Posts Tagged ‘شهداء’

أحمد م. ياسين
أن تفكّر في ما يجري حولك، او أن تقوم بما يُسمى بجولة أفقٍ على ما يجري، تتفكّر من خلف شاشتك التّي تسجن العالم خلفها وتسجنك معه. ماذا يجري؟ هل تغيّر في حياتي شيء غير بعض المتغييرات في الشّكل، تبديلٌ في شكل اللحية أو تساقط شعر ووزن زائد؟ هل أنا جاهز فعلاً لإستقبال عامٍ جديد؟
تراودنا جميعاً هذه الأسئلةُ على الأرجح، ما معيار القياس في مدى الإستعداد لإستقبال عامٍ جديد؟. عند القيام بجولةٍ على الفضاء الإلكتروني بما يحويه من آلام، خيبات، أحلام، طموحات وغيرها، إن كانت تجارب شخصية أو أحداثاً جماعية، ومن ثم مقارنتها بالعام الذي سبق أي 2013. يظهر الشّبه جلياً لا بل تتعاظم الكوارث مع كل عام، وكأن المصيبة كانت حُبلى وأنجبت طفلتها المأساة على أرض الشّرق الأوسط، فتكبر المأساة كل عامٍ لتأكل من أعمارنا وأيامنا، من أمننا وحيواتنا، من طموحاتنا، حتّى أمسى الطّموح بالخروج من المنزل والعودة إليه أقصى الطّموحات.

ماذا عن ليلة رأس السّنة؟
“كيف ستقضي ليلة رأس السّنة؟”، “وين السّهرة؟”، أحاول جاهداً أن أتجنّب الإجابة، لا أدري لماذا، لكن ربما أصبح لرأس السّنة طقوسٌ معيّنةٌ يجب     على الجميع ممارستها، ماذا لو كانت الإجابة: “في المنزل، كأي ليلةٍ من ليالي السّنة”. ستُرسم ملامح الصّدمة على وجه السّائل، “في المنزل؟!!”، أصبح قضاء هذه الليلة في المنزل فأل نحسٍ على صاحب القرار ربما.
طبعاً، دون أن نُغفل نجوم ليلة رأس السّنة –عدا ليلى عبد اللطيف، فهي نجمة كل شهر-. يحتل المنجّمون الشّاشات التّي تسمّر، يتسمّر وسيتسمّر    خلفها الملايين من الغرقى الباحثين عن خشبة الخلاص. تُستهل التّقارير طبعاً بجولةٍ على إنجازات العرّاف\المنجّم الخارق، كيف أصاب وأين أفلح، مع توريةٍ مقصودة لمكامن إخفاقه وفشله. يرسم العرّاف\العرافة إبتسامةً عريضةً وينطلق الحديث في أجواءٍ من الرّهبة والتّرقب. ماذا سيقول؟ هل ينتظرنا مستقبلٌ مُشرقٌ أم سيستمر النّفق الأسود في التّمدد وهوّة خلافاتنا في الإتساع؟ متى سيتكلّم! في جو توترٍ مترافقٍ مع قضمٍ للأظافر والأصابع ربما، بحثاً عن بارقة أملٍ ولو من عرّاف دجّال، او مشعوذة متموّلة.
قد يبدو الحديثُ شاعرياً، لكن لاعام جديدٍ إن لم يحمل من المتغييرات ما يمسح سابقاته من الأعوام. قليلٌ من الطّموحات أو الأحلام ربما لا تضرّ، ماذا عن وطنٍ عسكره حرّ لا يأسره غير حبّه لوطنه وواجبه بالدّفاع عنه، لا عصاباتٍ تكفيرية إحترفت الإجرام. ماذا عن وطنٍ سماؤه ليست مسرحاً تتراقص فيه سُحب دخان العوادم وغيرها، وطنٍ لا عجقة سير فيه بل نقلٌ عام منظم لا باصاتٍ متفلّتة كأنها قنابلٌ موقوتة، وطن لا تقنين مائي فيه وهو عائمٌ على ثروةٍ مائية، وطن لا يفهم سكّانه معنى كلمة “إشتراكٍ كهربائي” أو “ديجونتور”، وطن للقراءة فيه معنى وللإنجاز العلمي والرّياضي تقدير، وطنٌ بهيئة وطنٍ فعلي.

آمل أن أستقبل ونستقبل عاماً لا موت فيه، لا معاناة، عامٌ فيه قليلٌ من ضميرٍ يمنع إعلامه من الإتجار بأوجاع ضحايا الإرهاب أو الفساد، عامٌ مطابقٌ لأدنى مواصفات العيش الكريم، أو العيش أقلّه، لا الموت على أبواب السّفارات وفي عبّارات الهجرة، أو التّدافع على حجز وظيفة ولو بأجرٍ لا يكفي صاحبها قوت يومه، على أمل، كل عام ونحن كما كنّا من قبله.

