Posts Tagged ‘الاخوان المسلمين’

أحمد م. ياسين
  “زمن البكي جايي ع كلّ البيوت”، قالها طلال حيدر وإتخذ  القتلة من هذا القول دستوراً حملوه من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا. شهية المفترس الأكول مفتوحة، يبتلع الأعمار ويسرق منّا كل يومٍ العشرات. أمسينا في هذا الشّرق أرقاماً، فمن أكمل يومه وأنهاه فبدأ بغيره بطل، نحن مشاريع شهداء لمشاريع لا نعرفها ولا ناقة لنا فيها أو جمل.

من كان ليصدّق أن أقصى طموحاتنا هو ميتةٌ على فراش تُعدّ نسبياً ميتةً مرفّهة، أقلّه بجسدٍ كاملٍ لا أشلاءَ متناثرة، أو رأساً إنفصل عن جسد صاحبه دونما سببٍ وجيه. أن تصبح عجقةُ سيرٍ أو أي تجمّعٍ بسيط عبارةٌ عن فيلم رعب، أن يغدو الخوف رفيقاً دائماً وإجبارياً، يعني أن تتحول الحياة إلى مرحلة  ترقّبٍ للموت الحتمي القادم، لكن لا نعرف على صهوة أي شيطانٍ سيركب، شيطانُ الإنتحاريين أم مقصلة الكبار، هذه هي حياتنا اليوم، فصول موتٍ متعدّدة الأوجه ولو أن مضمونها دونما شكّ، واحد.

ما كان الشّهيد هيثم أيّوب الذي قضى في تفجير السّفارة الإيرانية، أو محمود جمال الدّين شهيد تفجير ضهير البيدر الأخير ومعهم عبد الكريم حدرج شهيد تفجير دوّار شاتيلا أن بزّاتهم الرّسمية كأمنيين ستتلوّن بالأحمر، إرتضوا ومثلهم كُثُرٌ مجهولون أن يكونوا الأضاحي على مذبح الوطن وما تبقّى منه، آثروا أن يموتوا هم كي نحيا نحن، ومع ذلك، لا زال بعضنا يتذمّر من إزدحامٍ بسيطٍ على حاجزٍ أمني، مع أن المفاضلة الوحيدة الموجودة في هذه الحالة، هي بين ضياع ساعة أو أكثر، أو ضياع عمرٍ بأكمله. هيثم، جمال وعبد الكريم، لكم ولرفاقكم المجد والخلود، أبطالاً بأوسمة شرف، ولو أن طموحاتكم  وأحلامكم قد إنتهت، كل ما أردتموه كان عيشاً كريما، ولكن لحملة الموت الظّلاميين كلامٌ آخر وإن أفشلتم مخطّطاتهم بأجسادكم فكانت قرابين.
لم يختر عبد الكريم أن يكون إستشهادياً بل أُجبر على هذا الخيار بين المرّ والأمرّ، لعبد الكريم رفاقٌ وعائلة، ولغيره من الشّهداء أيضاً، يدفعون وندفع ضريبة تضارب المصالح والمشاريع من أحلامنا وحيواتنا. ترخُص دماؤنا كرمى لدقّ مسمارٍ في طاولة حوارٍ هي نعشٌ لنا وطاولة قمارٍ لهم. يقامر هؤلاء المتنطّحون على الشّاشات بخُطب رنانة وبيانات صدّاحة بأعمارنا ثم يتباكون علينا. لا يعنيني وغيري إنتخابُ رئيسٍ للجمهورية، ربما تُنصفني السّلسلة التي تنسفون، لا يعنيني تعيينٌ هنا ووظيفةٌ هناك، ما يعنيني بعد إنسحابكم عن الشّاشات هو أن أخرج من منزلي دون أن ألقي نظرة وداعٍ على أهلي بينما أذهب لشراء علبة سجائر، تعبنا.

جولةٌ صغيرة في أي حيّ أو شارع تكفي لقياس حجم اليأس بين النّاس، أو نظرةٌ على أبواب السّفارات، كفر الشّعب بالإصلاح فتعايش مع الفساد حتّى أمسى واقعاً، ضاق الشّعب ذرعاً بدعوات التّغيير فبقت المحاور السّياسية ذاتها من 8 إلى 14 وما بينهما من وسطيين، وصل الشّعب ووصلنا اليوم حدّ اليأس حتّى من الحياة ليقيننا بقرب شفرة المقصلة من نحورنا، قد أبدو متشائماً لكن كيف لي أن أتفائل؟ إعتدنا في كُتب الأساطير أن نؤمن بطائر الفينيق، لا بدّ أن ينفض طائرنا عنه الرّماد ويعود للتحليق رغم الجراح، لكننا نُغفل أن مع كلّ حريقٍ نخسر منّا أبرياء لا علاقة لهم بالمشاريع، أبرياء لا يعرفون أصلاً من هو بندر أو قاسم سليماني، لا يكترثون لا لمعارك إيران والسّعودية، ولا لمشاريع أميركا وتركيا، هؤلاء من يتحسّسون رقابهم في كلّ يومٍ كيفما تنفّسوا في حين أن القاتل يعدّ عليهم أنفاسهم، لكن يبقى الأمل لا شيء غيره، الأمل بأن يخترق شعاع النّورظلام الموت المخيّم فوق رؤوسنا.

أحمد م. ياسين

    مقاتلو حزب الله إلى الواجهة مجدّداً، هذه المرّة من باب وحشيتهم في تصفية وقتل بعض “الثّوار” السّوريين، والدّليل هو مقطع فيديو مسجّل لمدّة دقيقة وقرابة الأربعين ثانية، للوهلة الأولى، يُصدم المُشاهد بما يرى، مقاتلون بزيّ عسكري يُخرجون جرحى وجُثث من سيارةٍ رباعية الدّفع، يشتمونها قبل أن يفرغوا مخازنهم في رؤوس الجرحى العُزّل، كما يقول العنوان، هكذا يتعامل حزب الله مع الجرحى.

   لكن ماذا لو تحقّقنا من التّسجيل؟ حسناً، هنا تبدأ الأسئلة الجدّية بطرح نفسها بعيداً عن الإفراط في المشاعر والأحاسيس، طبعاً مع التّأكيد على هول ما ورد في التّسجيل وبربريّة منفّذيه :

(المزيد…)

أحمد م. ياسين
إذاً، إنحسرت معركة القُصير وإنتهت لمصلحة النّظام السّوري مدعوماً من حزب الله، سيغيب وجه هادي عبد الله عن الشّاشات وسيُعيد لُؤي المقداد حساباته، فالإئتلاف السّوري إعترف بأول هزيمةٍ عسكرية،    كلّ هذا على أرض الميدان السّوري حيث تدور رحى الحرب الأهلية السّورية، لكن، يأبى اللبناني إلّا أن يكون شريكاً ثابتاً بكل ما يمتّ للكوارث بصلة.

