Posts Tagged ‘السيد حسن نصر الله’

أحمد م. ياسين
أن تفكّر في ما يجري حولك، او أن تقوم بما يُسمى بجولة أفقٍ على ما يجري، تتفكّر من خلف شاشتك التّي تسجن العالم خلفها وتسجنك معه. ماذا يجري؟ هل تغيّر في حياتي شيء غير بعض المتغييرات في الشّكل، تبديلٌ في شكل اللحية أو تساقط شعر ووزن زائد؟ هل أنا جاهز فعلاً لإستقبال عامٍ جديد؟
تراودنا جميعاً هذه الأسئلةُ على الأرجح، ما معيار القياس في مدى الإستعداد لإستقبال عامٍ جديد؟. عند القيام بجولةٍ على الفضاء الإلكتروني بما يحويه من آلام، خيبات، أحلام، طموحات وغيرها، إن كانت تجارب شخصية أو أحداثاً جماعية، ومن ثم مقارنتها بالعام الذي سبق أي 2013. يظهر الشّبه جلياً لا بل تتعاظم الكوارث مع كل عام، وكأن المصيبة كانت حُبلى وأنجبت طفلتها المأساة على أرض الشّرق الأوسط، فتكبر المأساة كل عامٍ لتأكل من أعمارنا وأيامنا، من أمننا وحيواتنا، من طموحاتنا، حتّى أمسى الطّموح بالخروج من المنزل والعودة إليه أقصى الطّموحات.

ماذا عن ليلة رأس السّنة؟
“كيف ستقضي ليلة رأس السّنة؟”، “وين السّهرة؟”، أحاول جاهداً أن أتجنّب الإجابة، لا أدري لماذا، لكن ربما أصبح لرأس السّنة طقوسٌ معيّنةٌ يجب     على الجميع ممارستها، ماذا لو كانت الإجابة: “في المنزل، كأي ليلةٍ من ليالي السّنة”. ستُرسم ملامح الصّدمة على وجه السّائل، “في المنزل؟!!”، أصبح قضاء هذه الليلة في المنزل فأل نحسٍ على صاحب القرار ربما.
طبعاً، دون أن نُغفل نجوم ليلة رأس السّنة –عدا ليلى عبد اللطيف، فهي نجمة كل شهر-. يحتل المنجّمون الشّاشات التّي تسمّر، يتسمّر وسيتسمّر    خلفها الملايين من الغرقى الباحثين عن خشبة الخلاص. تُستهل التّقارير طبعاً بجولةٍ على إنجازات العرّاف\المنجّم الخارق، كيف أصاب وأين أفلح، مع توريةٍ مقصودة لمكامن إخفاقه وفشله. يرسم العرّاف\العرافة إبتسامةً عريضةً وينطلق الحديث في أجواءٍ من الرّهبة والتّرقب. ماذا سيقول؟ هل ينتظرنا مستقبلٌ مُشرقٌ أم سيستمر النّفق الأسود في التّمدد وهوّة خلافاتنا في الإتساع؟ متى سيتكلّم! في جو توترٍ مترافقٍ مع قضمٍ للأظافر والأصابع ربما، بحثاً عن بارقة أملٍ ولو من عرّاف دجّال، او مشعوذة متموّلة.
قد يبدو الحديثُ شاعرياً، لكن لاعام جديدٍ إن لم يحمل من المتغييرات ما يمسح سابقاته من الأعوام. قليلٌ من الطّموحات أو الأحلام ربما لا تضرّ، ماذا عن وطنٍ عسكره حرّ لا يأسره غير حبّه لوطنه وواجبه بالدّفاع عنه، لا عصاباتٍ تكفيرية إحترفت الإجرام. ماذا عن وطنٍ سماؤه ليست مسرحاً تتراقص فيه سُحب دخان العوادم وغيرها، وطنٍ لا عجقة سير فيه بل نقلٌ عام منظم لا باصاتٍ متفلّتة كأنها قنابلٌ موقوتة، وطن لا تقنين مائي فيه وهو عائمٌ على ثروةٍ مائية، وطن لا يفهم سكّانه معنى كلمة “إشتراكٍ كهربائي” أو “ديجونتور”، وطن للقراءة فيه معنى وللإنجاز العلمي والرّياضي تقدير، وطنٌ بهيئة وطنٍ فعلي.

آمل أن أستقبل ونستقبل عاماً لا موت فيه، لا معاناة، عامٌ فيه قليلٌ من ضميرٍ يمنع إعلامه من الإتجار بأوجاع ضحايا الإرهاب أو الفساد، عامٌ مطابقٌ لأدنى مواصفات العيش الكريم، أو العيش أقلّه، لا الموت على أبواب السّفارات وفي عبّارات الهجرة، أو التّدافع على حجز وظيفة ولو بأجرٍ لا يكفي صاحبها قوت يومه، على أمل، كل عام ونحن كما كنّا من قبله.

(المزيد…)

Advertisements

أحمد م. ياسين
  “زمن البكي جايي ع كلّ البيوت”، قالها طلال حيدر وإتخذ  القتلة من هذا القول دستوراً حملوه من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا. شهية المفترس الأكول مفتوحة، يبتلع الأعمار ويسرق منّا كل يومٍ العشرات. أمسينا في هذا الشّرق أرقاماً، فمن أكمل يومه وأنهاه فبدأ بغيره بطل، نحن مشاريع شهداء لمشاريع لا نعرفها ولا ناقة لنا فيها أو جمل.

