النّظام أو رحيله، لكن إن كان رحيله يعني ذبحنا لهويةٍ دينية، فمن كشف أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، لن يجلس منتظراً الموت القادم على فرس عزرائيل، يحصد الرّؤوس ويمزّق الأجساد، لن نكون لقمةً سائغةً يعلكها مضلّلٌ عسى أن يذوق فيها طعم الجنّة، وإن كنّا اللقمة التي يتناولها المثقّف ويجني منها دولاراتٍ  يكفيه تذّكر سببها…كي يغرق في عاره.

   لست، كجنوبي، راضٍ عن حزب الله السّياسي، حزب الله أثبت نفسه فاشلاً مذ أن أصبح طرفاً في السّياسة اللبنانية، من إعتصام وسط البلد، إلى حكومات السّنيورة – الحريري وميقاتي، تندر الخدمات في    مناطقنا، حلفاءُ الحزب يجنون المكاسب ويفتتحون المشاريع على حساب صمتنا، تكفيكم نظرةٌ بسيطة على نسب الهجرة، كي تجدوا أننا من الأكثر هجرةً في لبنان، لكن حنقنا وغضبنا على الحزب، هو لممارسات سياسيّه وغيابهم عن آلامنا اليومية، هذه الآلام، وهؤلاء السّياسيين ليسوا هدفاً مغرياً للكتبة والإعلام كي يظهروا إنزعاجنا منهم، فنحن آخر ما قد يهتمون به وإليه عكس ما يكتبون ويتباكون ليل نهار، ليست تجارةً مربحة، بل مهاجمة المقاومة أربح، المقاومة التي يلبس الحزب عباءتها هي نحن وهو، هي الفلّاح، المزارع، الحدّاد، النّجار، المعلّم، المهندس، الطّبيب والعمّار، هي الجنوبي البسيط الصّلب، من يأبى أن يمسح عن جبينه ندى أرضه، الجنوبي مثلي أنا، من عاد إلى منزله بعد الحرب يعد القنابل العنقودية ويقيس الحفر التي أحدثتها الصّواريخ، يقيسها ويتخيّلها كانت لتكون قبراً له، الجنوبي الذي يرسم على ثغره إبتسامةً حزينة، لا ينفك يحّولها جدولاً من أمن وأمل، أمن وأمل صُنّاعه شبّان ندروا حياتهم لحمايته.

      خيارُنا أن يمثّلنا الحزب ليس لزفتٍ على طريق، أو لوظيفةٍ في دائرةٍ فاسدة، إسمعونا جيداً، خيارنا ما بُني إلّا على ثقةٍ بمن وعدوا فصدقوا، قاوموا فحرّروا، من حافظوا ويحافظون اليوم على رؤوسنا في    مكانها قبل أن يحتزّها سيف النّصرة، نصرة الباطل على حساب الإنسانية.

أحمد م. ياسين

   يدخل لبنان قريباً نفقاً من الفراغ المؤسساتي بإنتهاء صلاحيّات نظامه، كما ويستعد لإستحقاقاتٍ داهمةٍ قد تقوّض إستقراره الهشّ أيضاً، يبدو أفق الحلّ مقفلاً في ظل إصطفافات ما قبل التّقاتل خلف متاريس   المصالح، هذا في عالم السّياسة، ماذا عن العالم الحقيقي؟

   أكاد أجزم أن أكثر من ثلثي المجتمع اللبناني لا تعنيه الانتخابات البرلمانية، لا بل ويعرف جيداً نتيجتها حتّى قبل حدوثها، تلتقي هذا المجتمع المتشابه رغماً عن التّقسيم في كل مكان، في ضاحية بيروت   الجنوبية، طريق الجديدة، الأشرفية، صيدا، طرابلس، باب التّبانة وجبل محسن وصولاً إلى عكّار، ما نفع الانتخابات؟ شكلٌ من أشكال الدّيمقراطية أم مسرحية تضفي الشّرعية على زعماء الحرب وحلفائهم؟ أيّ كان القانون، السّتين، الأرثوذوكسي أو المختلط، ما الفرق؟ أليست الطّبقة ذاتها من تعمل في مطابخ التّشريع على إقرار القانون وتلقائياً إعادة إنتاج نفسها؟ هل سنرى وجوهاً ذات نهجٍ جديدٍ مثلاً؟ بالأحرى، هل سنرى شيئاً جديداً غير أيامٍ سوداء لم نكن لنتخيّلها قبل؟