    نجد أنفسنا اليوم أمام إنقسامٍ عامودي فيما خصّ الحرب الأهلية السّورية بين اللبنانيين، إنقسام كان حتماً سيقود إلى حربٍ أهليةٍ لولا غياب القرار الدّولي، فإقتصر الإنقسام على إنفلات أمني وإقتتال طرابلسي    أصبح إعتيادياً، ففي حين يغتال النّواب آخر ما تبقّى من ديمقراطية ويمدّدون لأنفسهم، تُفرّخ في الأحياء الفقيرة زعاماتٌ وقياداتٌ يُجبرون السّياسيين على السّير خلفهم بعد أن كانوا هم أدواتٍ يستغلّها السّياسيون في بازاراتهم، هذه هي حال طرابلس، مدينةٌ أُخذت رهينةٌ لحين إنتهاء الحرب في وعلى سوريا، مدينةُ لا تُشبه الصّورة القاتمة المنقولة عنها، مدينةٌ تُعدّ من المدن الأفقر متوسطيّاً، مع ذلك لا تفارق الإبتسامة محيّا من فيها، طرابلس ليست باب التّبانة ولا جبل مُحسن وحدهما، بل فيهما ربّما تظهر صورة المدينة الفقيرة، طفلةٌ بدل أن تحمل لُعبتها تحملُ السّلاح، طفلٌ لم يعرف مقاعد الدّراسةِ بقدر معرفته بمقاعدِ ما خلف المتاريس، في طرابلس مسلّحون، يفتحون نيرانهم متى ما شاؤوا ويغلقونها أيضاً كما فتحوها، أغلب الأحيان دونما سبب، نيرانٍ تُحرق المدنيين من سكّان المنطقتين، ذنبُ السّكان الوحيد أنّهم وجدوا هنا، وجدوا على فوّهة بركانٍ يحاصرهم، فلا هم يقدرون على المغادرة بسبب فقرهم، ولا على البقاء بسبب رصاصٍ طائشٍ يعزف ألحان موتهم، هي طرابلسَ الضّحية، وهمّ جلّادوها، هم من جرّوا العامل السّوري كمثل ما تُجرّ الحيوانات وحبل حقدهم يلتف حول رقبته، هم من يتقاتلون ليل نهار، عصابة صغيرة تتحكم بمدينة كبيرة، مدينة طرابلس الشّقيقة..

  طرابلس أمست صُندوقَ بريدٍ للقوى الدّاعمة للحرب في سوريا، ليست طرابلس وحدها، صيدا كما الشّمال والبقاع، عرسال خاصةً تحجز لنفسها مكاناً في الصّورة، صورةٌ شاء البعض تغييبها، فالجيش اللبناني    يُقتل هناك، حاله حال المدنيين، الدّولة عاجزةٌ وإن ما فكّرت بالرّد، يُقابلها هجومٌ على مؤسّساتها وتهديدٌ لها بالإنشقاق والفتنة المذهبية، هكذا صودرت طرابلس لمصلحة هؤلاء، جعلوا من أنفسهم الدّولةَ بعد إعدام العسكر والدّولةِ ذاتها، هم ذاتهم من إحتفلوا ووزّعوا الحلوى عند سقوط شهداءَ لحزب الله، هم من جرّوا العامل السّوري بحبلٍ وضربوا آخر، هم من أحرقوا الصّهاريج السّورية، مع ذلك، “هم مع الثّورة” فيتغاضى عن قبحهم من يلطم الخدّ ليل نهارٍ على السّوريين، حسبما يزعم.

  في المقابل، يُجلد حزب الله ليل نهارٍ على تدخّله في سوريا، تُعقد المؤتمرات، تُنظّم الإعتصامات، تُحرق الرّايات ويعلو المنابر من يشتم الحزب في كلّ مكانٍ جتّى في معاقل الحزب، نعم حزب الله قاتل في    القصير لحماية قرى لبنانية في حوض العاصي أولاً، حماية خطّ إمداده بالسّلاح كمقاومةٍ ثانياً، وثالثاً لدرء الخطر الذي يرمي بصواريخه على قرى البقاع اللبناني من القصر، الهرمل، سرعين والنّبي شيت وغيرها، حزب الله يحمي لبنان من القتل كمل قُتلت الطّفلة لولو عوّاد، لكن لولو ليست مادّةً دسمةً ليتباكى عليها مثقّفٌ من خلف شاشته، أو من على مقعده في أحد مقاهي شارع الحمراء حيث تعالت الضّحكات يوم إستشهاد يارا عبّاس مراسلة الإخبارية السّورية، يارا كما لولو، لا قيمة لحياتها كإنسانٍ فهي إختارت تأييد “النّظام الأسدي”، لنشرب نخب مقتل هذه “الشّبيحة”، هذا المُثقف عينه هو من يكتب على مواقعه وفي صحفه واصفاً حالةَ غضبٍ شعبي على الحزب كلما شيّع شهيداً، وصل الحدّ ببعض المثقّفين أن أجرى لقاءاتٍ مع مقاتلين للحزب كانوا قد إنشقّوا “في مخيلته” وكتب النّص، ينصرف هو شاتماً من سقطوا، رافعاً شعار “لقد سقط حزب الله” و”لا مقاومة بنظرنا بعد اليوم”، متى كنت أنتَ أصلاً من مؤيّدي خط المقاومة ونهجها؟ من أولى بالحديث عن المقاومة، عوائل الشّهداء أم انت؟ من نصّبك أصلاً متحدّثاً باسم المقاومة أو الجنوب؟

   لست من مريدي تدخّل الحزب في سوريا، ولا من المهلّلين لسقوط شبابٍ لبنانيٍ على الأرض السّورية وفي ميدانٍ غير الميدان المقابل لإسرائيل، لا أريد أن أرى الحزب مقاتلاً في سوريا، أتقبّل ذلك مُكرهاً    ومثلي كُثُر، كُثُر حتّى ممن وزّعوا البقلاوة في يوم سقوط القُصير، لم ترق الصورة ربّما للإنسانيين “بالإنتقاء”، كيف يوزّعون البقلاوة على دماء الأبرياء؟!!، نعم، لا أبرياءَ غير الشّعب السّوري، ضحيّةُ مواقفكم والإرهاب من جهة، والنّظام الفاسد من جهةٍ أخرى، لستم أنتم أصحاب الحقّ بالبكاء على الشّعب السّوري أكثرَ منه هو، أنتم من غطّى قتله في ال 2005 إبّان مقتل الحريري، أنتم من حرّض على إحراق المساعدات التي أرسلناها كجنوبيين للنازحين السّوريين والفلسطينيين، أنتم من قال “لا نقبل مساعداتٍ ممن يقتل شعبنا”، لكن.

   لكن طوال ثلاثة أسابيعٍ من المعارك الدّائرةِ في القُصير لم نرَ صورةً واحدةً لضحيّةٍ مدنيٍ ممن إعتصمتم لأجلهم، أين هم؟ كيف “قتل حزب الله” الشّعب السّوري، خارج مخيّلاتكم طبعاً؟ أين تنسيقية القُصير    وصور الضّحايا؟ حزب الله أعلنها جهاراً أنه سيقاتل في سوريا، لكن ماذا عمن أعلنوا الجهاد والنّفير في لبنان؟ لم نسمع منكم كلمةً تُدينهم ولو كلمةَ نفاقٍ كي تخرسونا، لم وُزّعت البقلاوة؟ وُزّعت فرحاً بدرء أكلة القلوب وقاطعي الرّؤوس.

عمد اهالي طرابلس بدورهم على توزيع الحلوى على المارين وعلى السيارات احتفالا بسقوط مئة واربعين عنصراً من حزب الله في القصير

   الضّاحية التّي وزّعت البقلاوة هي ذاتها التّي تستقبل مِئات الآلاف من النّازحين السّوريين، مُعارضين كانوا أم مُؤيّدين، يجوّب فيها السّوريون كيفما أرادوا دون حبلٍ في رقبةِ هذا أو إعتداءٍ على ذاك، حتّى يوم    خرجَ علينا آل المقدادِ بجناحهم العسكري، ظلّت الضّاحية مأوى للسوريين، ومع أنّ لأبناء الضّاحيةِ أشقّاءٌ مخطوفين في أعزازَ من قِبل دُعاة الحرّية، مع ذلك، الضّاحيةُ بيتُ السّوريين، وُزعت البقلاوة إبتهاجاً بالنّصر لا فرحاً بالضّحايا السّوريين، لو أنّها كذلك لما تواجد السّوريون في الضّاحيةِ أصلاً.