(المزيد…)

 

أحمد م. ياسين

“ما تمكّن الجيش اللبناني من فعله في عرسال بيومين عجزت عنه جيوش المنطقة في ثلاث سنوات”، هذه الجملة وردت في تقريرٍ إخباري يحاكي معركة الجيش في عرسال، لو لم نكن في لبنان لكنّا ربما صدّقنا التّقارير والأغاني الوطنية والخُطب الرّنانة، لعل بيان الثّلاثي كبّارة – المرعبي والضّاهر كان الأصدق من حيث النّوايا قبل أن يتراجعوا عنه.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

    أن تتحول من ناقلٍ للخبر إلى الخبر بحدّ ذاته. ان تتصدر صورك الصّحف وإبتسامتك الشّاشات وقد شدّدت الرّحال، أن نبكيك عريساً على مذبح الشّهادة والواجب المهني. هو الألم يا حمزة، لم تكن لتعلم أن رحلتك القلمونية هي الأخيرة بيننا والأولى إلى الأبدية. مَضيت يا حمزةَ وخلّفت وراءك قلمك وكرسيك، دفاتر شعرك وقصائدك، ورفاقً غير مصدّقين.

    لست أدري إنما كانت كلمات النّعي في محضر شهادتك يا حمزةَ ورفاقك هي سيدةُ الموقف. كيف يُنعى من كانت إطلالته وإبتسامته صنوان، كيف يُنعى الفرح يا حمزة، أو الحُلُم يا حليم، أيُرفع نعشٌ لمن رفع التّحية لمريم يا أبو جعفر؟ مهلاً..

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

    مقاتلو حزب الله إلى الواجهة مجدّداً، هذه المرّة من باب وحشيتهم في تصفية وقتل بعض “الثّوار” السّوريين، والدّليل هو مقطع فيديو مسجّل لمدّة دقيقة وقرابة الأربعين ثانية، للوهلة الأولى، يُصدم المُشاهد بما يرى، مقاتلون بزيّ عسكري يُخرجون جرحى وجُثث من سيارةٍ رباعية الدّفع، يشتمونها قبل أن يفرغوا مخازنهم في رؤوس الجرحى العُزّل، كما يقول العنوان، هكذا يتعامل حزب الله مع الجرحى.

   لكن ماذا لو تحقّقنا من التّسجيل؟ حسناً، هنا تبدأ الأسئلة الجدّية بطرح نفسها بعيداً عن الإفراط في المشاعر والأحاسيس، طبعاً مع التّأكيد على هول ما ورد في التّسجيل وبربريّة منفّذيه :

(المزيد…)

 

 أحمد م. ياسين

    إنّها السّادسة صباحاً، يرنّ المنبّه فأسكته، يرّن مجدّداً ومجدّداً حتى أعالج صراخه بضربة يومية تظهر على شكله ندوباً، أنهض من سريري وأتأمّل وجهي في المرآة، من هذا؟ أرفع يدي وأمسح بها وجهي فأراه مغطّى بالدّماء، أفرك عينيّ وأنظر، لا دم على وجهي أبداً، أبتسم وأقول لصورتي أن اليوم يومٌ جميل، لا داعي للهلع.

    أجوب غُرف المنزل مطمئناً على وجود أفراد عائلتي، ما زالوا هنا، كلّ شيءٍ على ما يُرام ويبدو اليوم جيّداً، أحمل أغراضي وأنطلق نحو العمل، مهلاً، نسيت سماع أخبار الطّرق وزحمتها، نسيت أن أحلق ذقني أيضاً، أو ربما لا، كانت الكهرباء مقطوعة أو المياه، لا أذكر.

(المزيد…)

   أحمد م. ياسين

  كثرُ في الآونة الاخيرة ورود هذا التّعبير في الصّحف، نشرات الأخبار والمواقع الإلكترونية :”لم يعد خافياً على أحد تشييع حزب الله لمقاتلين قضوا في سوريا منذ أيام، وقد شيّع الحزب  ..إلخ”، لا أدري    متى كان هذا خافياً أو مخفيّا أصلاً، فالحزب منذ اليوم الأول لإنخراطه في الصّراع الجاري على الأرض السّورية كان واضحاً في ذلك، “نحن لا نقاتل، بل ندافع”، فحتى وسائل الإعلام التي جعلت من هذا الخبرَ مادةً لهجومها على الحزب، لم تشر إلى أي هجومٍ قام به الحزب على أراضٍ سورية.

لست أبداً في معرض التّبرير أو الدّفاع عن تدخّل حزب الله في الصّراع السّوري، فالحزب أدرى بشعابه، لكن الهجمة الإعلامية الموجّهة تثير الإستغراب، ففي حين تغيب الإشارة إلى أي هجومٍ حزبيٍ على    الشّعب السّوري، يظهر واضحاً حجم التّدخل الخارجي لصالح المشروع الذي يمعن في سوريا دماراً، فيظهر الليبيّون، التّوانسة، المصريين، الخليجيّين وحتّى الإرهابيين من بلاد أفغانستان والقوقاز بشكلٍ يوميٍ متكررٍ على شاشات التّلفزة كلّها، طبعاً ما عدا الجزيرة والعربية في وقتٍ سابق، يصمت الإعلام والمثقّفون الدّاعمون لما يسمّى ثورةً سورية عن هؤلاء المسلّحين، يرفضون فكرة حتّى الإضاءة على إرهابهم وإجرامهم، يلصقون بالحرب الدّائرة في سوريا صفاتٍ كالثّورة، أي ثورةٍ تلك التي تقطع الرّؤوس، تبيح الأعراض وتشرّع الإغتصاب؟ لنسلّم وربما أغلبنا على يقينٍ أنّ النّظام السّوري جائرٌ وتغييره حقّ مقدّس تحت إسم الحرّية، لكن ما البديل؟ أيسقط النّظام أولاً ثم نُسقط جبهة النّصرة وأخواتها؟ كيف سنسقط من يرى فينا طريقَ عبورٍ إلى الجنة؟ ببيان إستنكارٍ وإضاءةِ شموع؟