من كان ليصدّق أن أقصى طموحاتنا هو ميتةٌ على فراش تُعدّ نسبياً ميتةً مرفّهة، أقلّه بجسدٍ كاملٍ لا أشلاءَ متناثرة، أو رأساً إنفصل عن جسد صاحبه دونما سببٍ وجيه. أن تصبح عجقةُ سيرٍ أو أي تجمّعٍ بسيط عبارةٌ عن فيلم رعب، أن يغدو الخوف رفيقاً دائماً وإجبارياً، يعني أن تتحول الحياة إلى مرحلة  ترقّبٍ للموت الحتمي القادم، لكن لا نعرف على صهوة أي شيطانٍ سيركب، شيطانُ الإنتحاريين أم مقصلة الكبار، هذه هي حياتنا اليوم، فصول موتٍ متعدّدة الأوجه ولو أن مضمونها دونما شكّ، واحد.

ما كان الشّهيد هيثم أيّوب الذي قضى في تفجير السّفارة الإيرانية، أو محمود جمال الدّين شهيد تفجير ضهير البيدر الأخير ومعهم عبد الكريم حدرج شهيد تفجير دوّار شاتيلا أن بزّاتهم الرّسمية كأمنيين ستتلوّن بالأحمر، إرتضوا ومثلهم كُثُرٌ مجهولون أن يكونوا الأضاحي على مذبح الوطن وما تبقّى منه، آثروا أن يموتوا هم كي نحيا نحن، ومع ذلك، لا زال بعضنا يتذمّر من إزدحامٍ بسيطٍ على حاجزٍ أمني، مع أن المفاضلة الوحيدة الموجودة في هذه الحالة، هي بين ضياع ساعة أو أكثر، أو ضياع عمرٍ بأكمله. هيثم، جمال وعبد الكريم، لكم ولرفاقكم المجد والخلود، أبطالاً بأوسمة شرف، ولو أن طموحاتكم  وأحلامكم قد إنتهت، كل ما أردتموه كان عيشاً كريما، ولكن لحملة الموت الظّلاميين كلامٌ آخر وإن أفشلتم مخطّطاتهم بأجسادكم فكانت قرابين.
لم يختر عبد الكريم أن يكون إستشهادياً بل أُجبر على هذا الخيار بين المرّ والأمرّ، لعبد الكريم رفاقٌ وعائلة، ولغيره من الشّهداء أيضاً، يدفعون وندفع ضريبة تضارب المصالح والمشاريع من أحلامنا وحيواتنا. ترخُص دماؤنا كرمى لدقّ مسمارٍ في طاولة حوارٍ هي نعشٌ لنا وطاولة قمارٍ لهم. يقامر هؤلاء المتنطّحون على الشّاشات بخُطب رنانة وبيانات صدّاحة بأعمارنا ثم يتباكون علينا. لا يعنيني وغيري إنتخابُ رئيسٍ للجمهورية، ربما تُنصفني السّلسلة التي تنسفون، لا يعنيني تعيينٌ هنا ووظيفةٌ هناك، ما يعنيني بعد إنسحابكم عن الشّاشات هو أن أخرج من منزلي دون أن ألقي نظرة وداعٍ على أهلي بينما أذهب لشراء علبة سجائر، تعبنا.

جولةٌ صغيرة في أي حيّ أو شارع تكفي لقياس حجم اليأس بين النّاس، أو نظرةٌ على أبواب السّفارات، كفر الشّعب بالإصلاح فتعايش مع الفساد حتّى أمسى واقعاً، ضاق الشّعب ذرعاً بدعوات التّغيير فبقت المحاور السّياسية ذاتها من 8 إلى 14 وما بينهما من وسطيين، وصل الشّعب ووصلنا اليوم حدّ اليأس حتّى من الحياة ليقيننا بقرب شفرة المقصلة من نحورنا، قد أبدو متشائماً لكن كيف لي أن أتفائل؟ إعتدنا في كُتب الأساطير أن نؤمن بطائر الفينيق، لا بدّ أن ينفض طائرنا عنه الرّماد ويعود للتحليق رغم الجراح، لكننا نُغفل أن مع كلّ حريقٍ نخسر منّا أبرياء لا علاقة لهم بالمشاريع، أبرياء لا يعرفون أصلاً من هو بندر أو قاسم سليماني، لا يكترثون لا لمعارك إيران والسّعودية، ولا لمشاريع أميركا وتركيا، هؤلاء من يتحسّسون رقابهم في كلّ يومٍ كيفما تنفّسوا في حين أن القاتل يعدّ عليهم أنفاسهم، لكن يبقى الأمل لا شيء غيره، الأمل بأن يخترق شعاع النّورظلام الموت المخيّم فوق رؤوسنا.

أحمد م. ياسين

    أن تتحول من ناقلٍ للخبر إلى الخبر بحدّ ذاته. ان تتصدر صورك الصّحف وإبتسامتك الشّاشات وقد شدّدت الرّحال، أن نبكيك عريساً على مذبح الشّهادة والواجب المهني. هو الألم يا حمزة، لم تكن لتعلم أن رحلتك القلمونية هي الأخيرة بيننا والأولى إلى الأبدية. مَضيت يا حمزةَ وخلّفت وراءك قلمك وكرسيك، دفاتر شعرك وقصائدك، ورفاقً غير مصدّقين.

    لست أدري إنما كانت كلمات النّعي في محضر شهادتك يا حمزةَ ورفاقك هي سيدةُ الموقف. كيف يُنعى من كانت إطلالته وإبتسامته صنوان، كيف يُنعى الفرح يا حمزة، أو الحُلُم يا حليم، أيُرفع نعشٌ لمن رفع التّحية لمريم يا أبو جعفر؟ مهلاً..