   نحن لسنا كائناتٍ بلا قلوبٍ ولا أصنام فقدت أحاسيسها، نحن نزّف الشّهداء نهاراً ونبكي فراقهم ليلاً، نحن تلك الأمهات اللواتي تفاخر بشهيدها، من إفتدين الوطن بفلذات أكبادهن، نحن الآياء الذين إستقبلوا    جثامين أبطالهم مبتسمين ولو أن في العين دمعةً تأبى أن تُذرف، نرضى أن يُقتل شبابُنا في سوريا مُكرهين كي لا نُقتل هُنا، حالنا حال الشّعب السّوري الذي يرزح تحت إرهابٍ لم تعرفه سوريا يوماً، فليقرّر الشّعب السّوري مصيره، مع الأسد أم بدونه، هذا يبقى شأنهم الدّاخلي، لكن قبل ذلك، كلّي ثقةٌ أن شعباً صمد في وجه الذّبح والتّقطيع وقصف الطّيران، قادرٌ على أن ينتصر على آلات القتل ودحر الإرهاب عن أرضه، من ثمّ نيل حرّيته حسبما يحدّدها هو، فقط هو، لا من يقطنون الفنادقَ والسّفارات.

أحمد م. ياسين

   دخل ميشال عون وتيّاره معركة الأرثوذكسي، مثل ما دخل حرب 13 تشرين، حمل عون شعاراتٍ كالدفاع عن حقوقٍ يصادرها المستقبل والإشتراكي منذ ما بعد الطّائف، دخل عون المعركة وإنتصر فيها قبل    أن يسمع حتّى ما آلت إليه الجلسات والمفاوضات.

   إنطلق عون في تأييده مشروع اللقاء الأرثوذكسي من إجماعٍ أجبر القوّات والكتائب على السّير فيه، نسّق مع بكركي، حمل لواء إسترداد الحقوق مع مَن يهيمن عليها حتى ولو بالأرثوذكسي، فتح باب النّقاش،    كان دائماً يدعو لقانونٍ بديلٍ يؤمّن عدالة التّمثيل في بلدٍ طائفي الأعراف والتّطبيق، أو إلى النّسبية خارج القيد الطّائفي على أساس لبنان دائرة واحدة، بدا عون متصالحاً مع نفسه وتيّاره، مع شعبه وحتّى مؤيّدي باقي الأطراف المسيحيّة، ببساطة، نصّب نفسه أباً روحياً لمعركة إعادة الحق لأصحابه، وأجبر حلفاءه على السّير خلفه.

   يعرف وعرف عون جيّداً أن الأرثوذكسي لن يمر، جرّ جعجع إلى المعركةِ التي كادت تودي بتحالف الأخير مع المستقبل، كذّب عون مزاعم جعجع بلسان الأخير، فعون ليس مطيةً للمشروع الإيراني، مشروع    “ولاية الفقيه” الذي ما إنفكَ جعجع يخيف الرّأي العام المسيحي به، عون ليس غطاءً لحزب الله ومشروعه، عون هو من إنتزع مقاعد جزّين الثلاثة من فم برّي في الانتخابات الماضية، عون هو من بدأ بالمشاريع التّنموية في مناطقَ لم تعرف إلّا الإهمال في عهد بطرس حرب ومن معه من نوّاب عهد الوصاية السّورية، بينما جعجع ينتظر في معرابَ مقعداً هنا ووظيفةً هناكَ يمنّ بها عليه حلفاؤه، عون أثبت نفسه حليفاً قوياً، بينما جعجع رضي بلعب دور التّابع، لا أدري لماذا.

   لا يخفى على القاصي والدّاني أن مشروع اللقاء الأرثوذكسي، أو الفرزلي كان تقسيميّاً بإمتياز، لكن ألا يعكس الأرثوذكسي ما في نفوس اللبنانيين ساسة ومواطنين؟ ما الحلّ الأنسب في مواجهته؟ أليس النّسبية    خارج القيد الطّائفي؟ ألا يعطي هكذا قانون لكل مواطنٍ حقّه؟ لمَ لم نسمع من قوى 14 آذار أي إشارةٍ للقانون بينما سمعناها من عون وحلفائه؟ عدوان تنازل عن عشرة مقاعدَ كما قال حفاظاً على مصلحةِ البلد، هل يملك عدوان عشرةَ مقاعدٍ أصلاً؟ من أعطاه الحقّ في ذلك؟ مجدّداً خذلت القوّات مناصريها وتاريخها قبل أي أحد، ليست المرّة الأولى، فقد فعلها جعجع سابقاً إبان مرحلةِ إقرار إتفاق الطّائف.

   “عون سرق الاتصالات والطّاقة، عون عمّم الفساد!”، إعتدنا سماع هذه الجمل حتّى باتت روتيناً يوميّاً، هل تعلمون أن باسيلَ لا يملكُ طائرةً خاصةً عكس ما يُشاع؟ هل تعلمون أن نقولا صحناوي ربح في    جميع الدّعاوى المقدّمة ضدّه من قبل نوّاب المستقبل وفي طليعتهم غازي يوسف؟ هل تعلمون أن كتاب “الإبراء المستحيل” دفع بالمستقبل لشراء كمّياتٍ هائلةٍ من النّسخ كي يُخفي ما فيه، وعندما عجز أصدر كتاباً مضادّاً ذي مضمونٍ سياسي؟ هل تعلمون أن من يُهاجم عون اليوم بتهمة التّبعية هم ذاتهم من نُصّبوا نوّاباً وزعماء بأمر عمليات سوري أو سعودي، هم من أمعنوا في السّرقة والفساد، عون إنتزع وزاراتٍ خدماتيةً وجعل منها وزاراتٍ سياديةً يتهافت الفرقاء على أخذها، ماذا فعل جعجع حينما كان في الحكومة؟ لا للمسيحيين، بل لمصلحة البلد التي يدّعي حرصه عليها، ماذا فعل جعجع؟ من ال 2005 لليوم، ماذا فعل غير تعديلاتٍ في أبياتَ شعريةٍ يلقيها من مناسبةٍ إلى أخرى، لم نسمعه يتحدّث عن المخاطر التي تُحدق بلبنان، “فليحكم الإخوان”!

   مصلحةُ البلد تقتضي تسليمه للمستقبل والإشتراكي بحسب ما ترى القوّات، على ما يبدو، لم يرَ جعجع بعد مآثر المستقبل على إقتصاد البلد، أو أنه تجاهل عن قصد سكّان “بريح” الذين لم تُدفع تعويضات    تهجيرهم كاملةً بعد من وزارة المهجّرين التي إبتلع صُندُوقها جنبلاط، الأرثوذكسي وحده يهدّد البلد بنظر جعجع، لا إنتشار السّلاح والمجموعات التّكفيرية، لا هجرةُ الشّباب بفعل الفساد الذي أورثتنا إياه الطّبقة السّياسية بشقّيها، لا الطّائفية المقيتة، خلاص البلد بنظرِ جعجع هو بالتّنازل عن عشرة مقاعدَ مباشرةً، وعن أربعة عشر مقعداً بشكلٍ غير مباشر، إميل رحمة وطوني بو خاطر يمثّلان المسيحيين أكثر من إيلي سكاف وسليم عون مثلاً؟ أم ان الطّائفية لا تسري إلّا على السّاحة المسيحية، بالفعل، ذهب جعجع حيثُ لا يجرؤ الآخرون، ذهب نحو شقّ الصّف المسيحي في وقتٍ هو بأمسّ الحاجة إليه حفاظاً على لبنان مما يُحدق به من مخاطر.