   يعني، الحكومة العتيدة الجديدة برئيسٍ جديدٍ أم قديم ماذا ستعالج؟ هل ستعالج الملفّات التي توحّد اللبنانيين؟ كالفقر، الهجرة، غياب البنى التّحتية من ماء وكهرباء، سوء التّعليم الرّسمي أو الإنفلات الأمني على   سبيل المثال لا الحصر؟ الجواب معروف لنا ليس من اليوم، بل منذ أكثر من 20 عاماً أي منذ ما بعد إتفاق الطّائف، ستهتم الحكومات بجيوب وزرائها، كما بتقديم فروض الطّاعة لمن عيّنها من أولياء أمرها في الخارج، وهي عادةً ما تكون نتاجاً لنزاوج مصالحٍ إقليميةً تلد علاقتها طفلاً مسخاً يتحكّم برقابنا، بحكومةٍ أم من دونها، هل هناك أي فرق؟ ما الفرق؟

   حتّى قبل أن تولد الحكومة الجديدة، بدء الأقطاب بتقاسم الحصص والوزارات، النّفط أبرزها، من كان ليصدّق اننا بلدٌ نفطي، كان حلماً أكثر منه حقيقة، وهذا ما سيعمل على تكريسه الزّعماء واقعاً، بعد الحلم   بأن نصبح بلداً نفطياً، سيصبح الحلم أن نعامل كبشرٍ في بلدٍ نفطيٍ وإن سُرقنا، أن لا يُستعبد الفقير، أن لا يتسلّح الطّفل بغير قلمٍ ودفتر، أن لا يغادر الشّاب وطنه إلّا إذا كان عائداً أو في رحلة سياحة، أن لا يخاف المواطن من لاجئٍ يحتاج الأمان، بل أن يساعده، أن يثق المواطن بأجهزة الأمن، فلا يتوقع السّرقة أو القتل في أي لحظة، عندها بمكن القول أننا في وطن ذو حكومة ومؤسسات، لا في مساحةٍ جغرافيةٍ تحكمها المصالح ويسود فيها تقاسم الحصص.

   لبنان، بتاريخه الذي أطرب آذاننا به أساتذة التّاريخ وإن كان مزيّفاً أو مشغولاً حسب المناطق، بمناخه وإن تغيّر وتعدّل يعد إقتراب الغابات من الإنقراض لصالح المباني السّكنية، بشعبه وإن هاجر معظمه،    بتنوّعه وإن حوّله الزّعماء إلى لعنة طائفية ستطيح بالوطن في أي لحظة، بأحيائه المتشابهة كباب التّبانة وجبل محسن وإن تقاتلوا، بإبتسامة بائع الورد الصّغير الذي يبيع السّعادة رغم بؤسه، بشهدائه الكثر، هو اليوم أمام مسؤوليةٍ ولحظة مصيرية، نظامه متهالك ويترنح، إقترب موته وإكرام النّظام دفنه، كي نأتي بنظامٍ يعالج كل المآسي التّي توحّد اللبنانيين، علّهم يتوحّدون حول الإنجازات والفرح الغائب عن ساحاتنا، بدلاً من التّوحد حول الألم، ليكن بعضاً من أمل.

أحمد م. ياسين

    إنّها السّادسة صباحاً بتوقيت ساعة غرفتي، أستيقظ مكرهاً وأنهض من سريري بعد عشر دقائق، أتوجّه للإستحمام، لا مياه ساخنة “هذا أيام الإثنين والخميس”، ولا مياه أصلاً في باقي الأيام، إلّا إذا    كانت مياهً إشتريناها وتغزوها الطّحالب كما الحشرات.