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

   إستفاق اللبنانييون صباح الثّاني  والعشرين من تشرين الأول على مفاجأة تتعدّى في أهميّتها دخول غينيس عن إنجاز أكبر صحن حمّص. لبنان الآن أصبح على رأس أكبر المنظّمات الأمنية العالمية، هكذا ودون مقدّمات، لبنان يترأّس الإنتربول الدّولي.

     رئاسة الإنتربول؟، هذا ما بدأ الإعلام اللبناني والمحسوب على المرّ بإشاعته، الرّجل عبر من الدّاخلية إلى العالمية الأممية، بحسب إعلامه، إرتقى الوزير الطّيار رتبةً فطار من المستوى اللبناني الضّيق إلى الفضاء العالمي، لم يعد المرّ منتظراً في منزله أن يُمنح وزارةً من حصّة الرّئيس، أصبح الرّجل رئيساً يُشهد له، رجل محاربة عبدة الشّيطان ذو القبضة الحديدية.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

    مقاتلو حزب الله إلى الواجهة مجدّداً، هذه المرّة من باب وحشيتهم في تصفية وقتل بعض “الثّوار” السّوريين، والدّليل هو مقطع فيديو مسجّل لمدّة دقيقة وقرابة الأربعين ثانية، للوهلة الأولى، يُصدم المُشاهد بما يرى، مقاتلون بزيّ عسكري يُخرجون جرحى وجُثث من سيارةٍ رباعية الدّفع، يشتمونها قبل أن يفرغوا مخازنهم في رؤوس الجرحى العُزّل، كما يقول العنوان، هكذا يتعامل حزب الله مع الجرحى.

   لكن ماذا لو تحقّقنا من التّسجيل؟ حسناً، هنا تبدأ الأسئلة الجدّية بطرح نفسها بعيداً عن الإفراط في المشاعر والأحاسيس، طبعاً مع التّأكيد على هول ما ورد في التّسجيل وبربريّة منفّذيه :

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

  “أرجوك فتّشني”، يبدو الأمر للوهلةِ الأولى جزءاً من مسلسلٍ أو فيلم، لكنه في الواقع، جزءٌ من الواقع اليومي، واقعٌ مترجم على الأرض بحواجز ونقاط تفتيش، إنّها الضّاحيةُ الجنوبية لبيروت، حيث حواجز الحماية للأهل والوطن.

   يتشابه شعار “أرجوك فتّشني” والعرس الذي أقيم بعد تفجير الرّويس، يشبهه في محاولة أصحابه إظهار الحواجز كنموذج حياةٍ وحماية طبيعية، لا مُشكلة في وجود الحواجز، لن تُوقف التّفجيرات حبّنا للحياة ولا إرادتنا على البقاء، لم نركع أمام عدوٍ مستترٍ ولم نركع سابقاً أمام قوّة أعتى منه، أي “إسرائيل”، مع ذلك لا مشكلة مع وجود الحواجز، رغم ما يمكن أن تسبّبه من تأخيرٍ وازدحام للسير، يهون الانتظار أمام خيارٍ آخر لونه أحمر يلوّنه رسّامه بدماء الأبرياء، لكن، “أرجوك فتّشني”؟ لماذا؟ هل أنا مجرمٌ أصلاً كي تُفتّشني؟

   لم تأتِ حواجز الضّاحية، الجنوب والبقاع من العدم، ولا تلبيةً لغاياتٍ في نفس حزب الله كإنشاء دويلة، فرض منطقة أمنٍية أتى بعد تفجيريّ بئر العبد والرّويس، وكان الشعار المكتوب على الحواجز “حماية لأهلنا والوطن” تعبيراً عن هدف الإجراءات الأمنية، لكن الحاجز أو من كتب الشّعار نسي أو ربّما تعمّد ان يتناسى إكمال الجملة بـ “بعد أن أقرّت الدّولة بعجزها عن ذلك”، ولعلها ليست المرّة الأولى التي تتقاعس فيها الدّولة عن واجبها بحماية أمن مواطنيها، هذا ما أوجد المقاومة أصلاً منذ سبعينيّات القرن الماضي.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

   الجيش هو الحامي للحدود والضّامن للامن الوطني، هو المسؤول عن صدّ الاعتداءات الخارجية من أي طرف أتت، بينما تُناط بقوى الأمن الدّاخلي مهمّة صون الأمن الدّاخلي وحل الاشكالات بين أبناء الوطن الواحد، أو الموجودين على اراضيه من نازحين ولاجئين، هذا هو البديهي في أي دولة في العالم، دولةٍ تحترمُ نفسها، إلا في لبنان، فلا يكادُ كادرُ الصّورة أن يخلو من مسلح، حتى يظهر آخر في منطقة أخرى، عدا عن حشر كل طرفٍ أنفه في حربِ سورية الأهليةِ الداخلية، إذاً، في لبنان تختلف الشّرائع والأعراف، في لبنان سلاحٌ غير شرعي خارجٌ عن سيطرة الدولة كلياً.