    لن يصدّق الجيل الجديد بعد اليوم حكايات البطولة التي يردّدها جعجع عن القوّات، الجيل القديم ذهب نحو الحركةِ التّصحيحيّة، لكن الجيل الجديد المعبأ مسيحياً على يدّ جعجع سيقف مصدوماً اليوم، “كيف يُفيد    التّخلي عن عشرة مقاعد البلد، لمَ يجب علينا نحن أن نتنازل؟ لماذا تنازل حزب الله لعون بينما أجبرنا المستقبل والإشتراكي على أن نتنازل؟ ألهذا سقط الشّهداء؟”، لا أعرف إن كان جعجع اليوم قادراً على إقناع هذا الجيل بصوابيةِ قراره بالتّخلي عن الفرصة الوحيدة في تمثيل المسيحيين، لا أدري إن كان المختلط بصيغته الحالية يؤمّن لجعجع تمثيلاً أصلاً دون الإستعانة بأصوات الحلفاء، بينما يجلس “الحكيم” محاولاً الحدّ من خسائره، يبتسم ميشال عون منتصراً وواثقاً بأنه اليوم كما الغد، الزّعيم المسيحي الأول والحليف النّد، لا التّابع المُتلقّي، فعلها ميشال عون مجدّداً، يحتسبُ الأصوات، في الأشرفية المصدومة من قوّاتها، في زحلةَ التّعايش والمقاومة، حتّى في البترون مع إنفراط عقد التّحالف القوّاتي مع تركة النّظام السّوري بطرس حرب، على جعجع البحث عن خشبة النّجاة في محيطٍ أغرق نفسه به، فالبرتقالي يحضّر لتسونامي جديدٍ مهّد له جعجع بزلزال كسره الإجماع المسيحي.

 أحمد م. ياسين

   الثّامن من آذار، يوم خرجت عاملات معامل النّسيج في نيويورك مطالباتٍ بتخفيض ساعات العمل، زيادة الأجر مساواة بالرّجل، والعمل دون إذن الزّوج المسبق، مع أن اجر المرأة لقاء عملها ما زال أدنى    من أجر الرّجل ب 28% في فرنسا مثلاً، في يوم المرأة، لا بدّ من رسالة للمرأة كلّ مرأة..

   إلى المرأة المصرية:

   كل عامٍ وأنتِ شريكة الثّورة، التّاريخ والحضارة الفرعونية، كل عامٍ وأنت ثائرة على ظلم مستغلّي الدّين، كل عام وأنت أم خالد سعيد، أخت مينا دانيال، وسليلة كليوباترا، متمرّدة على قوانينٍ كمثل نكاح    الميت، على فتاوى الجهل والظّلامية، كل عامٍ وأنتِ حرّة كنّوارة نجم ورشا عزب..

   إلى المرأة التّونسية:

   كل عامٍ وأنتِ زهرة الياسمين في تونس الخضراء، حاملة راية البوعزيزي رغم أنف من يريد تشريع قوانينٍ تجعل منك جارية تقتنى وتباع، كل عامٍ وأنتِ كمثل بسمة الخلفاوي زوجة الشّهيد بلعيد التي    حملت دمه على كفّها معلنةً إحياء الثّورة من جديد، كل عامٍ وأنتِ تلك الشّابة التي وقفت على السّيارة أمام حشدٍ من السّلفيين رافضةً الإهانة او تلك العجوز التّي صفعت بحذائها وجه من حاول التّعدي على حرّيتها وفرض حجابٍ عليها هي لا تريده، كل عامٍ وأنتِ كصديقتي يُسرى، حرّة مسؤولة، وياسمينةً تونسيةً تزيّن شواطئ المتوسط.

   إلى المرأة الليبية:

للأسف، أول ما تحدّث عنه من حملوا لواء الثّورة كان زيادة عدد الزّوجات بدلاً من حرّيتك، مع ذلك،   كل عامٍ وأنتِ ثائرة رافضة لظلمهم،  كل عامٍ وأنتِ أم الشّهيد، أخت الفقيد والشّريكة في المجتمع مهما    حاول تدعيم ذكوريّته في وجهك،  كل عامٍ وأنتِ صديقتي صافيناز وإبتسامتها..

 إلى المرأة البحرينية واليمنية:

   كل عامٍ وأنتن الأفضل، من دوّار اللؤلؤة إلى صنعاء وصعدة، عدن، المنامة وفي كلّ مكان، معكن شريكاتكن السّعوديات في القصيم، مجتمعكم متعطّش للحرية التي لا محال..آتية.   

  إلى المرأة الفلسطينية:

   كل عامٍ وأنتِ شجرة الزّيتون العصية حتّى على جرّافات الصّهاينة، كل عامٍ وأنتِ من تحمل قميص الدّم في يمناها، والحجر في يسراها، كل عامٍ وأنتِ أمّ فارس عودة ومحمّد الدّرة ومئات آلاف الشّهداء    المنسيّين في مقبرة الأرقام، كل عامٍ وأنتِ أم سامر عيساوي، حسن كرّاجة وآلاف المعتقلين، كل عامٍ وأنتِ صامدة صمود أسوار عكّا، جميلة جمال بحر حيفا، بابٌ للحرّية كباب شمس، كل عامٍ وأنتِ ببساطة، فلسطيننا المختطفة، كل عامٍ وأنتِ صديقتي مهى وعشقها لفيروز، كل عامٍ وأنتِ كما أنتِ، مدرسة التّضحية والمقاومة..

  إلى المرأة السّورية:

    كل عامٍ وأنتِ، لا كلمةً تأتي بعد أنتِ وتنصف ما قدّمتي من تضحيات، لا كلام في حضرة الأم السّورية كما في حضرة أنهر الدّم التي غطّت لون بردى، كل عامٍ وأنتِ صامدة شامخة كقاسيون، كل عامٍ وأنتِ    ثائرة، مدافعة عن وطنك رغم كلّ شيء، كل عامٍ وأنتِ سيّدة شاميّة أصيلة أصالة الشّام، ملكة كزنوبيا في تدمر، جميلة بجمال قصيدةٍ لأبي العلاء المعرّي، متجذّرة كحضارة الشّام وبغداد.. كل عامٍ وأنتِ سورية..

 إلى المرأة اللبنانية:

   ماذا أقول فيكِ؟ كل عامٍ وأنتِ مناضلة من أجل منح إبنكِ الجنسية، محاربةً للعنف الأسري، مواجهةً للمادة 522 من قانون الإغتصاب، ثائرةً بوجه من يحاول إبعادك والإستئثار بالمجتمع، رافضةً    لذكورية المجتمع، لن أتمنى لكِ أن تكوني كذلك في العام القادم، بل أتمنى أن أراكِ منتصرةً على من يحاريكِ في قضياكِ كلّها.

  كل عامٍ وأنتِ أم الشّهيد الذي حرّر، أرملة المقاوم الذي إنتصر، شقيقة الجريح الذي قدّم من نفسه للوطن، كل عامٍ وأنتِ يسرى إسماعيل وسناء محيدلي، كل عامٍ وأنتِ سهى بشارة كل عامٍ وأنت كمثلهم    المنتصرة المضّحية، كل عامٍ وأنت مريم أم المجتمع، زينبَ الصّوت الرّافض للظلم، مي زيادة الأديبة رغم من حاول منعها من تعليمها ..

  كل عامٍ وأنتِ أمّي أيقونة العشق في نظري، كل عامٍ وأنتِ زميلتي في العمل، رفيقتي في النّضال، صوتي في كل إعتصامٍ تحضرينه مطالبةً بما لك من حقوق، كل عامٍ وأنتِ صديقتي التي أتناوب وإياك    على الكتف في البكاء، كل عامٍ وأنتِ أنتِ، كما أنتِ، أعظم من تمثال الحرّية في الدّلالة عليها رغم من ينطقن باسمك متخذاتٍ إياكِ غطاءً  لتطرفهن المشّوه لما لأنثويتكِ من كيان..