       لقتال الحزب في سوريا عدّة تفسيرات تتنقّل بين العقائدي الدّيني والمحوري المقاوم، فعقائدياً، يبرّر الحزب كما المجموعات العراقية قتالهم في سوريا بواجب حماية المقامات الدّينية لا سيما مقام    السّيدة زينب في دمشق،  حيث يتولّى لواء أبا الفضل العبّاس الدّفاع عن المقام في وجه الهجمات المتكرّرة للجماعات التّكفيرّية، وهناك يتساقط المقاتلون بين قتيلٍ وجريح في صدّ الهجوم على المقام، خاصةً بعد تفجير هذه الجماعات لمقام الصّحابي حجر بن عدي، وإصابة قبّة مقام السّيدة رقية، حيث إستطاعت الجماعات التّكفيرّية أن تجرّ الطّائفة الشّيعية إلى حربٍ معها تحت مسمّى الدّفاع عن المقامات، وأيضاً، لم نسمع عن هجومٍ للواء أبي الفضل العبّاس، بل صدّ هجومٍ على المقامات، من هنا يأتي السّؤال، أين الجيش السّوري؟ هل تفجير الأضرحة الدّينية حرّيةٌ وثورة؟ السّبب الطّائفي ذاته هو ما دفع بأبناء القرى اللبنانية في الدّاخل السّوري، منطقة حمص – القصير إلى تشكيل وحدات وجيش الدّفاع الشّعبي، وكلمة الدّفاع، يبرّرها حمل إبن الرّابع عشرة سلاحاً في الليل، وحرثه أرضه في النّهار، ذنب أهالي هذه القرى الوحيد أنهم لبنانيون من طائفةٍ معينةٍ تقع قراهم على إمتداد خطّ إمداد المسلّحين بالسلاح، فبينما يدافع هؤلاء اللبنانيون عن رزقهم وأرضهم، أو من تبقى منهم في أرضه، تتعالى البيانات الإعلامية لتروّج لتدخل حزب الله في النّزاع السّوري، هذا كان قبل أن يصل الإعلام لا سيما جريدة “الأخبار” وتلفزيون “الجديد” إلى هذه القرى ويوضح من فيها وما يجري فيها، هؤلاء ليسوا مقاتلي حزب الله، بل أبناء المنطقة المنتمين إلى الحزب، هل سمع المثقّفون عن قرى زيتا، مطربة، الصفصافة، السغمانية، الفاروقية، العقربية، الفاضلية، حوش السيد علي، دبين، ناعم، حاويك، الحمام والجنطلية وسكّانها؟ هؤلاء لبنانيون تحت خطّ النّار.


ثاني التّبريرات، هو الدّفاع عن خط إمداد المقاومة العسكري، وهذا الكلام ليس منقولاً عن تلفزيون المنار أو الدّنيا، بل عن تصريحاتٍ لوزير الخارجية الأميركية وجنرالات في البنتاغون، فأحد الأهداف    من الحرب على سوريا وإستغلال حراك الشعب ودمه، هو كسر الفقرة الرّئيسية في العمود الفقري المقاوم، وقد نجحوا إلى حدٍ كبيرٍ في تدمير البنية التّحتية السّورية العسكرية والمعيشيّة، لكن ماذا عن خطوط الإمداد بالأسلحة؟ ما زالت الأسلحة تصل إلى المقاومة اللبنانية على الرّغم من كل شيء، من هنا يظهر الدّور الذي يلعبه مقاتلو الحزب على الحدود وطوال الخطّ المذكور، فعندما يخرج مسؤولٌ غربيٌ أو إسرائيليٌ للتصريح بأهمية كسر هذا الخط، او تدخل القنوات الإسرائيلية المتلفزة إلى سوريا ويستقبلها الجيش السّوري الحرّ، يطرح السّؤال عن مستقبل المقاومة نفسه خاصةً في حال نجاح راكبي الثّورة ومشروعهم، هل سيحاصر لبنان ومقاومته كما جرى مع غزّة أيام نظام مبارك؟ هل يكون هذا مقدّمة لعدوانٍ على لبنان يهدف للقضاء على المقاومة تحت غطاءٍ طائفي، وعبر كمّاشة تكفيريّة إسرائيلية؟ الجواب موجود عند من يدافع عن خط الإمداد بالسّلاح ويبقه مفتوحاً، فالدّفاع عن الأرض والحدود في ظل غياب وعجز واضح للجيش اللبناني، هو بمثابة درهم وقاية، خيرٌ من قنطار علاجٍ لاحقاً، من يحمي أهالي القصر والهرمل من صواريخ العصابات الإرهابية؟ الدّولة؟ أين هي في ظل النّأي بالنّفس يا ترى؟ ألم يسمع أحد تصريح أبي حفص الأدلبي عن إستعداده للسّلام مع إسرائيل؟