  أصبح من المعروف أن مشكلة لبنان الثّانية بعد الاقتصاد هي الأمن مع أن الأمن يتقدم على الاقتصاد أحياناً، سلاحٌ منفلتٌ في كل مكانٍ ولكل طرفٍ تبريراته، هذا ما نعيشه منذ زمنٍ بعيدٍ لا أذكر إن كنت قد ولدت حينها أم لا، آخر فصول هذا الانفلات كان هجوم الارهابيين على الجيش في عبرا، سقط خلاله أكثر من ١٧ شهيداً للجيش على مذبح الوطن ودرءًا لفتنةٍ أعد لها الأسير ومن دعمه عن سابق إصرارٍ وتصميم، فتنة ما كانت لتبقي أحداً، وأول ضحاياها هم من يحاولون اشعالها، أي الفريق المغطي سياسياً للأسير والظّواهر المشابهة له، أي من غطى فتح الإسلام في نهر البارد سابقاً، من غطى ودعم جند الشّام وعصبة الأنصار، هذا الطّرف هو المسؤول الأول عن دماء الجيش، لكن كالعادة وفي وطنٍ قضاؤه مرتهن، لن يحاسب أحد ورحم اللّه من سقط شهيداً! هل سلاح الميليشيات هو الوحيد المنتشر؟ بالطّبع لا، بل سلاح حزب الله أيضاً، هذا السلاح الذي يستخدمه الفريق الداعم للظواهر المتطرفة كغطاءٍ يبرر فيه مخططاته، سلاح الميليشيات مقابل سلاح الحزب، معادلةٌ يحاول البعض ارساءها وسيفشل. (المزيد…)

أحمد م. ياسين
إذاً، إنحسرت معركة القُصير وإنتهت لمصلحة النّظام السّوري مدعوماً من حزب الله، سيغيب وجه هادي عبد الله عن الشّاشات وسيُعيد لُؤي المقداد حساباته، فالإئتلاف السّوري إعترف بأول هزيمةٍ عسكرية،    كلّ هذا على أرض الميدان السّوري حيث تدور رحى الحرب الأهلية السّورية، لكن، يأبى اللبناني إلّا أن يكون شريكاً ثابتاً بكل ما يمتّ للكوارث بصلة.

    نجد أنفسنا اليوم أمام إنقسامٍ عامودي فيما خصّ الحرب الأهلية السّورية بين اللبنانيين، إنقسام كان حتماً سيقود إلى حربٍ أهليةٍ لولا غياب القرار الدّولي، فإقتصر الإنقسام على إنفلات أمني وإقتتال طرابلسي    أصبح إعتيادياً، ففي حين يغتال النّواب آخر ما تبقّى من ديمقراطية ويمدّدون لأنفسهم، تُفرّخ في الأحياء الفقيرة زعاماتٌ وقياداتٌ يُجبرون السّياسيين على السّير خلفهم بعد أن كانوا هم أدواتٍ يستغلّها السّياسيون في بازاراتهم، هذه هي حال طرابلس، مدينةٌ أُخذت رهينةٌ لحين إنتهاء الحرب في وعلى سوريا، مدينةُ لا تُشبه الصّورة القاتمة المنقولة عنها، مدينةٌ تُعدّ من المدن الأفقر متوسطيّاً، مع ذلك لا تفارق الإبتسامة محيّا من فيها، طرابلس ليست باب التّبانة ولا جبل مُحسن وحدهما، بل فيهما ربّما تظهر صورة المدينة الفقيرة، طفلةٌ بدل أن تحمل لُعبتها تحملُ السّلاح، طفلٌ لم يعرف مقاعد الدّراسةِ بقدر معرفته بمقاعدِ ما خلف المتاريس، في طرابلس مسلّحون، يفتحون نيرانهم متى ما شاؤوا ويغلقونها أيضاً كما فتحوها، أغلب الأحيان دونما سبب، نيرانٍ تُحرق المدنيين من سكّان المنطقتين، ذنبُ السّكان الوحيد أنّهم وجدوا هنا، وجدوا على فوّهة بركانٍ يحاصرهم، فلا هم يقدرون على المغادرة بسبب فقرهم، ولا على البقاء بسبب رصاصٍ طائشٍ يعزف ألحان موتهم، هي طرابلسَ الضّحية، وهمّ جلّادوها، هم من جرّوا العامل السّوري كمثل ما تُجرّ الحيوانات وحبل حقدهم يلتف حول رقبته، هم من يتقاتلون ليل نهار، عصابة صغيرة تتحكم بمدينة كبيرة، مدينة طرابلس الشّقيقة..

  طرابلس أمست صُندوقَ بريدٍ للقوى الدّاعمة للحرب في سوريا، ليست طرابلس وحدها، صيدا كما الشّمال والبقاع، عرسال خاصةً تحجز لنفسها مكاناً في الصّورة، صورةٌ شاء البعض تغييبها، فالجيش اللبناني    يُقتل هناك، حاله حال المدنيين، الدّولة عاجزةٌ وإن ما فكّرت بالرّد، يُقابلها هجومٌ على مؤسّساتها وتهديدٌ لها بالإنشقاق والفتنة المذهبية، هكذا صودرت طرابلس لمصلحة هؤلاء، جعلوا من أنفسهم الدّولةَ بعد إعدام العسكر والدّولةِ ذاتها، هم ذاتهم من إحتفلوا ووزّعوا الحلوى عند سقوط شهداءَ لحزب الله، هم من جرّوا العامل السّوري بحبلٍ وضربوا آخر، هم من أحرقوا الصّهاريج السّورية، مع ذلك، “هم مع الثّورة” فيتغاضى عن قبحهم من يلطم الخدّ ليل نهارٍ على السّوريين، حسبما يزعم.