   أركب الباص، طبعاً يستحيل على موظفٍ أن يركب سيّارته من الجنوب إلى بيروت، وإلّا لكان وطّن معاشه الشّهري في أقرب محطّة وقود، المهم، أركب الباص منطلقاً إلى العاصمة، ينطلق السّائق في    الحديث طوال الطّريق، يقود بجنون، فركوب الباصات أمسى مغامرةً يتحمّل مسؤوليتها السّائق والرّاكب، يتوقّف فجأة على الطّريق السّريع، يحاول أن يصطدم بسيّارة تاكسي أو باص آخر سرق منه راكباً، أما أنا، فإما أستمع لحديثه أو أكمل نومي، بعد قرابة السّاعة، تنتهي المغامرة اليومية الصّباحية لأدخل العمل.

   أدخل مكتبي متأخراً كالعادة، لا أحدَ هنا، أبتسم حيث أنّي لست المتأخّر الوحيد، أفتح بريدي الإلكتروني متفقّداً برنامجي لليوم وملقياً التّحية على صديقي الإلكتروني مع انه يبعد مئات أمتارٍ عنّي فقط، نتحدّث عن أحوالنا ومشاكلنا، أخبارنا ونهفاتنا قبل أن أغوص في مهمّاتي، في وقت الإستراحة، يعلو الصّوت في نقاشات حياتية وسياسيّة حادّة، ينتهي وقت الإستراحة، وأعود للعمل حتّى نهاية الدّوام، أغادر، أركب باص العودة في مغامرة جديدة قبل أن أطرق باب المنزلِ بعد نهارٍ روتيني طويل.

   أفتح التّلفاز، الأخبار ذاتها ككل يوم، حوادث سيرٍ وضحايا بفعل السّرعة، أحداثٌ أمنيةٌ أبطالها زعران ميليشياتٍ لا أعرف إسماً منهم، مؤتمراتٍ صحافيةٍ لروؤساء، وزراء ونوّاب خائفين على مصلحتي،    لربما يعرفونها أكثر منّي، لا أخبار جديدة لليوم، حتّى الأخبار روتينيّة، قتل، مشاكل، توتّرات ودم، أصبحت هذه الأخبار أو الصّور شيئاً طبيعياً وفقدت الإحساس بالألم، إبتلعت أنهر الدّماء ما تبقّى فييّ من مشاعر ممكن أن تنتفض، فصورة طفل قتيل أو رجلٍ مقطّع أصبحت حدثاً لا يتوقّف المرء عنده، على عكس مثلاً خبر وجود ميشال سليمان في الوطن وليس في الطّائرة، إحساس نجيب ميقاتي بالعمّال، أو مثلاً رئيس مجلس نوّابٍ جديد غير نبيه برّي، أنا أمزح، إزاحة برّي أو وجود رئيسٍ جديد هو العجيبة الثّامنة.

   إذاً، أضع رأسي على مخدّتي كي أدخل في سباتٍ مؤقّت قبل أن أعيد السّيناريو نفسه، أيامي هنا تشبه بعضها كما وأنها تشبه أيّام معظمكم في لبنان، لا أمن، لا كهرباء، لا مياه، لا طرقات، لا أجر يساعد    حتى نهاية الشّهر، لا علم مجّاني والأهم، لا أحد راضِ عن حياته، مع ذلك، ما زلنا هنا.

   لا مقومات لحياة مقبولة في لبنان دون قروضٍ ومساعدات، هذه مسلّمة إعتدنا عليها، يعني لو كنت لاجئاً لما إخترت بلداً يفتقد كلّ شيء إلّا إذا كنت مجبراً، هذا حال السوريين والفلسطينيين اليوم، نحمّلهم    مسؤولية كلّ ما تقصّر دولتنا فيه، قبل مجيء السّوريين، كانت حياتي مثلما هي اليوم بإستئناء السّيارات السّورية التي أراها، أكثر من مليون سوري والبلد لا يحتمل، “ليك ريحتو هالحيوان”، “وين ما كان في سوريين”، “الفلسطينيين خربوا البلد!!”، “سيرلانكية تقعد ورا!”، “خلّي السّوداني ينقبر يحملهن”،”هيدا بيكون شي مصري أو عراقي”، عبارات أسمعها بشكل يومي، حتّى إذا مرّ يومٌ ولم أسمعها أصدم، للأمانة، حتّى اليوم، أسمعها في كلّ يوم.