  إلى نساء العالم:

  إفرحن، مع انّ اليوم عيدكن، لكن كلّ يومٍ من أيامنا هو أنتن كما نحن، شريكين نبني، ونحلم، نبكي ونضحك، نحزن ونفرح، نناضل ونقاتل، نتغازل ونتعاتب… كل عامٍ وأنتن بخير.   

  


أحمد م. ياسين

 تربّينا في صغرنا على أخلاقيات العرب، فكانت مادّة اللغة العربية أو التّاريخ أبواباً يدخل منها المدرّسون إمّا حكماً أو عبراً تعرّفنا على خلفيتنا الثّقافية، يشرحون عن كرم حاتم طيّ وذبحه شاة يملكها فقط لإكرام   الضّيف. ويشرح المعلّم عن أهمية إستقبال و تعزيز الضّيوف، يتحدّث عن كيف كان أجدادنا يستقبلون الضّيف ثلاثة أيّام قبل أن يسمحوا له بالرّحيل، أذكر ما كان أستاذي يردّده دائماً”: نحن أمّة لا تبرد نارها تحت الرّماد، أي لا تخمد نيران موائدنا”.

لم نعتد في لبنان أن نطرد الضّيوف، بل إعتدنا فتح بيوتنا للجميع، فلسطيني، مصري، عراقي أو سوري، و لا زلنا نفتح أبوابنا للجميع إنطلاقاً من إكرام الضّيف وإحترامه كإنسان له حق في التّعبير طالما أنه لا   يؤذي الوطن الذي نزح إليه، لم نألف سماع خبر عن التّعرض لأي شخص في لبنان بسبب رأيه، وإن حصل ذلك، تبادر الدّولة بالإعتذار. هذا كان في الماضي، أما اليوم، فما عاد الوضع مشابهاً لأي ماض في ظل الإنفلات الأمني، الإجتماعي والأخلاقي.

تعرّض الفنان دريد لحّام لمضايقات ولمحاولة إعتداء في منطقة القلمون – شمال لبنان من قبل بعض الشّبان المضلّلين، وكاد ان يتعرّض للأذى لولا تدخل قوى الأمن والجيش. تهمة لحّام هي موقفه السّياسي الذي   لم يرق لمن حرّض هؤلاء الشّبان. تهمة لحّام أنّه قال في البدء أنّه يدعم النّظام خوفاً من تحوّل سوريا إلى عراق أو ليبيا جديدة، خوف الفنّان على وطنه كانت تهمة” كافية” لإدانته وإستباحة حرّيته. لا يلام الشّبان على ما فعلوا، فهم ضحكوا وتربّوا على فنّ غوّار، على أغنية “يامو” و”زيّنوا المرجة”، بكوا على ضياع “أمل” و سجن “غوّار” في “عودة الأصدقاء” هؤلاء الشّبان “دراويش” لا يلامون، بل يلام من حرّضهم حتى عماهم الكره والحقد، من حرّضهم هو ذاته من حرّضهم في الأمس إبّان مقتل رفيق الحريري على قتل ّالسّوريين دون أي ذنب، فقط لأنهم سوريّو الهوية.

عفواً دريد لحّام. أعتذر منك عن ما نعانيه سوياً، الفرق الوحيد أنّك ضيف وأنا مواطن في هذا البلد. عفواً دريد لحّام على تعرّض الظّلاميّين لك وإن أنت أو ليث حاجو نفيتم ذلك حفاظاً على صورة لبنان. عفواً   للتاريخ عن ما وصلنا إليه كأمّة، نقطع رؤوس مثقّفينا حتى ولو كانت تماثيلاً كما رأس أبو العلاء المعرّي، نهدم تماثيل أدبائنا والمناضلي كما جرى مع تمثال طه حسين، فاقد البصر الذي كان عرضة حتى لو بتمثاله لإعتداء من عمي البصيرة، أو تمثال شكري بلعيد، شهيد تونس وثورة الياسمين. نعم، أعتذر. أنا وأنت يا دريد لحّام للتّاريخ عن مجموعة إرهاب ثقافيّ تُلبس تمثال أم كلثوم النّقاب كأنها تخجل بماض عريق في الأدب، العلم والفنّ حتى.

 عفواً دريد لحّام، عادل إمام، وجمال سليمان، لا إحترام في مجتمعنا لرأي فنان موال للنظام، أي نظام كان. نسي إرهابيّو الفكر أن الفنّان إنسان، وكي يكون الإنسان فنّاناً، عليه أن يكون إنساناً مسبقاً، كما قال   الرّائع جورج جرداق في ختام فقرته من فيلم “لبنان اللي بحلم فيه”: أكيد أن لبنان الذي نحلم به، ليس هذا المظلم ثقافياً وكهربائياً، لبنان الذي كان في السّابق مركزاً أساسياً لجذب الفنّانين والمخرجين. كم فيلم لفريد الأطرش، حسني البورزان وغيرهم تمّ تصويره هنا؟

   لا أدري إذا كان ينفع الإعتذار من التّاريخ، فمكان حضارتنا هو غرف ذلك التّاريخ المشرق، اما اليوم، فنحجز بحاضرنا مكاناً في “مزبلته” لا أكثر، نخرس أدبنا وفننا، بينما نفتح أثير الفضائيّات لكائنات تجرثم   العقل والرّوح، تبثّ الكراهية أينما حلّت وكيفما فتحت أفواهها، لكن الكائنات هذه لن تخرجنا من وطننا. ورح نكتب إسمك يا بلادي… عالشّمس اللي ما بتغيب.

أحمد م. ياسين

انها المرة الثانية التي اكتب فيها متناولاً المفتي ورجال الدين من بعد قضية إقرار قانون يحمي المرأة من العنف الاسري، لكن في ضوء الإنتهاك الصارخ للدستور اللبناني من قبل رئيس الحكومة الحالي، ومن قبله رفيق الحريري في ١٩٩٧، وكي لا تعاد الكرة ويسقط مشروع الزواج المدني كما سقط العنف الاسري، لا بد من تسليط الضوء على ما يحاول رئيس الحكومة فرضه ومن خلفه المفتي وطائفته حتى من يعارضه سياسياً  داخلها.
وصف المفتي قباني من يفكر في تشريع الزواج المدني من المسلمين بالمرتد، وأفتى بعدم جواز دفنه في مقابر المسلمين، أي تكفيره بشكل غير مباشر، وكان المفتي قبلاً قد هاجم الزواج المدني واصفاً إياه بالحرم الأكبر، “يريدون السماح للاخ بأن يتزوج أخته!!”، لا أدري من أين أتى المفتي بهكذا إستنتاج أقل ما يوصف بالمضحك، إن كان يقصده فهي مصيبة، وإن كان يجهل معناه فمصيبةٌ أكبر، مع العلم الزواج في الاسلام ليس  عقداً مبرماً بل يمكن أن يتم شفهياً بين الطرفين، المفتي الذي يفترض به إدارة شؤون المسلمين، يجد نفسه مستهدفاً اليوم من قبل طائفته كي يعزل، يشن هجوماً عنيفاً على الزواج المدني عله يكون خشبة الخلاص التي تبقيه في منصبه ربما، أو التي تعيد الاجماع إلى دار الفتوى التي يتزعمها منذ زمن، علماً أنها ليست المرة الاولى التي تفرض الدار برئاسته موقفاً مشابهاً على الوطن أجمع.
ربما أهداف المفتي واضحة، الرجل يبحث عن شعبية وشرعية تكاد تنزع عنه بسبب هجمات تيار المستقبل المتتالية، أو ربما سبب رفض الحريري في ١٩٩٧ للزواج المدني ما زال ساري المفعول، أي أمر العمليات السعودي، ربما يرفض المفتي ومن خلفه تيار المستقبل “المدني العلماني” تمرير قانونٍ مدني في ظل هيمنة الاسلاميين على الشارع العربي، ربما بالفعل، يخاف المفتي على طائفته وأسرها كما قال، ربما يرى في الزواج المدني فتنة وإثارة نعرات طائفية كما أورد في بيانه، ربما يظن ومثله يفعل ميقاتي والمستقبل أن الوقت غير مناسب لهكذا طرح “حساس”، ربما، ربما، ربما، لكن!