  

    من المؤلم أن يتساقط شبابٌ لبنانييون برصاصٍ سوري أو عربي أو لا أدري ماذا، لكن ليس حزب الله وحده من يدخل إلى سوريا مقاتلاً، فخليةُ تل كلخ اللبنانية ما زالت موجودة، والإعلام ذاته الذي    يهاجم تدخل الحزب، صمت عن خلية تل كلخ وكثر مثلها، شباب المقاومة الذين يتساقطون كزهر ربيعي في سوريا هم يقومون بواجبٍ وطني، فلبنان ليس معزولاً أو بمعزلٍ عن ما يجري في سوريا، وكي لا نكون، او نتفادى أن نكون الضّحية كما حصل مع الشّعب السّوري، يقوم هؤلاء الشّبان يالدّفاع عن أرضهم ومقاومتهم، مجدّداً بالدّفاع، لا الهجوم، وأتحدى أن يثبت أحدٌ العكس، موجعٌ أن نخسر مقاومين، لكن الوجع هو وجع أمهات سوريا ذاته، فالأبرياء السورييون يقضون كورقة مساومة على الطّاولة الرّوسية – الأميركية، فكما ساعد الشّعب السّوري النّازحين اللبنانيين إبان عدوان تمّوز، مساعدة الشّعب السّوري واجبٌ في إعادة امنه وتحصين بلده، ليختار بعدها النّظام الذي يريد، نظاماً يحفظ له حقّه في الحياة الحرّة والكريمة.

 

 أحمد م. ياسين

     منذ توحدّ الجيش اللبناني بعد الحرب الأهلية، و إستطاعت المؤسسة أن تنأى بنفسها عن الإنقسامات اللبنانية الطّائفية و يكرّس نفسه صمّام أمان للوطن، خاصّة بعد مقتل رفيق الحريري و لعبه دور الحامي و المانع للفتنة.

     تعرّضت المؤسّسة العسكرية طوال فترة الإحتلال الإسرائيلي لإعتداءات و هجمات من العدو، حتى بعد التّحرير و في حرب تمّوز، كان للجيش الوطني نصيبه من الشّهداء على مذبح الوطن، ليعمّد بالدّم شراكته مع المقاومة و الشّعب في الدّفاع عن لبنان و حدوده، فكانت حادثة شجرة العدسية التي سطّر فيها الجيش بطولة رغم نقص عتاده مقارنة بالعدو و الأحزاب الدّاخلية الطّائفية، مع العلم أن العالم أجمع يرفض تسليحه خوفا” من عقيدته المعادية لإسرائيل أولا” و أخيرا”، فتسليح الجيش مشروط بتغيير العقيدة و هذا ما لم و لن يحدث، بالمحصّلة، أثبت الجيش أنّه الشّريك الأساسي للمقاومة رغم كل المعوقات من عدد و عتيد.

    لم يكن العدو الإسرائيلي هو العدو الوحيد الذي واجهه الجيش، بل أيضا” واجه العصابات التّكفيرية في المنية و من بعدها نهر البارد، ممارسا” واجبه الوطني رغم محاولات السّياسيّين الضّغط عليه بغية إختراقه كما باقي المؤسّسات الأمنية، فمخابراته ذاتها التي قبضت على عملاء إسرائيل، ساهمت في كشف الشّبكات الإرهابية الدّاخلية، لهذا، أصبح هذا الجيش هدفا” لأصحاب الأجندات، مقدّما” الشّهداء الواحد تلو الآخر، على رأسهم الشّهيد فرنسوا الحاج، ضحيّة الوطن المنسي، فهو ليس شهيدا” تستثمره طائفة، بل شهيد المؤسسة الوطنية، و من يسأل من ملوك الطّوائف عن الوطن؟

       بدون إطالة، يكبّل السّياسيّيون اليوم يدي الجيش اللبناني مانعين إيّاه من الحركة، ففي حين يشير وزير الدّفاع إلى وجود قاعدة و إرهابيّين في عرسال و الشّمال، يغيب ميشال سليمان عن السّمع، ينفي مروان شربل ذلك، و يزور نوّاب الرّابع عشر من آذار المناطق ليوفّروا الغطاء للمسلّحين، الوزير أكّد وجود الإرهابيّين، و رئيس البلدية يدعو الأهل للتّمرد و حمل السّلاح، يغطّيه نوّاب الطّائفة لا الأمّة، يهدّ معين المرعبي و يرعد خالد الضّاهر، يصرخ محمّد كبارة و يغضب جمال الجّراح، يتّهمون الجيش بالعنصرية، فالعنصرية بنظرهم حماية أمن الوطن من المسلّحين، مارسوا و هم الشّركاء في دم من إستشهد من الجيش اليوم سياسة التّرهيب و التّهويل، عاونهم نجيب ميقاتي المتوجّس دائما” و الخائف على شعبيّته و سنّيته، نأى بنفسه عن الأمن رغم التّحذيرات، و وزير داخليّته إنصرف يداري و يصادق السّلفيّين، فيهدّد المعتصمين لحقّ جورج عبد الله، بينما يمازح الأسير و يغضّ الطّرف عن تسلّحه و مشروعه القتنوي، نجيب ميقاتي و مثله النّواب الدّاعمين للإرهابيّين في الشّمال هم المسؤولون عن الدّم الذي سقط و سيسقط، في عرسال، في طرابلس، في عكّار، في بيروت و في صيدا و غيرها، الجيش اليوم يحارب وحيدا” منظومة تروّج لقوانين كالأرثوذوكسي، و تحمي طائفيّتها برفض القوانين المدنية.