   من المؤسف فعلاً، أن نحمّل الغريب “الضّيف” مسؤوليّة فشلنا في إختيار ممثّلينا وتمادينا في الغشيان، من المعيب أن نعامل السّوري بإحتقار بينما نرفع الآجارات وتقفل الفنادق بعدد النزلاء السّوريين،    من المخجل أن في الوقت الذي كنّا نتغنّى فيه بوصول عدد السّواح إلى مليوني سائح موسمي، يصيبنا النّوء تحت عبء إستقبال السّوري الذي يدفع كغيره أقساط الجامعة التي “نراه فيها”، المدرسة، الشّقة، سيارة الأجرة وغيرها، هي ذاتها الشّوفينية التي تضرب مجتمعنا عند كل مفترق منذ مقتل الحريري وقتل العمّال السّوريين لأسر آل المقداد السّوريين من كل بقعة في لبنان.

   صحيح، ربما لا يستطيع لبنان تحمّل عدد كبير من اللاجئين، لا إقتصادياً ولا معيشياً، هذا سببه ماذا غير تقاعس الدّولة عن إنجاز خطّة طوارئ للنازحين؟ من يلام على إستغلال السّوريين وتسريح    اللبنانيين من عملهم؟ السّوري أو اللبناني الجشع الذي يريد إستغلال السوري بأجر أقل ودون ضمان؟ من يحاسب على قيادة السّوريين سياراتٍ عمومية دون إذن، السّائق أم قوى الأمن؟ لا أحد يحمي أي مخالفٍ للقانون أي كانت جنسيته، ليس السّوري او الفلسطيني وحدهم من يسرق، يغتصب، يقتل أو لا أدري ماذا، اللبناني أيضاً، فلتتفضّل الدّولة وتحاسب، او أقلّه، ترفع يدها كي نعرف أنها ما زالت هنا.

 أحمد م. ياسين

   الثّامن من آذار، يوم خرجت عاملات معامل النّسيج في نيويورك مطالباتٍ بتخفيض ساعات العمل، زيادة الأجر مساواة بالرّجل، والعمل دون إذن الزّوج المسبق، مع أن اجر المرأة لقاء عملها ما زال أدنى    من أجر الرّجل ب 28% في فرنسا مثلاً، في يوم المرأة، لا بدّ من رسالة للمرأة كلّ مرأة..

   إلى المرأة المصرية:

   كل عامٍ وأنتِ شريكة الثّورة، التّاريخ والحضارة الفرعونية، كل عامٍ وأنت ثائرة على ظلم مستغلّي الدّين، كل عام وأنت أم خالد سعيد، أخت مينا دانيال، وسليلة كليوباترا، متمرّدة على قوانينٍ كمثل نكاح    الميت، على فتاوى الجهل والظّلامية، كل عامٍ وأنتِ حرّة كنّوارة نجم ورشا عزب..

   إلى المرأة التّونسية:

   كل عامٍ وأنتِ زهرة الياسمين في تونس الخضراء، حاملة راية البوعزيزي رغم أنف من يريد تشريع قوانينٍ تجعل منك جارية تقتنى وتباع، كل عامٍ وأنتِ كمثل بسمة الخلفاوي زوجة الشّهيد بلعيد التي    حملت دمه على كفّها معلنةً إحياء الثّورة من جديد، كل عامٍ وأنتِ تلك الشّابة التي وقفت على السّيارة أمام حشدٍ من السّلفيين رافضةً الإهانة او تلك العجوز التّي صفعت بحذائها وجه من حاول التّعدي على حرّيتها وفرض حجابٍ عليها هي لا تريده، كل عامٍ وأنتِ كصديقتي يُسرى، حرّة مسؤولة، وياسمينةً تونسيةً تزيّن شواطئ المتوسط.

   إلى المرأة الليبية:

للأسف، أول ما تحدّث عنه من حملوا لواء الثّورة كان زيادة عدد الزّوجات بدلاً من حرّيتك، مع ذلك،   كل عامٍ وأنتِ ثائرة رافضة لظلمهم،  كل عامٍ وأنتِ أم الشّهيد، أخت الفقيد والشّريكة في المجتمع مهما    حاول تدعيم ذكوريّته في وجهك،  كل عامٍ وأنتِ صديقتي صافيناز وإبتسامتها..