لكن كيف يفسر المفتي الذي يكفر من يمارس حريته مثلاً، السرقة، الاحتيال، القتل، وإغتصاب الملك العام؟ أي أخطر يا سماحة المفتي أو يستحق التكفير عليه، من يشوه صورة الاسلام بالسرقة إن من أموال الوقف كما فعل محمد راغب قباني نجلك ورشيد التنير، أم من يتزوج شرعاً لكن دون زيارة محكمتكم؟، أي أخطر على الاسلام، نهب الأراضي وسلبها من مالكيها الأصليين كما جرى في سوليدير أم الزواج المدني؟ أليس مالك الأرض في سوليدير فقيراً ومظلوماً ذو حق؟ سماحة المفتي، أي يستحق الادانة أكثر، نائب من تيار “علماني مدني” محسوب على طائفتك يهدد بالقتل ويذبح أبناء ملته في حلبا أم الزواج المدني؟، سماحة المفتي هل يهدد الزواج المدني الوحدة الوطنية كما قلت أنت أم  “المارد السني” الذي غطيت يوم غضبه قبل أن ينقلب عليك؟ ما يثير النعرات الطائفية أكثر، تزاوج اللبنانيين تحت سلطة القانون أم حكومة بتراء تنتهك الدستور كحكومة السنيورة التي حميت؟ وصفت سماحتك الزواج المدني بالعلاقة غير المشروعة، بينما يدحض حججك زواج خلود ونضال الشرعي دينياً دونما محكمة واجراءت شكلية، بينما هل تجد أن التحريض عمل مشروع؟ أحاول منذ البارحة استيعاب موقف سماحتكم، ابحث عن أعذار، لكن لا أجد أمامي إلى رسالة الرئيس الحص إليك بعدما ظهرت ملفات الفساد، تحرم علينا ما تحله لنفسك؟

أما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، كما تيار المستقبل، ألا يمكن لكم أن تجدوا ملفاً إنتخابياً غير الزواج المدني “هذا إن سلمنا أن الرفض ليس سعودياً”؟ هل إستمالة الشارع السني تعني فرض ايديولوجيا قمعية على الوطن كله؟، المشكلة مع نجيب ميقاتي، أو مركز رئاسة الحكومة منذ ما بعد الطائف، هي دكتاتورية صاحبه التي يمارسها ميقاتي اليوم، فيخرس الوزير عبود ويتجاهل الرئيس سليمان، ليكمل عمله كرئيس حكومة الطائفة السنية ومرشح المقعد السني في طرابلس غير ابه بباقي الوطن، ليحول مركز رئاسة الحكومة إلى مركز فئوي طائفي بدل أن يكون رأس سلطة تنفيذية تحترم مواطنيها على حد سواء، والأهم، تحترم الدستور والقوانين المرعية الإجراء ساهرة على تطبيقها، الدستور الذي ينص صراحة على إحترام حرية الرأي، المعتقد والحرية الفردية، فينتهك ميقاتي ومن قبله رفيق الحريري الدستور فارضين على المجتمع اللبناني باختلاف طوائفه ما يرونه هم صائباً من وجهة نظرهم معينين أنفسهم وصياً على ٤ مليون لبناني متعدد الطائفة والمذهب، تريد يا دولة الرئيس مقعداً إنتخابياً وكذلك تيار المستقبل؟ كي تقعدوا أنتم على كرسيكم يفترض على البلد مجدداً أن يقعد على خازوق تخلفكم ورجعيتكم وعدم فهمكم للدين؟
أخر السياسيون سن زواج الشباب بفعل فسادهم وسرقتهم للمال العام بغطاء من رجال الدين، أما اليوم، فقد طوروا أسلوبهم ليتحكموا ليس بالسن  فقط، بل بالعريس والعروس وصولاً إلى شكل زواجهم، يلعب السياسيون الرافضون للزواج المدني إنتخابياً، بينما يلعب فيه رجال الدين حسبما تمليه عليهم مصلحتهم إن كانوا أصحاب عمامة أم صلبان، مع العلم أن كلاهم لم يورد أي نص ديني يتعارض والزواج المدني، هنا يحضرنا السؤال، كيف تزوج والدا النبي محمد وهل تعد زيجات ما قبل الاسلام علاقات غير مشروعة؟ سؤال برسم رجال الدين الرافضين..هل أصبح التفكير جريمة تقتضي الحكم بالردة والتكفير؟ يا حبذا لو نجد إجابة شافية عند ذوي العمائم.
في الختام، لا بد من إيراد مقارنة بسيطة من حيث التكاليف المادية، يكلف الزواج المدني ٨٥ ألف ليرة فقط لا غير بين معاملات واجراءت، بينما يكلف الزواج الديني عند المسلمين ٤٠٠$ تذهب إلى جيوب رجال الدين، ومسيحياً ترتفع التكلفة لتصبح ٥٠٠$ إلى ١٠٠٠$ من مراسم وزينة كنائس، أيضاً تذهب إلى جيوب رجال الدين، لا مشكلة لدينا مع الدين أبداً بل مع رجال الدين المستغلين له طمعاً بأرباح شخصية،  دخول الجنة ليس بالإجبار ومفتاحها ليس بيد أي رجل دين، وإلا لعدنا لزمن بيع رجال الدين صكوك ملكية في الجنة، كذلك هو الزواج المدني المطروح، إختيارياً لمن يشاء وليس إجباراً، فإن أنتم ضده، لا تتزوجوا وفقاً لأحكامه مع انكم..تشرعون الطلاق المدني، مع محبتي.

روابط مقالات تتحدث عن فساد المفتي : جمول.نت

 

 أحمد م. ياسين

    أن يحدّثك السّورييّون عن سوريا اليوم، يجبروك على أن تنتقل و إياهم إلى شوارع مدن و قرى لم تسمع بها من قبل، يروون لك قصص تحجّم مفهومك ّعما يجري في سوريا كله، لا مؤامرة كونية و لا حراكا” ديمقراطيا” فلسفيا”  كما يرويه المنظّرون و الممانعون على حدّ سواء.

https://i2.wp.com/the-syrian.com/wp-content/uploads/2012/05/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%85%D8%B5.jpg

       في ما يلي، مشاهد جمعتها من أصدقائي السّورييّن في المقاهي، ليسوا من المثقّفين و لا من خرّيجي الجامعات، بل عمّال عاديّيون أتوا لبنان كي يكفوا قوت يومهم أو هربا” من الموت المحتّم، معلّم باطون، معلّم أرغيلة أو خبير زراعة:

 المشهد الأول : ضربوا والدي

  إبن عمّي، نحن عائلتين، بيت أديب معارضة و نحن بيت عبد الرحمان مع النّظام، هو أغنى واحد عنّا بالضّيعة، مهندس زراعي و عنده بيت و مزرعة و سيارة، يعني شيء عظيم عنّا، هو كبير بيت أديب، كل ما يفعله شبّان بيت أديب، يقوم الشّبيحة بكتابة التّقارير، بمن؟ بإبن عمّي و هو في السّبعين من العمر، عادة إذا ما إفتعل أي شاب مشكلة، يشكيه الخصم لكبير عائلته، لكن الشّبيحة كانوا يكتبون التّقارير أن إبن عمّي يموّل و يحرض الشّباب كي يخرجوا في مظاهرات، المهم، أتى الأمن و الشّبيحة، قاطعته هنا معلّقا”:”شبّيحة؟”، أجابني:”نعم شبّيحة، غيّر إبن عمّي مكان إقامته و قطن منزلنا لكن هناك من رآه و هو يدخل، وصلت الإخبارية و دخل الشّبيحة القرية بحثا” عنه، وصلوا منزله، خرج والدي و هو في الخمسين يسألهم ما الخطب؟، سألوه، معن أديب هون؟ أجابهم لا أعرف، حاولوا إقتحام البيت، طلب منهم والدي أن يدخل معهم، هنا هجموا عليه، تتهمنا بالسّرقة؟! نحن حرامية؟، حاول والدي أن يبرّر موقفه لكنهم همّوا بضربه و حشره في شجرة قريبة، سمع أخي الخبر فهاجم الأمن و ضرب عنصرين، قبل أن يرميهم الشّبيحة داخل السّيارة، من لطف الله أن عمّي الآخر مسؤول في فرع أمن درعا، فأفرجوا عن أخي و والدي عند مفرق الضّيعة، قبل أن تأتي إخبارية أخرى و لكن هذه المرّة  داهم الجيش منزلنا، سأل مين معن؟ رفع معن يده، ما هي إلّا يومين قبل أن يفرجوا عنه لأنه بريء..يا أستاذ، الجيش محترم بس الشّبيحة زعران ما إلهن أمان، عرفوا أنّو معن عنّا، إعتقلوه و لم يفرجوا عنه إلّا بعد أن أخذوا منه مليونيّ ليرة سوري، و كانوا قد سرقوا من منزلنا أربع جرّات غاز…و هنا، سكت صدّيق.

https://i2.wp.com/www.akhbar-today.com/images/cms//eabcf6441d6878936d22e3b43fd0f0a4Destruction-in-Syria.jpg

    المشهد الثّاني : سقط منها الرّضيع

    بالإجازة، آخر مرّة نزلت على سوريا من شهر، شوف يا أستاذ، عنّا اللاذقية أمان نسبيا” و الحي عنّا كل شي في طبيعي، إختفى شاب عمره ثمانية عشر عاما”، بحثنا و بحث أهله عنه، في المستشفيات، في المخافر، في مراكز المخابرات الجوّية، لا أثر له، ما هي إلّا يومين، رائحة موت بدأت بالإنتشار، صعدنا و أمي كي نقطف عناقيد العنب، رأينا ولدين و قدميّن، تجمّع سكّان الحي و إذا به الشّاب المفقود، يا أستاذ، كيف مقتول؟ رصاصة بين عينيه، و عيناه قد قلعوا من مكانهم، عرفت أمه فأغمي عليها، أما أخته، فنزعت حجابها عن رأسها و أخذت تلطم وجهها، حمله والده و مشى فيه مولولا” في الشّارع، كان هناك إمرأة ترضع وليدها الجديد و تقف على شرفة منزلها، رأت منظرا” كهذا، شاب مقتول بلا عينين، أغمي عليها و من شدّة الخوف و سقط منها الرّضيع، سألته، سقط؟!، أجابني، نعم سقط من أعلى الشّرفة، فصار في الحي جنازتين، و إبتسم أحمد قبل أن يغادر.

https://i2.wp.com/www.almasryalyoum.com//sites/default/files/imagecache/highslide_zoom/photo/2012/02/01/228/139736alsh3er.jpg

المشهد الثّالث : خالتي ماتت غاضبة على خالي

أستاذنا، عندي خال أنا في الجيش،  ظابط، إنشق بنصف الثّورة، و إخواته الإثنين بالجيش أيضا”، لم ينشقّوا، و أمه كانت تدافع عنه و ترفض تسليمه للأمن، بل خبّأته في منزل آخر لها، بعد شهرين، خالي مازن المنشق طلب من أخويه أن ينشقّوا مثله فرفضوا، طلب منهم أكثر من مرّة و رفضوا، فما كان منهم إلّا أن ذبحهم سويا”، ذبحهم أمام أعين أمهم و أطفالهم، بلا أدنى رحمة و صاح الله أكبر، شو بدنا نحكي يا أستاذ، هذا كان خالد.

  إذا”، هكذا يرى من أعرف من السّوريين الحراك و ما يحدث في بلادهم، يرونها فعلا” هدّاما” لأمن سوريا و وحدتها، حربا” طائفية خلعت عن إنسانيتها القناع فظهرت وحشا” يقتل بدم بارد، بشر بالشّكل يذبحون بإسم الله و يركلون الرّؤوس ككرات قدم يتسلون بها، تختلف سوريا على أرض الواقع عن ما يرّوج لها المنظرون على شاشات التّلفزة، منظّرون لا يفعلون أي شيء سوى الكلام، أصدقائي السّوريين معارضين كانوا ام من أنصار النّظام، توحدوا على رفض القتل و الحرب، يريدون العيش بسلام كما كانوا جونما قتل في ما بينهم، واحد يريد رئيسا” جديدا” و آخر يصرّ على الأسد، لكن الأكيد، أنهم يرفضون الإقتتال، حاجز الجيش الحرّ قريب من الحاجز السّوري الرّسمي، يعرفون بعضهم بالإسم، يقتتلون، فتسقط سوريا وحدها ضحيّة.

 

  أحمد م. ياسين

    لم أتصور بوما” أن تكون النّعاج موضوعا” دسما” للكتابة إلى أن وصف رئيس وزراء قطر أغلب العرب بذلك، في بادئ الأمر، يبدو التّوصيف مضحكا” بقدر ما هو مهين، بينما يحمل في طيّاته أيديولوجيا يسعى حمد الممسك اليوم بأمر ثلاثة دول عربية على الأقل أن يروجها، أيديولوجيا الذّل و الخنوع مقابل المال.

   بينما ترسم المقاومة العربية معادلات جديدة و تثبت نفسها مرّة جديدة كخيار وحيد لتحرير  الأرض، و تصمد في غزّة رغم الحصار، لا بل تضرب إسرائيل في عقر الأراضي المحتلة، في تل الرّبيع، القدس، هرتزيليا، بئر السّبع و غيرها من المستوطنات، يبرز وجه آخر ألفه العرب إعلاميا” منذ سنتين، و هم عرب الرّبيع العربي، سطلقون المواقف العلنية و يضغطون على المقاومة من تحت الطّاولة، في حين تنطلق ماكيناتهم الإعلامية مروّجة للأنظمة الجديدة لتلمّع صورتها مقرنة فيها إنجازات مزعومة تخفي تحتها تطبيعا” ممهدا” للسلام.