       اليوم هو يوم تضامن مع الجيش الوطني و شهدائه، في وجه القتلة، في وجه السّياسيّين الطّائفيّين، في وجه من يجعل من اللعب على أوتار المذهبية شغله الشّاغل، مع المؤسّسة التي حاول النّواب الموتورون كالمرعبي فتح نيران الحرب الكلامية عليها، قبل أن يفتح ميليشياته في عرسال، ميليشيات الحجيري النّار الفعلية على المجنّدين، و يجوبوا بجثامينهم شوارع القرية البقاعية، الجثامين على السّيارت و هم يطلقون النّار إبتهاجا”، على السّياسيّين، و خاصة من يدّعي صداقة الجيش و الحرص عليه إعطائه الغطاء السّياسي ليقضي على هؤلاء دون تهويل طائفي عليه، الجيش هو المؤسّسة الوحيدة المتماسكة، أبعدوا السّياسة و التّقسيم عنها.

  الرّحمة للشهداء، شهداء الجيش اللبناني، جيش “الشرف” الذي لا يعرفونه، “التّضحية” التي لا يمارسونها إلّا بالتّضحية بالوطن لصالحهم، و “الوفاء” الغائب عن قاموسهم

 

أحمد م. ياسين

      “الحرّية لجورج عبد الله”، هذا كان الشّعار الفضفاض الذي جمع و لا يزال رفاق عبد الله إن فيما بينهم، أو مع أطياف المقاومة الأخرى في البلد، قضية السّجين، او الأسير -إنما صحّ تسميته- الإنسانية كمظلة كبرى، و الوطنية المقاومة كسماء فوق المظلّة، قضية ال 29 عاما” من الأسر أصبحت اليوم ادّة أخذ و ردّ مستحدث في العلن، بين أيديولوجيّات مختلفة، مؤيّد و رافض.

    أن يسمع خبر إطلاق جورج بعد 29 عام بحدّ ذاته عيد وطني بالنّسبة لأي لبناني شريف يعرف معنى المقاومة، كما أن الخبر ذاته هو خنجر في ضمير كل من باع نفسه أو تهاون في صون حقوق لأجلها سجن جورج، حقوق كالكرامة و الإنتماء إلى وطن كان حينها تحت الإحتلال، هؤلاء ذاتهم هم من إنتفضوا بعد عملية أسر الجنديّين في تمّوز ال 2006 و التي تحرّر على إثرها عميد الأسرى سمير القنطار، هم ذاتهم من يهاجم المقاومة صبح مساء و لا ينفك يجتمع مع السّفارات واضعا” نفسه و وسائل إعلامه في خدمة كل من يريد تقويض إنجازات المقاومين و تصغيرها، هم ذاتهم من هاجم المقاومة يوم طارت أيوب و حلّقت في سماء فلسطين المحتلّة، هم نفسهم من يستغل النّازحين السّوريين اليوم ليقبض جرّاء المتاجرة بأوجاعهم حفنة من المال، هم نفسهم من كانوا في الماضي عرّابي الإحتلالات المتتالية للبلد إن من إسرائيلي أو سوري، و أذرع الوصايات إن من محكمة دولية أو سفارات، من الطّبيعي أن يزعج هؤلاء جورج عبد الله و أمثاله، لا بل أكثر، من الطّبيعي أن يعرضوا أنفسهم شركاء للسّجان و لعبة طيّعة في يده.