  في المقابل، يُجلد حزب الله ليل نهارٍ على تدخّله في سوريا، تُعقد المؤتمرات، تُنظّم الإعتصامات، تُحرق الرّايات ويعلو المنابر من يشتم الحزب في كلّ مكانٍ جتّى في معاقل الحزب، نعم حزب الله قاتل في    القصير لحماية قرى لبنانية في حوض العاصي أولاً، حماية خطّ إمداده بالسّلاح كمقاومةٍ ثانياً، وثالثاً لدرء الخطر الذي يرمي بصواريخه على قرى البقاع اللبناني من القصر، الهرمل، سرعين والنّبي شيت وغيرها، حزب الله يحمي لبنان من القتل كمل قُتلت الطّفلة لولو عوّاد، لكن لولو ليست مادّةً دسمةً ليتباكى عليها مثقّفٌ من خلف شاشته، أو من على مقعده في أحد مقاهي شارع الحمراء حيث تعالت الضّحكات يوم إستشهاد يارا عبّاس مراسلة الإخبارية السّورية، يارا كما لولو، لا قيمة لحياتها كإنسانٍ فهي إختارت تأييد “النّظام الأسدي”، لنشرب نخب مقتل هذه “الشّبيحة”، هذا المُثقف عينه هو من يكتب على مواقعه وفي صحفه واصفاً حالةَ غضبٍ شعبي على الحزب كلما شيّع شهيداً، وصل الحدّ ببعض المثقّفين أن أجرى لقاءاتٍ مع مقاتلين للحزب كانوا قد إنشقّوا “في مخيلته” وكتب النّص، ينصرف هو شاتماً من سقطوا، رافعاً شعار “لقد سقط حزب الله” و”لا مقاومة بنظرنا بعد اليوم”، متى كنت أنتَ أصلاً من مؤيّدي خط المقاومة ونهجها؟ من أولى بالحديث عن المقاومة، عوائل الشّهداء أم انت؟ من نصّبك أصلاً متحدّثاً باسم المقاومة أو الجنوب؟

   لست من مريدي تدخّل الحزب في سوريا، ولا من المهلّلين لسقوط شبابٍ لبنانيٍ على الأرض السّورية وفي ميدانٍ غير الميدان المقابل لإسرائيل، لا أريد أن أرى الحزب مقاتلاً في سوريا، أتقبّل ذلك مُكرهاً    ومثلي كُثُر، كُثُر حتّى ممن وزّعوا البقلاوة في يوم سقوط القُصير، لم ترق الصورة ربّما للإنسانيين “بالإنتقاء”، كيف يوزّعون البقلاوة على دماء الأبرياء؟!!، نعم، لا أبرياءَ غير الشّعب السّوري، ضحيّةُ مواقفكم والإرهاب من جهة، والنّظام الفاسد من جهةٍ أخرى، لستم أنتم أصحاب الحقّ بالبكاء على الشّعب السّوري أكثرَ منه هو، أنتم من غطّى قتله في ال 2005 إبّان مقتل الحريري، أنتم من حرّض على إحراق المساعدات التي أرسلناها كجنوبيين للنازحين السّوريين والفلسطينيين، أنتم من قال “لا نقبل مساعداتٍ ممن يقتل شعبنا”، لكن.

   لكن طوال ثلاثة أسابيعٍ من المعارك الدّائرةِ في القُصير لم نرَ صورةً واحدةً لضحيّةٍ مدنيٍ ممن إعتصمتم لأجلهم، أين هم؟ كيف “قتل حزب الله” الشّعب السّوري، خارج مخيّلاتكم طبعاً؟ أين تنسيقية القُصير    وصور الضّحايا؟ حزب الله أعلنها جهاراً أنه سيقاتل في سوريا، لكن ماذا عمن أعلنوا الجهاد والنّفير في لبنان؟ لم نسمع منكم كلمةً تُدينهم ولو كلمةَ نفاقٍ كي تخرسونا، لم وُزّعت البقلاوة؟ وُزّعت فرحاً بدرء أكلة القلوب وقاطعي الرّؤوس.

عمد اهالي طرابلس بدورهم على توزيع الحلوى على المارين وعلى السيارات احتفالا بسقوط مئة واربعين عنصراً من حزب الله في القصير

   الضّاحية التّي وزّعت البقلاوة هي ذاتها التّي تستقبل مِئات الآلاف من النّازحين السّوريين، مُعارضين كانوا أم مُؤيّدين، يجوّب فيها السّوريون كيفما أرادوا دون حبلٍ في رقبةِ هذا أو إعتداءٍ على ذاك، حتّى يوم    خرجَ علينا آل المقدادِ بجناحهم العسكري، ظلّت الضّاحية مأوى للسوريين، ومع أنّ لأبناء الضّاحيةِ أشقّاءٌ مخطوفين في أعزازَ من قِبل دُعاة الحرّية، مع ذلك، الضّاحيةُ بيتُ السّوريين، وُزعت البقلاوة إبتهاجاً بالنّصر لا فرحاً بالضّحايا السّوريين، لو أنّها كذلك لما تواجد السّوريون في الضّاحيةِ أصلاً.

   نحن لسنا كائناتٍ بلا قلوبٍ ولا أصنام فقدت أحاسيسها، نحن نزّف الشّهداء نهاراً ونبكي فراقهم ليلاً، نحن تلك الأمهات اللواتي تفاخر بشهيدها، من إفتدين الوطن بفلذات أكبادهن، نحن الآياء الذين إستقبلوا    جثامين أبطالهم مبتسمين ولو أن في العين دمعةً تأبى أن تُذرف، نرضى أن يُقتل شبابُنا في سوريا مُكرهين كي لا نُقتل هُنا، حالنا حال الشّعب السّوري الذي يرزح تحت إرهابٍ لم تعرفه سوريا يوماً، فليقرّر الشّعب السّوري مصيره، مع الأسد أم بدونه، هذا يبقى شأنهم الدّاخلي، لكن قبل ذلك، كلّي ثقةٌ أن شعباً صمد في وجه الذّبح والتّقطيع وقصف الطّيران، قادرٌ على أن ينتصر على آلات القتل ودحر الإرهاب عن أرضه، من ثمّ نيل حرّيته حسبما يحدّدها هو، فقط هو، لا من يقطنون الفنادقَ والسّفارات.