   تكمل إسرائيل مجازرها بحق الأطفال و تذبحهم لتزداد المقاومة بكافة فصائلها إصرارا” على أخذ الثأر، أما عرب الرّبيع، فتزداد أيضا” مواقفهم تصاعدا”، تجتمع جامعتهم العربية شكلا” العبرية فعلا” بعد أيام من بدء العدوان، يرسل محمد مرسي رئيس وزرائه ليتضامن مع غزّة و يبيع الغزّاويين كلاما”، يأتي بعده وزير خارجية النّهضة التّونسي ليصف عدوان إسرائيل الإجرامي “بغير المقبول”، ما المقبول بمعيار وزير الرّبيع الجديد؟ وفود تأتي غزّة و تغادرها لتشبع أهالي الضّحايا مواقف إستنكار و تنديد و دموع تماسيح، بينما يدعو ملك السّعودية المقاومة و إسرائيل –يساوي بين الطّرفين هنا- إلى تحكيم العقل و الحكمة، كيف يدعو ملك أميّ النّاس إلى التّحكم للعقل؟ أي عقل هنا؟ أن يغتال أحمد الجعبري و تصمت المقاومة خوفا” على مشاعر أوباما المنتخب حديثا”؟ ما هذه السّفالة؟، إجتمعت الجامعة، الجامعة التّي طردت منها سوريا لدموية الأسد، الجامعة المفرّقة لشعوب العرب، و المعادية لإيران بدل إسرائيل، فيها أطلق حمد بن جاسم موقفه بأن العرب أمسوا نعوجا”، ليعود و يرفض رفضا” قاطعا” تسليح غزّة لأن هذا قد يضرّ بعملية السّلام كما قال بينما يغرق سوريا بالسّلاح و المسلّحين كي يقتتلوا فيما بينهم، قبل أن تختم الجامعة إجتماعاتها بدعوة إسرائيل إلى السلام و الإلتزام بمبادرة الملك عبدالله المتعقّل، يعني، يكافىء العرب إسرائيل على ذبح المدنيّين بدعوة للسلام، من النّعاج هنا يا حمد؟

   إذا”، ها هي المقاومة الفلسطينية تفرض على إسرائيل مراجعة حساباتها، فبعد أن كانت رافعة نتنياهو الإنتخابية، أصبحت من سيغرقه و يقضي عليه و باراك سياسيا”،  لكن مصر الإخوان لها كلام آخر ترفضه لغاية السّاعة فصائل المقاومة –غير حماس-، أثنى و يثني الغرب و معه اميركا على مواقف دول الرّبيع من المقاومة و إسرائيل، و أن يثنوا، يعني ان جهاد الإخوان هو تطبيع أسوء من الأنظمة فيما قبل، مواقف سلام و وضاعة من نعاج لا وداعة، فالحمل الوديع هو طفل مقتول في غزّة لا وضيع في قطر، بدل أن يرسلوا السلاح إلى غزّة يرسلون الوفود، غزّة بحاجة إلى سلاح لا سيّاح، بذلت هذه الدّول الخليجية من الوقت و المال في تحويل بوصلة العداء من إسرائيل إلى إيران الكفيل بتحرير فلسطين، و رموا بالسّلاح في سوريا ما يكفي كي تختفي إسرائيل، هم ذاتهم من يصرف المليارات ليشتري سلاحا” يعوّم فيه إقتصاد الغرب و يوجهه إلى إيران، لتظهر أخيرا” هي، سوريا و حزب الله، كشركاء الغزّاويين المقاومين في إنتصارهم كما في سلاحهم، يريد عرب النّعاج لشعوبهم مناصبة إيران العداء، فلّا يرموا بفلسطين في حضن إيران لأن فلسطين و مهما فعلوا ستبقى الأمة و القضية، فلسطين المحكومة للأسف من عبّاس خائن متهاون و عبّاس آخر ملتح جاحد لفضل من سلّحه، مع ذلك، ستبقى المقاومة رغم المفاوضين هي الحلّ الوحيد مهما تكالب عليها المسالمون من إخوان و نعاج عرب، إنتصرت غزّة عسكريا”، على امل أن تنتصر سياسيا” بالجبهة و الجهاد الإسلامي و كتائب القسّام و كل الفصائل التي ضحّت و تضحي، إنتصرت غزّة رغم ضغوط العرب عليها بدل دعمها، و أستعير من وليد جنبلاط سؤالا” طرحه في تمّوز – آب 2006، لمن ستهدي المقاومة النّصر؟ أستقول شكرا” قطر، مصر، تركيا وأميركا من خلفهم؟

 

أحمد م. ياسين

      أن تمرّ أمامنا صورة رضيع شهيد و يكون الأمر عاديا” بالنّسبة لنا، أو أن يهزّ جانبا” من إنسانيتنا لثوان ثم يخفت، هو بحد ذاته أمر غير عادي، إما تحوّلنا لوحوش لا يؤثر فيها الموت، أو إعتياد عقلنا كما عيوننا مشاهد الموت و صور الضّحايا، بكلتا الحالتين، أصبحنا أرقاما” لموتى دون أسماء، تتكاثر جثثنا كل يوم.

     أصبحنا مشاريع أموات قيد الطّلب، نتوزع جغرافيا” على حدود وهمية يبددها وحدة اللغة و إمتزاج الدّم، يسقط شهيد في العراق، تحتضنه أم في سوريا و يبكيه إبن في ليبيا، ليستمر الخريف علينا نتساقط فيه كالأوراق، بكثرة دونما هالة للموت، تضيع فيها الأشلاء بعد تناثرها، لتجمع في أكفان لاحقا” و تدفن في مقابر الأرقام، ارقام الموت المقيت.

      ببساطة في عدد الحرف، إعجاز في فن المقاومة و قداسة في الصّمود، إنها غزّة، غزّة التي تخوض بدماء أبنائها اليوم معركة أصبحت قدرا” عليها، معركة الشّرف العربي، معركة البوصلة، ان هنا فلسطين يا عرب، هنا أرض بنى عليها حليف معظمكم مغتصبات له و دولة، أو بالأحرى، هنا جيش بني له دولة لا دولة بجيش، هنا على الأرض ذاتها طفل يلعب ببقايا الرصاص، بدل أقلام الرّصاص، لكن، نحن في غزّة لسنا بخير كما يشاع، نحن نتألم، نبكي، نضحي، نموت لكي نكون بخير، لكنّا ما زلنا نقول، طمّنونا عنكم…

    في غزّة طفل عشق فريق كرة أوروبي فإعتنق حلما” باللعب فيه، إشترى يونس أحمد خضر أبو دقّة، إبن الثلاثة عشر عاما” ثيابا” للنادي، يغسل المتسخة ليلبس الأخرى، لكنها الكنزة ذاتها، قتل يونس الصّغير و هو يرتديها و قتل معه حلمه يالإحتراف، هو يونس، و هم أطفال غزّة، أطفال كبروا باكرا” جدّا”، لا على أنغام الموسيقى و ليس دائما” على مقاعد الدّراسة، بل كبروا على أصوات القذائف و هطول الصّواريخ كالمطر، كبروا يحاصرهم الإخوة و الأعداء، كبروا و ما كبرت معهم إلى جانب معاناتهم إلّا أحلامهم الوردية التي يحرصون على تجديدها كلّ يوم، علّها تكون الأمل المنقذ.

     إذا”، غزّة ليست اليوم كما البارحة كما غدا” بخير، تقصف و يستشهد من فيها، تبكي الأمّهات و ترمّل النّساء، ييتّم الأطفال و يخسر الصّديق صديقه، كل هذا كي نكون نحن بخير، بأمل نصر يتحقق كلما إستمر الصّمود مقاوما” إسرائيل و صمت العرب، صمتهم و غرقهم في عارهم قبل دفن رؤوسهم في براميل نفطهم، صمتهم و سدّ آذانهم عن أوجاع الفلسطينيين مرضاة لأسيادهم و أصدقائهم الأوفياء، نعم، بيريز صديق أحدهم الوفي، و تنتصر، ربما رغما” عن انوفهم أيضا”، تنتصر كمقاومة لبنان بينما هم يذبحون بعضهم بعضا”.

     هي عزّة المنتصرة، التي تركل بتضحياتها موائد السّياسة الغربية العربية الإسرائيلية، و تسقط من أيدي أصحاب القرار كؤوس الدّم و أنخاب القتل، تنتصر و تضرب تل الرّبيع “أبيب”، تنتصر و تتحدّى، تقاوم عين الحق مخرز العالم، تنتصر، و ستنتصر، و ستبقى هي هي، عزّة الألم المنتصر، إبتسمي، نحن بخير بفضلك.