Posts Tagged ‘كريستال أبو شقرا’

 أحمد م. ياسين

   من المعيب ونحن في ال 2014 أن أكتب أو أدوّن عن موضوعٍ كالذي سأكتب عنه.

     بينما أدوّن هذه الأسطر، ينشغل القضاء والمحقّقون بالتّحقيق مع زوج كريستال أبو شقرا، لا شيء أكيد بعد ولا إتهام مُثبت بإستثناء ما أعلنته جمعية “كفى” عن أن كريستال “تُوفيت” مسمومة  بمادة الدّيمول. كريستال أبو شقرا وبعد أيامٍ على أبعد تقدير ستصبح رقماً جديداً يُضاف إلى عدّاد الموت الذي لا يتوقّف عن حصد أرواح السّيدات. ستُضاف كرقمٍ وتُنسى، إلى أن تُقتل أخرى فيستحضر الرّأي العام إسمها وتُنسى هي والضّحية الجديدة مجدّداً وهكذا دواليك.

     كريستال هي الضّحية الثالثة في غضون فترةٍ قصيرةٍ بعد رولا يعقوب ومنال عاصي، هؤلاء بعض اللواتي دفعن ضريبة مجتمعٍ إعتاد إخفاء عيوبه كرمى حُججٍ واهية. ليس الزّوج هنا هو الجاني وحده، بل هو القاتل المباشر ومن خلفه قتلةٌ آخرون مسؤولون عن تبرير وتحفيز هكذا نوعٍ من الجرائم. ربما كان حظّ رولا، منال وكريستال عاثراً فأدركهم الموت تحت قبضة “شريك الحياة” المفترض، لكن من قبلهم كانت فاطمة النّشار التي أشبعها زوجها وعائلته ضرباً فقط لأنها أضاعت فاتورة المياه، وغيرهن كُثُر من مَن يضربون، يعنّفون ويموتون دون ان نسمع بذلك أو نعرف به.

      قانون حماية المرأة من العنف الأسري، يجد النّواب والوزراء صعوبةً أخلاقيةً في تقبّل مثل هذه العبارة وإستيعابها. يتوحّد رجال الدّين أو بعض تجّاره ممن يحتكرون صفة “رجال الدّين” ويتّحدون على رفض هذا القانون وإقصائه كلٌ بحجّة، والأنكى، أنّهم يتباكون ويصلّون على جثامين النّساء اللواتي قُتلن بسببهم، على أي حال، يعكس تعنيف المرأة جزء من التّركيبة العقلية للمجتمع الشّرقي والذي ينتمي إليه المجتمع اللبناني. مجتمع الذّكورية بإمتياز الذي يقيس رجولة الرّجل لا بعقله وشخصيته، بل بفحولته وقدرته القمعية، المجتمع ذاته الذي ينظر للمرأة كعورة أو مخلوقة من الدّرجة الثّانية بأحسن الأحوال، ما زال المجتمع يحمل بعضاً من تاريخه الجاهلي حيث كانت توأد الفتيات خوفاً من العار. لكن لا يخفَ على أحدٍ أن المجتمع طوّر تخلّفه وألبسه قميصاً جديدأ فبدل الوأد أصبح يعتمد العنف أو التّصغير والتّحجيم.

     من البديهي أن أطالب ويطالب كلّ مواطنٍ بقانون يحمي المرأة والأطفال من العنف الأسري، لكن هل يرتقي حجم المطالبة على العالم الإفتراضي لمستوى فظاعة الجريمة؟ من قُتلت ليست شخصية إفتراضية بل أمٌ بالأغلب، أمُ خسرها أولادها ودُفنت جسداً، قبل أن تُقتل مرّة أخرى بقرار تبرئة الجاني أي الزّوج أو لفلفة القضية تبعاً للأعراف المجتمعية. من المؤسف أن لا تأخذ جرائم العنف حيّزاً أكبر من حملةٍ لا تُعمّر أكثر من يومٍ أو يومين على الأغلب. بدل أن تُحرّك هذه الجرائم الأجهزة القضائية والمجتمع المدني بجمعياته وحقوقيّه ليضعوا حداً أو يرغموا المسؤولين على تمرير القانون، المجتمع أو المنظمات المدافعة عن المرأة ليست ضعيفةً متى ما آمنت بقدرتها على تشكيل مجموعات ضغط “لوبيّات” وسبق للمجتمع المدني أن أثبت نفسه قادراً، قانون منع التّدخين في الأماكن العامة مثلاً ولو أنّه لا يُطبّق.

   كثيرةٌ هي الجرائم التي ترتكب في حقّ المرأة في مجتمعنا، من تزويجٍ للقاصر، عنف جسدي ولفظي، إقصاء جندري وغيرها، قد يبدو ما أكتبه هنا شاعرياً، لكن أساس المجتمع السّليم هي المرأة، فهي من تبني المجتمع مع بناء أفراده في منزلها، هي من ترسم له هويته وأفكاره وميوله، المعنّفة ستُربّي جيلاً يرضى بالتّعنيف، المُنتفضة إن لم تحقق هي القانون، ستربي جيلاً يعمل على تحقيقه وينبذ العنف أيضاً. من واجبنا جميعاً دفع المعنّفات إلى كسر حاجز الخوف من التّقاليد والأعراف ليتمكّنوا من مواجهة القاتل، مباشراً كان أم غير مباشر، طالما أن شريعة الغاب هي السّائدة، وتزويج القاصر مثلاً مُستمر دون محاسبة من تزوّج، زوّج ورضي يتزويج قاصر، وطالما أن المرأة تُقتل وتُعنّف، فلتردّ هي الصّاع صاعين وتعنّف من عنّفها وتفضحه، ما هو الثّمن الذي ستدفعه؟ ترك منزلها؟ أليس ترك المنزل أفضل من الموت فيه بعد تحوّله سجناً للتعذيب؟ أيّ كان الثّمن، لن يكون أكبر من حياتها وسلامتها، إن عنّفك سيدتي، عنّفيه.