أحمد م. ياسين

   دخل ميشال عون وتيّاره معركة الأرثوذكسي، مثل ما دخل حرب 13 تشرين، حمل عون شعاراتٍ كالدفاع عن حقوقٍ يصادرها المستقبل والإشتراكي منذ ما بعد الطّائف، دخل عون المعركة وإنتصر فيها قبل    أن يسمع حتّى ما آلت إليه الجلسات والمفاوضات.

   إنطلق عون في تأييده مشروع اللقاء الأرثوذكسي من إجماعٍ أجبر القوّات والكتائب على السّير فيه، نسّق مع بكركي، حمل لواء إسترداد الحقوق مع مَن يهيمن عليها حتى ولو بالأرثوذكسي، فتح باب النّقاش،    كان دائماً يدعو لقانونٍ بديلٍ يؤمّن عدالة التّمثيل في بلدٍ طائفي الأعراف والتّطبيق، أو إلى النّسبية خارج القيد الطّائفي على أساس لبنان دائرة واحدة، بدا عون متصالحاً مع نفسه وتيّاره، مع شعبه وحتّى مؤيّدي باقي الأطراف المسيحيّة، ببساطة، نصّب نفسه أباً روحياً لمعركة إعادة الحق لأصحابه، وأجبر حلفاءه على السّير خلفه.

   يعرف وعرف عون جيّداً أن الأرثوذكسي لن يمر، جرّ جعجع إلى المعركةِ التي كادت تودي بتحالف الأخير مع المستقبل، كذّب عون مزاعم جعجع بلسان الأخير، فعون ليس مطيةً للمشروع الإيراني، مشروع    “ولاية الفقيه” الذي ما إنفكَ جعجع يخيف الرّأي العام المسيحي به، عون ليس غطاءً لحزب الله ومشروعه، عون هو من إنتزع مقاعد جزّين الثلاثة من فم برّي في الانتخابات الماضية، عون هو من بدأ بالمشاريع التّنموية في مناطقَ لم تعرف إلّا الإهمال في عهد بطرس حرب ومن معه من نوّاب عهد الوصاية السّورية، بينما جعجع ينتظر في معرابَ مقعداً هنا ووظيفةً هناكَ يمنّ بها عليه حلفاؤه، عون أثبت نفسه حليفاً قوياً، بينما جعجع رضي بلعب دور التّابع، لا أدري لماذا.

   لا يخفى على القاصي والدّاني أن مشروع اللقاء الأرثوذكسي، أو الفرزلي كان تقسيميّاً بإمتياز، لكن ألا يعكس الأرثوذكسي ما في نفوس اللبنانيين ساسة ومواطنين؟ ما الحلّ الأنسب في مواجهته؟ أليس النّسبية    خارج القيد الطّائفي؟ ألا يعطي هكذا قانون لكل مواطنٍ حقّه؟ لمَ لم نسمع من قوى 14 آذار أي إشارةٍ للقانون بينما سمعناها من عون وحلفائه؟ عدوان تنازل عن عشرة مقاعدَ كما قال حفاظاً على مصلحةِ البلد، هل يملك عدوان عشرةَ مقاعدٍ أصلاً؟ من أعطاه الحقّ في ذلك؟ مجدّداً خذلت القوّات مناصريها وتاريخها قبل أي أحد، ليست المرّة الأولى، فقد فعلها جعجع سابقاً إبان مرحلةِ إقرار إتفاق الطّائف.

   “عون سرق الاتصالات والطّاقة، عون عمّم الفساد!”، إعتدنا سماع هذه الجمل حتّى باتت روتيناً يوميّاً، هل تعلمون أن باسيلَ لا يملكُ طائرةً خاصةً عكس ما يُشاع؟ هل تعلمون أن نقولا صحناوي ربح في    جميع الدّعاوى المقدّمة ضدّه من قبل نوّاب المستقبل وفي طليعتهم غازي يوسف؟ هل تعلمون أن كتاب “الإبراء المستحيل” دفع بالمستقبل لشراء كمّياتٍ هائلةٍ من النّسخ كي يُخفي ما فيه، وعندما عجز أصدر كتاباً مضادّاً ذي مضمونٍ سياسي؟ هل تعلمون أن من يُهاجم عون اليوم بتهمة التّبعية هم ذاتهم من نُصّبوا نوّاباً وزعماء بأمر عمليات سوري أو سعودي، هم من أمعنوا في السّرقة والفساد، عون إنتزع وزاراتٍ خدماتيةً وجعل منها وزاراتٍ سياديةً يتهافت الفرقاء على أخذها، ماذا فعل جعجع حينما كان في الحكومة؟ لا للمسيحيين، بل لمصلحة البلد التي يدّعي حرصه عليها، ماذا فعل جعجع؟ من ال 2005 لليوم، ماذا فعل غير تعديلاتٍ في أبياتَ شعريةٍ يلقيها من مناسبةٍ إلى أخرى، لم نسمعه يتحدّث عن المخاطر التي تُحدق بلبنان، “فليحكم الإخوان”!