   من هؤلاء، إعلاميّيون و سياسيّون من أمثال سمير الجسر و مي شدياق، إطلالة الجسر كانت يتصريح لا يتعدّى كونه تمسيح جوخ لفرنسا، ما لبثت كتلته أن أصلحته و أصدرت بيانا” يخرس الجسر نفسه، قبل أن تأتي شدياق اليوم لترمي بتصريح أقل ما يوصف بالسّافل التّخويني، حيث أنّها ليست المرّة الأولى التي تفيض فيها علينا الشّدياق إن بعنصريّتها أو بكرهها العلني للمقاومة، فإتّهمت الشّهيدة “الحيّة” الشّباب المعتصم بالمدفوع و الموالي لحزب الله، المحسوب على محور الشّر و عديم التّمئيل إلّا لقلّة لا تتعدى ال 20% و لا أعرف هنا من أين حصلت الشّدياق على الرّقم، إذا ما قصدت عدد المشاركين، فهذا يعني أن 14 آذار التي تنتمي إلها و تيّار المستقبل لا يمثّلان 15% إن ما أردنا العودة إلى المهرجان الأخير للتيار في طرابلس، شدياق المتاجرة بإصابتها و من خلفها جهاد المرّ، الرّاعي الرّسمي للإسرائيلييّن و أصدقائهم في لبنان يحاولون التّرويج لما حاول بعض النّاشطين التّرويج له من قبل، أي ثقافة تقبّل الإسرائيلي، في حين أنهم بحاجة إلى تعلّم ثقافة تقبّل الآخر، الفلسطيني، السّوري، العراقي، المصري، داكني البشرة و غيرهم، تحاول شدياق و معها المرّ أن يفصلوا ما بين إسرائيلي مدني و إسرائيلي آخر عسكري، مع أن المدنيين في ثقافة الإسرائيليّين غير موجودين فإسرائيل مجتمع عسكري أصلا”، لكن كيف لك أن تقنع من أعمته الكراهية و العنصرية بذلك؟ المهم، تتهم شدياق في العلن ما يردّده كثر من اللبنانيين في السّر الأسير جورج عبد الله بالإجرام، و جريمة جورج هي تصفية دبلوماسي أميركي لأن الأخير هو شريك في إحتلال أرضنا، و قتل أبنائنا، لن تفقه مي أو جهاد ما أقول، فمن لم يعرف إلّا الأسواق الباريسية، لن يرى قطرة الدّم على كتاب مدرسي أو وردة جنوبية سقيت منه.

   ربما شهدت الآونة الأخيرة أخذا” و ردّا”، صراخا” عاليا” و أحيانا” شتائم بيني و بين الرّفاق بسبب إعتراضي على شكل الإعتصام و سبل الإعتراض، لكنّي اليوم على يقين  تام، أن البيض و البندورة لن تشوّه صورة النّاشطين أو القضية، بل ستظهر الصّورة الحقيقية للسفارة الفرنسية، الصّورة المستترة لشعارات فرنسا العفنة الرّنانة، فرنسا التي تتغنى بالحرية و تسجن جورج تعسّفيا”، فرنسا برئيسها اليساري الدّاعم لأقصى التّطرف اليميني أي إسرائيل، فرنسا المساواة التي تسرق مالي و ثروتها من اليورانيوم اليوم، فرنسا المقاومة التي تحارب مقاومات العالم كلّه إن ما كانت ضدّ مصالحها، فرنسا الثّورة و الجمهوريات، ربما ظروفي لم تسمح لي بالمشاركة في أي من الإعتصامات، ربما عتبي على ما تعرّضت له من هجوم أسكتني لفترة، لكن الأكيد، ان تصريحا” كمثل ما تقيّأت به مي شدياق سيجعلني أعي مجددا: حجم العداء للمقاومة و رموزها من الدّاخل حتى أكثر من الخارج.

   ما لا يعرفه سمير الجسر، مي شدياق و جهاد المرّ، طبعا” من خلفهم مئات الأقلام المأجورة و الحناجر المسعورة، أن قافلة جورج لن تتوقف مهما حاولوا ذلك، و أن جورج اليوم يمثل قضية، لم يندم على المدافعة عن كرامة وطنه، لم يتراجع عن نصرة شعبه، و لن يعتذر عن قباحة أمثال شدياق، نعم، ستحاول شدياق أن تستدرّ الرّأي العام لدعمها مستغلّة إصابتها، ستسميل ربما مقدّمة في إحدى النّشرات، أن تبث الشّهيدة “الحيّة” سمومها في كل حدب و صوب، ستجعل من نفسها بطلة مضطهدة و شهيدة تحارب حتّى بعد نجاتها، أمّا المؤكّد، اننا بنجاتها نجونا من عذاب محتّم، هو إرفاق لقب شهيدة بإسمها كما يرفق اليوم بغيرها، فنساوي هذه الحشرة المريضة بأنبل النّاس، جورج و رفاقه، كما قالت هي و معها حق، لن تكون الشّدياق و من مثلها في خانة جورج عبد الله أبدا”.

 

أحمد م. ياسين

   شاء القدر، متحالفا” مع آل صقر، أن يحمل عقاب إسمه، ليكون طائريّن جارحين في آن، فيمسي عقابا” يراقب الفريسة كي ينقضّ عليها كصقر يودّ إلتهام ما رصد، هذا ما يفترض، لكن الحقيقة عكس ذلك، فالعقاب ليس إلّا ببغاء” يكرر ما يرده، ببغاء متكلما” يجيد فنّ الإقناع، أو كان.

   إذا”، مرّ قرابة الشّهر على فضيحة تسجيلات النّائب صقر الصّوتية و طوي الملف كأي ملف خلافي لبناني، حتى أن النّاس لشدّة مصائبها، نست ما إقترف الصّقر و لم تذكر من الحادئة كلّها إلّا مؤتمره الصّحفي، كوسيلة من الكوميديا المضّحكة المبكية التّي توصّف حجم التّدخل المستقبلي في الشأن الدّاخلي السّوري، يستطيع أيّ طفل أن يلاحظ الفبركة المعروضة في مؤتمر صقر الشّهير من حيث حتّى جودة الصّوت و الأداء،” الشّيخ سعد جانن، ما عم بنام”، هذا ما أتى في التّسجيل الأول، اما في تسجيل الصّقر، فيبدو أن جنون الحريري مردّه إلى خوفه على تاريخ إنتهاء صلاحية الحليب، الشّيخ “جانن” يريد إيصال المواد الغذائية إلى أطفال سوريا، ما أشبه مواد الشّيخ و من خلفه بمواد إسرائيل المرسلة إلى لبنان في تمّوز، و غزّة في كل حين.