 إلى المرأة البحرينية واليمنية:

   كل عامٍ وأنتن الأفضل، من دوّار اللؤلؤة إلى صنعاء وصعدة، عدن، المنامة وفي كلّ مكان، معكن شريكاتكن السّعوديات في القصيم، مجتمعكم متعطّش للحرية التي لا محال..آتية.   

  إلى المرأة الفلسطينية:

   كل عامٍ وأنتِ شجرة الزّيتون العصية حتّى على جرّافات الصّهاينة، كل عامٍ وأنتِ من تحمل قميص الدّم في يمناها، والحجر في يسراها، كل عامٍ وأنتِ أمّ فارس عودة ومحمّد الدّرة ومئات آلاف الشّهداء    المنسيّين في مقبرة الأرقام، كل عامٍ وأنتِ أم سامر عيساوي، حسن كرّاجة وآلاف المعتقلين، كل عامٍ وأنتِ صامدة صمود أسوار عكّا، جميلة جمال بحر حيفا، بابٌ للحرّية كباب شمس، كل عامٍ وأنتِ ببساطة، فلسطيننا المختطفة، كل عامٍ وأنتِ صديقتي مهى وعشقها لفيروز، كل عامٍ وأنتِ كما أنتِ، مدرسة التّضحية والمقاومة..

  إلى المرأة السّورية:

    كل عامٍ وأنتِ، لا كلمةً تأتي بعد أنتِ وتنصف ما قدّمتي من تضحيات، لا كلام في حضرة الأم السّورية كما في حضرة أنهر الدّم التي غطّت لون بردى، كل عامٍ وأنتِ صامدة شامخة كقاسيون، كل عامٍ وأنتِ    ثائرة، مدافعة عن وطنك رغم كلّ شيء، كل عامٍ وأنتِ سيّدة شاميّة أصيلة أصالة الشّام، ملكة كزنوبيا في تدمر، جميلة بجمال قصيدةٍ لأبي العلاء المعرّي، متجذّرة كحضارة الشّام وبغداد.. كل عامٍ وأنتِ سورية..

 إلى المرأة اللبنانية:

   ماذا أقول فيكِ؟ كل عامٍ وأنتِ مناضلة من أجل منح إبنكِ الجنسية، محاربةً للعنف الأسري، مواجهةً للمادة 522 من قانون الإغتصاب، ثائرةً بوجه من يحاول إبعادك والإستئثار بالمجتمع، رافضةً    لذكورية المجتمع، لن أتمنى لكِ أن تكوني كذلك في العام القادم، بل أتمنى أن أراكِ منتصرةً على من يحاريكِ في قضياكِ كلّها.

  كل عامٍ وأنتِ أم الشّهيد الذي حرّر، أرملة المقاوم الذي إنتصر، شقيقة الجريح الذي قدّم من نفسه للوطن، كل عامٍ وأنتِ يسرى إسماعيل وسناء محيدلي، كل عامٍ وأنتِ سهى بشارة كل عامٍ وأنت كمثلهم    المنتصرة المضّحية، كل عامٍ وأنت مريم أم المجتمع، زينبَ الصّوت الرّافض للظلم، مي زيادة الأديبة رغم من حاول منعها من تعليمها ..

  كل عامٍ وأنتِ أمّي أيقونة العشق في نظري، كل عامٍ وأنتِ زميلتي في العمل، رفيقتي في النّضال، صوتي في كل إعتصامٍ تحضرينه مطالبةً بما لك من حقوق، كل عامٍ وأنتِ صديقتي التي أتناوب وإياك    على الكتف في البكاء، كل عامٍ وأنتِ أنتِ، كما أنتِ، أعظم من تمثال الحرّية في الدّلالة عليها رغم من ينطقن باسمك متخذاتٍ إياكِ غطاءً  لتطرفهن المشّوه لما لأنثويتكِ من كيان..

  إلى نساء العالم:

  إفرحن، مع انّ اليوم عيدكن، لكن كلّ يومٍ من أيامنا هو أنتن كما نحن، شريكين نبني، ونحلم، نبكي ونضحك، نحزن ونفرح، نناضل ونقاتل، نتغازل ونتعاتب… كل عامٍ وأنتن بخير.