   مصلحةُ البلد تقتضي تسليمه للمستقبل والإشتراكي بحسب ما ترى القوّات، على ما يبدو، لم يرَ جعجع بعد مآثر المستقبل على إقتصاد البلد، أو أنه تجاهل عن قصد سكّان “بريح” الذين لم تُدفع تعويضات    تهجيرهم كاملةً بعد من وزارة المهجّرين التي إبتلع صُندُوقها جنبلاط، الأرثوذكسي وحده يهدّد البلد بنظر جعجع، لا إنتشار السّلاح والمجموعات التّكفيرية، لا هجرةُ الشّباب بفعل الفساد الذي أورثتنا إياه الطّبقة السّياسية بشقّيها، لا الطّائفية المقيتة، خلاص البلد بنظرِ جعجع هو بالتّنازل عن عشرة مقاعدَ مباشرةً، وعن أربعة عشر مقعداً بشكلٍ غير مباشر، إميل رحمة وطوني بو خاطر يمثّلان المسيحيين أكثر من إيلي سكاف وسليم عون مثلاً؟ أم ان الطّائفية لا تسري إلّا على السّاحة المسيحية، بالفعل، ذهب جعجع حيثُ لا يجرؤ الآخرون، ذهب نحو شقّ الصّف المسيحي في وقتٍ هو بأمسّ الحاجة إليه حفاظاً على لبنان مما يُحدق به من مخاطر.

    لن يصدّق الجيل الجديد بعد اليوم حكايات البطولة التي يردّدها جعجع عن القوّات، الجيل القديم ذهب نحو الحركةِ التّصحيحيّة، لكن الجيل الجديد المعبأ مسيحياً على يدّ جعجع سيقف مصدوماً اليوم، “كيف يُفيد    التّخلي عن عشرة مقاعد البلد، لمَ يجب علينا نحن أن نتنازل؟ لماذا تنازل حزب الله لعون بينما أجبرنا المستقبل والإشتراكي على أن نتنازل؟ ألهذا سقط الشّهداء؟”، لا أعرف إن كان جعجع اليوم قادراً على إقناع هذا الجيل بصوابيةِ قراره بالتّخلي عن الفرصة الوحيدة في تمثيل المسيحيين، لا أدري إن كان المختلط بصيغته الحالية يؤمّن لجعجع تمثيلاً أصلاً دون الإستعانة بأصوات الحلفاء، بينما يجلس “الحكيم” محاولاً الحدّ من خسائره، يبتسم ميشال عون منتصراً وواثقاً بأنه اليوم كما الغد، الزّعيم المسيحي الأول والحليف النّد، لا التّابع المُتلقّي، فعلها ميشال عون مجدّداً، يحتسبُ الأصوات، في الأشرفية المصدومة من قوّاتها، في زحلةَ التّعايش والمقاومة، حتّى في البترون مع إنفراط عقد التّحالف القوّاتي مع تركة النّظام السّوري بطرس حرب، على جعجع البحث عن خشبة النّجاة في محيطٍ أغرق نفسه به، فالبرتقالي يحضّر لتسونامي جديدٍ مهّد له جعجع بزلزال كسره الإجماع المسيحي.

أحمد م. ياسين

    لا، لا أقصد السّوريين ممن يحبّون حزب الله المقاوم، ولا من في تمّوز فتحوا بيوتهم متقاسمين لقمة عيشهم وخبزهم مع النّازحين اللبنانيين، لا أعني من جعل من صورة السّيد حسن نصر الله جدارية تزّين    غرف منزله الشّامي، أعني جمهور الحزب القاطن في لبنان وعينه كما قلبه، على سوريا.
جمهور المقاومة، عينه على سوريا مترقّباً ما قد يحمله الرّبيع التّكفيري إلى وطنه، وقلبه عليها مرتعداً، جمهور المقاومة المُستَغل، فالكل يكتب بإسمه –وأنا منهم-، بينما ينصرف هو نحو حقول التّبغ، لتتوارى    خلف إبتسامة الصّغير والكبير فيه حكايات عن ماضٍ ممزوج بألم الاحتلال، وحاضرٍ يعجّ بالإستحقاقات التي فرضت نفسها عليه دون ان يكون له في هيمنتها على تفاصيل حياته اليومية رأي، كما مستقبلٍ يمطي فرس الموت حاملاً رؤوس قتلى تحتّل أجسادهم الشّاشات، هذا الجمهور، هو من يرى الأمل مسجّى أمامه بإنتظار من يأذن بدفنه، أي أملٍ هذا الذي ننتظره؟، مهلاً، ذاك المسجّى امام أحلامنا هو جسدٌ لأملٍ ضعيفٍ عاجز، خرجت منه الرّوح لتبعث في قلوب جمهور المقاومة الطّمأنينة، روحه التي تفرّقت نجوماً تضيء درب العابرين وتؤنس وحشة لياليهم، قف بنا، قف بنا يا حادي هنا، إنّنا نخاف، نخاف الغدّ، قف بنا عند اليوم أو عد بنا من حيث أتينا، فلا يؤلم الجرح إلّا حامليه.