   الحقيقة، أن صقر لا يلام، فالصّقر هو واجهة لأسياده و قد قالها سابقا”، صرّح النّائب أنه لا يتصرف بشيء دون أن يرجع إلى الحريري نفسه، ليرجع الحريري بدوره إلى من يأمره، فتعود الأوامر و تصل إلى صقر، إن من إيصال السّلاح، كمّيته، نوعيّته، حجمه و كيفية إيصاله، وصولا” إلى التّفاوض أو التّحكم بملف المخطوفين اللبنانيّين في أوسخ مسلسل ذلّ و إستغلال لهم و لأهلهم بطله أبو إبراهيم و معه من يموّل صقر، هو النّائب الزّحلي، الصّحافي السّابق المتمرّد، المتكلّم الذّكي من يعدّ خصما” حواريا” يحسب له ألف حساب، يقف خلف المنبر، يشتم، يصرخ، يهدّد، يبرّر و يتوتّر محوّلا” نفسه من كل ما كان، من مرشّح إلى رئاسة مجلس النّواب إلى فارّ مفترض من وجه العدالة، و بوق للحريري، تحت ذريعة الموقف الأخلاقي و دعم الحرّية، حرّية بالسّلاح، بالذّبح، بالجثث التي ترمى من أعالي المباني، أي موقف أخلاقي هذا؟

  لربما، من حيث لا يدري الصّقر، امّن مستقبله و عملا” آخر له غير العمل كببغاء عند آل الحريري، إمّا إحتراف الكوميديا الهزلية و فنّ المونولوج، أو تجارة الألبان و الأجبان، فمما لا شكّ فيه، ان النّائب أصبح ذو خبرة لا يستهان بها في هذا المجال، و صراخه أصلا” يعدّ عاملا” مساعدا” مستقبلا”، يخوّله أن ينادي على الحليب و يسمع حيّا” بأكمله، للأسف، صقر ينتمي إلى فريق يحاضر صبح مساء بالسّيادة و عدم التّدخل في شؤون سوريا، لا بل و يطلقون الإتهامات يمنة و يسرة على الجميع، ليتضح لاحقا” ان لا أحد يمعن في سفك الدّم السّوري البريء أكثر من فريق المستقبل ذاته، ممثلا” بعقاب صقر، من سيكون كبش محرقة يضحّى بها عند أول تسوية تلوح في الأفق، يريد الحريري و صقر أن يستروا عورات نساء سوريا؟ الأفضل للإثنين أن يستتروا، فإذا بليتم بالمعاصي يا سعدا” و عقاب، فإستتروا، أبو سعد صقر، إنتهى سياسيا” إلى غير رجعة، و إنتهى الملف هنا، مع أن من حق الشّعب السّوري علينا محاسبته، لكن نعتذر، في لبنان لا يحاسب أي مجرم، بل يحاضر هو بالشّرف

 أحمد م. ياسين

    أن يحدّثك السّورييّون عن سوريا اليوم، يجبروك على أن تنتقل و إياهم إلى شوارع مدن و قرى لم تسمع بها من قبل، يروون لك قصص تحجّم مفهومك ّعما يجري في سوريا كله، لا مؤامرة كونية و لا حراكا” ديمقراطيا” فلسفيا”  كما يرويه المنظّرون و الممانعون على حدّ سواء.

https://i2.wp.com/the-syrian.com/wp-content/uploads/2012/05/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%85%D8%B5.jpg

       في ما يلي، مشاهد جمعتها من أصدقائي السّورييّن في المقاهي، ليسوا من المثقّفين و لا من خرّيجي الجامعات، بل عمّال عاديّيون أتوا لبنان كي يكفوا قوت يومهم أو هربا” من الموت المحتّم، معلّم باطون، معلّم أرغيلة أو خبير زراعة:

 المشهد الأول : ضربوا والدي

  إبن عمّي، نحن عائلتين، بيت أديب معارضة و نحن بيت عبد الرحمان مع النّظام، هو أغنى واحد عنّا بالضّيعة، مهندس زراعي و عنده بيت و مزرعة و سيارة، يعني شيء عظيم عنّا، هو كبير بيت أديب، كل ما يفعله شبّان بيت أديب، يقوم الشّبيحة بكتابة التّقارير، بمن؟ بإبن عمّي و هو في السّبعين من العمر، عادة إذا ما إفتعل أي شاب مشكلة، يشكيه الخصم لكبير عائلته، لكن الشّبيحة كانوا يكتبون التّقارير أن إبن عمّي يموّل و يحرض الشّباب كي يخرجوا في مظاهرات، المهم، أتى الأمن و الشّبيحة، قاطعته هنا معلّقا”:”شبّيحة؟”، أجابني:”نعم شبّيحة، غيّر إبن عمّي مكان إقامته و قطن منزلنا لكن هناك من رآه و هو يدخل، وصلت الإخبارية و دخل الشّبيحة القرية بحثا” عنه، وصلوا منزله، خرج والدي و هو في الخمسين يسألهم ما الخطب؟، سألوه، معن أديب هون؟ أجابهم لا أعرف، حاولوا إقتحام البيت، طلب منهم والدي أن يدخل معهم، هنا هجموا عليه، تتهمنا بالسّرقة؟! نحن حرامية؟، حاول والدي أن يبرّر موقفه لكنهم همّوا بضربه و حشره في شجرة قريبة، سمع أخي الخبر فهاجم الأمن و ضرب عنصرين، قبل أن يرميهم الشّبيحة داخل السّيارة، من لطف الله أن عمّي الآخر مسؤول في فرع أمن درعا، فأفرجوا عن أخي و والدي عند مفرق الضّيعة، قبل أن تأتي إخبارية أخرى و لكن هذه المرّة  داهم الجيش منزلنا، سأل مين معن؟ رفع معن يده، ما هي إلّا يومين قبل أن يفرجوا عنه لأنه بريء..يا أستاذ، الجيش محترم بس الشّبيحة زعران ما إلهن أمان، عرفوا أنّو معن عنّا، إعتقلوه و لم يفرجوا عنه إلّا بعد أن أخذوا منه مليونيّ ليرة سوري، و كانوا قد سرقوا من منزلنا أربع جرّات غاز…و هنا، سكت صدّيق.

https://i2.wp.com/www.akhbar-today.com/images/cms//eabcf6441d6878936d22e3b43fd0f0a4Destruction-in-Syria.jpg

    المشهد الثّاني : سقط منها الرّضيع

    بالإجازة، آخر مرّة نزلت على سوريا من شهر، شوف يا أستاذ، عنّا اللاذقية أمان نسبيا” و الحي عنّا كل شي في طبيعي، إختفى شاب عمره ثمانية عشر عاما”، بحثنا و بحث أهله عنه، في المستشفيات، في المخافر، في مراكز المخابرات الجوّية، لا أثر له، ما هي إلّا يومين، رائحة موت بدأت بالإنتشار، صعدنا و أمي كي نقطف عناقيد العنب، رأينا ولدين و قدميّن، تجمّع سكّان الحي و إذا به الشّاب المفقود، يا أستاذ، كيف مقتول؟ رصاصة بين عينيه، و عيناه قد قلعوا من مكانهم، عرفت أمه فأغمي عليها، أما أخته، فنزعت حجابها عن رأسها و أخذت تلطم وجهها، حمله والده و مشى فيه مولولا” في الشّارع، كان هناك إمرأة ترضع وليدها الجديد و تقف على شرفة منزلها، رأت منظرا” كهذا، شاب مقتول بلا عينين، أغمي عليها و من شدّة الخوف و سقط منها الرّضيع، سألته، سقط؟!، أجابني، نعم سقط من أعلى الشّرفة، فصار في الحي جنازتين، و إبتسم أحمد قبل أن يغادر.

https://i2.wp.com/www.almasryalyoum.com//sites/default/files/imagecache/highslide_zoom/photo/2012/02/01/228/139736alsh3er.jpg

المشهد الثّالث : خالتي ماتت غاضبة على خالي

أستاذنا، عندي خال أنا في الجيش،  ظابط، إنشق بنصف الثّورة، و إخواته الإثنين بالجيش أيضا”، لم ينشقّوا، و أمه كانت تدافع عنه و ترفض تسليمه للأمن، بل خبّأته في منزل آخر لها، بعد شهرين، خالي مازن المنشق طلب من أخويه أن ينشقّوا مثله فرفضوا، طلب منهم أكثر من مرّة و رفضوا، فما كان منهم إلّا أن ذبحهم سويا”، ذبحهم أمام أعين أمهم و أطفالهم، بلا أدنى رحمة و صاح الله أكبر، شو بدنا نحكي يا أستاذ، هذا كان خالد.

  إذا”، هكذا يرى من أعرف من السّوريين الحراك و ما يحدث في بلادهم، يرونها فعلا” هدّاما” لأمن سوريا و وحدتها، حربا” طائفية خلعت عن إنسانيتها القناع فظهرت وحشا” يقتل بدم بارد، بشر بالشّكل يذبحون بإسم الله و يركلون الرّؤوس ككرات قدم يتسلون بها، تختلف سوريا على أرض الواقع عن ما يرّوج لها المنظرون على شاشات التّلفزة، منظّرون لا يفعلون أي شيء سوى الكلام، أصدقائي السّوريين معارضين كانوا ام من أنصار النّظام، توحدوا على رفض القتل و الحرب، يريدون العيش بسلام كما كانوا جونما قتل في ما بينهم، واحد يريد رئيسا” جديدا” و آخر يصرّ على الأسد، لكن الأكيد، أنهم يرفضون الإقتتال، حاجز الجيش الحرّ قريب من الحاجز السّوري الرّسمي، يعرفون بعضهم بالإسم، يقتتلون، فتسقط سوريا وحدها ضحيّة.