   لا أعرف إن ما كان القدر هو المُلام، أم أن الحظّ ونحن طِباقٌ يستحيل لقائه، تسير إنتصارتنا بالتّوازي مع خيباتنا، يمتزج فرحنا بوجعنا، فالحزن هو ضيفنا الدّائم، فلا تكاد تطرق بيتاً من بيوتنا، إلّا وكان الحزن    لك من المستقبلين، وإن سافرت العبرات على جفون الصّبر، تستحضرك صور الشّباب الشّهيد، في كل شارع، حارةٍ وزاروب، في كل بيتٍ هنا حكايةٌ لشهيدٍ أو مغترب، وإبتسامةٌ تختزل في طيّاتها أقسى درجات الحزن في نفوسٍ صنعت من اليأس قاعدةً للأمل، فكان لها ما أرادت ولو بثمنٍ غال.
في غضون أقل من شهر، كُتب عن هذا الجمهور وبإسمه آلاف المقالات والتّحليلات، تارةً هو ناقم على حزب الله، وطوراً هو يستعدّ للتغيير، لتأييد من لم يكونوا في يومٍ محلّ ثقة، دائماً بحسب الكتبة والصّحف    الصّفراء، لكن هذا الجمهور بقي صامتاً، كأنه والصّمت صنوان، لم يُزل عن محيّاه تلك الإبتسامة، لكن حزنها الخفي ما عاد إسرائيلي القطب فقط، صار الجرح سورياً في الجغرافيا، عالمياً في الفاعل، مع أن الفاعل كمثل المفعول به، يتدوران على لعب الأدوار فيتقناها.

لا، لسنا جدراناً صلبةً ولا روبوتاتٍ تمّت برمجتها على رسم الإبتسامات بين الحين والآخر، نحن الخائفون الذين من خوفهم صنعوا حكاياتٍ يأخذ منها المجدُ مرجعاً إذا ما تعذّر عليه التّعريف عن نفسه، خائفون       كنّا ولا نزال، نتحسس رؤوسنا قبل أن نضعها على الوسائد، هل هي في مكانها؟ أم إقتلعها سيف ثائرٍ لا يرى منّا إلا طريقاً يعبّده بأشلائنا كي يصل الجنّة، من قال أننا لا نتألم في كل مرّةٍ ندفن فيها جثمان شابٍ منّا قد سقط في سوريا؟ من أعطى لنفسه الحق في أن يحاكمنا ويكتب عنّا كأننا في مجتمعٍ شموليٍ أو في ألمانيا النّازية ندين بالولاء للقيادة مهما جرى؟ من المخوّل أصلاً أن يكون الحكم وله الحقّ في القرار أو الفصل؟ أتظنون أن شبابنا يذهبون للموت فرحين أم أنّكم إعتدتم الإستثمار في الموت كي تعتاشوا كالدّود الطّفيلي الذي يتغذّى على الدّماء؟
لسنا عبدة أصنامٍ من القيادات، لسنا مجتمعاً يهوى ثقافة الموت، نحن من يرى في الموت حياة، فيخرج طالباً الحياة لمجتمعه ولو كلّف الأمر موته، قدرنا أن نُحرم نعمة الاستقرار، فقد ولدنا على فوّهة بركانٍ    فكلما حاولنا إخماده، إشتعل أكثر فأكثر، ماذا نرى في النّزاع السّوري؟ لا علاقة لنا ببقاء النّظام أو رحيله، لكن إن كان رحيله يعني ذبحنا لهويةٍ دينية، فمن كشف أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، لن يجلس منتظراً الموت القادم على فرس عزرائيل، يحصد الرّؤوس ويمزّق الأجساد، لن نكون لقمةً سائغةً يعلكها مضلّلٌ عسى أن يذوق فيها طعم الجنّة، وإن كنّا اللقمة التي يتناولها المثقّف ويجني منها دولاراتٍ  يكفيه تذّكر سببها…كي يغرق في عاره.

   لست، كجنوبي، راضٍ عن حزب الله السّياسي، حزب الله أثبت نفسه فاشلاً مذ أن أصبح طرفاً في السّياسة اللبنانية، من إعتصام وسط البلد، إلى حكومات السّنيورة – الحريري وميقاتي، تندر الخدمات في    مناطقنا، حلفاءُ الحزب يجنون المكاسب ويفتتحون المشاريع على حساب صمتنا، تكفيكم نظرةٌ بسيطة على نسب الهجرة، كي تجدوا أننا من الأكثر هجرةً في لبنان، لكن حنقنا وغضبنا على الحزب، هو لممارسات سياسيّه وغيابهم عن آلامنا اليومية، هذه الآلام، وهؤلاء السّياسيين ليسوا هدفاً مغرياً للكتبة والإعلام كي يظهروا إنزعاجنا منهم، فنحن آخر ما قد يهتمون به وإليه عكس ما يكتبون ويتباكون ليل نهار، ليست تجارةً مربحة، بل مهاجمة المقاومة أربح، المقاومة التي يلبس الحزب عباءتها هي نحن وهو، هي الفلّاح، المزارع، الحدّاد، النّجار، المعلّم، المهندس، الطّبيب والعمّار، هي الجنوبي البسيط الصّلب، من يأبى أن يمسح عن جبينه ندى أرضه، الجنوبي مثلي أنا، من عاد إلى منزله بعد الحرب يعد القنابل العنقودية ويقيس الحفر التي أحدثتها الصّواريخ، يقيسها ويتخيّلها كانت لتكون قبراً له، الجنوبي الذي يرسم على ثغره إبتسامةً حزينة، لا ينفك يحّولها جدولاً من أمن وأمل، أمن وأمل صُنّاعه شبّان ندروا حياتهم لحمايته.

      خيارُنا أن يمثّلنا الحزب ليس لزفتٍ على طريق، أو لوظيفةٍ في دائرةٍ فاسدة، إسمعونا جيداً، خيارنا ما بُني إلّا على ثقةٍ بمن وعدوا فصدقوا، قاوموا فحرّروا، من حافظوا ويحافظون اليوم على رؤوسنا في    مكانها قبل أن يحتزّها سيف النّصرة، نصرة الباطل على حساب الإنسانية.