Posts Tagged ‘لبنان’

أحمد م. ياسين
أن تفكّر في ما يجري حولك، او أن تقوم بما يُسمى بجولة أفقٍ على ما يجري، تتفكّر من خلف شاشتك التّي تسجن العالم خلفها وتسجنك معه. ماذا يجري؟ هل تغيّر في حياتي شيء غير بعض المتغييرات في الشّكل، تبديلٌ في شكل اللحية أو تساقط شعر ووزن زائد؟ هل أنا جاهز فعلاً لإستقبال عامٍ جديد؟
تراودنا جميعاً هذه الأسئلةُ على الأرجح، ما معيار القياس في مدى الإستعداد لإستقبال عامٍ جديد؟. عند القيام بجولةٍ على الفضاء الإلكتروني بما يحويه من آلام، خيبات، أحلام، طموحات وغيرها، إن كانت تجارب شخصية أو أحداثاً جماعية، ومن ثم مقارنتها بالعام الذي سبق أي 2013. يظهر الشّبه جلياً لا بل تتعاظم الكوارث مع كل عام، وكأن المصيبة كانت حُبلى وأنجبت طفلتها المأساة على أرض الشّرق الأوسط، فتكبر المأساة كل عامٍ لتأكل من أعمارنا وأيامنا، من أمننا وحيواتنا، من طموحاتنا، حتّى أمسى الطّموح بالخروج من المنزل والعودة إليه أقصى الطّموحات.

ماذا عن ليلة رأس السّنة؟
“كيف ستقضي ليلة رأس السّنة؟”، “وين السّهرة؟”، أحاول جاهداً أن أتجنّب الإجابة، لا أدري لماذا، لكن ربما أصبح لرأس السّنة طقوسٌ معيّنةٌ يجب     على الجميع ممارستها، ماذا لو كانت الإجابة: “في المنزل، كأي ليلةٍ من ليالي السّنة”. ستُرسم ملامح الصّدمة على وجه السّائل، “في المنزل؟!!”، أصبح قضاء هذه الليلة في المنزل فأل نحسٍ على صاحب القرار ربما.
طبعاً، دون أن نُغفل نجوم ليلة رأس السّنة –عدا ليلى عبد اللطيف، فهي نجمة كل شهر-. يحتل المنجّمون الشّاشات التّي تسمّر، يتسمّر وسيتسمّر    خلفها الملايين من الغرقى الباحثين عن خشبة الخلاص. تُستهل التّقارير طبعاً بجولةٍ على إنجازات العرّاف\المنجّم الخارق، كيف أصاب وأين أفلح، مع توريةٍ مقصودة لمكامن إخفاقه وفشله. يرسم العرّاف\العرافة إبتسامةً عريضةً وينطلق الحديث في أجواءٍ من الرّهبة والتّرقب. ماذا سيقول؟ هل ينتظرنا مستقبلٌ مُشرقٌ أم سيستمر النّفق الأسود في التّمدد وهوّة خلافاتنا في الإتساع؟ متى سيتكلّم! في جو توترٍ مترافقٍ مع قضمٍ للأظافر والأصابع ربما، بحثاً عن بارقة أملٍ ولو من عرّاف دجّال، او مشعوذة متموّلة.
قد يبدو الحديثُ شاعرياً، لكن لاعام جديدٍ إن لم يحمل من المتغييرات ما يمسح سابقاته من الأعوام. قليلٌ من الطّموحات أو الأحلام ربما لا تضرّ، ماذا عن وطنٍ عسكره حرّ لا يأسره غير حبّه لوطنه وواجبه بالدّفاع عنه، لا عصاباتٍ تكفيرية إحترفت الإجرام. ماذا عن وطنٍ سماؤه ليست مسرحاً تتراقص فيه سُحب دخان العوادم وغيرها، وطنٍ لا عجقة سير فيه بل نقلٌ عام منظم لا باصاتٍ متفلّتة كأنها قنابلٌ موقوتة، وطن لا تقنين مائي فيه وهو عائمٌ على ثروةٍ مائية، وطن لا يفهم سكّانه معنى كلمة “إشتراكٍ كهربائي” أو “ديجونتور”، وطن للقراءة فيه معنى وللإنجاز العلمي والرّياضي تقدير، وطنٌ بهيئة وطنٍ فعلي.

آمل أن أستقبل ونستقبل عاماً لا موت فيه، لا معاناة، عامٌ فيه قليلٌ من ضميرٍ يمنع إعلامه من الإتجار بأوجاع ضحايا الإرهاب أو الفساد، عامٌ مطابقٌ لأدنى مواصفات العيش الكريم، أو العيش أقلّه، لا الموت على أبواب السّفارات وفي عبّارات الهجرة، أو التّدافع على حجز وظيفة ولو بأجرٍ لا يكفي صاحبها قوت يومه، على أمل، كل عام ونحن كما كنّا من قبله.

(المزيد…)

 

أحمد م. ياسين

“ما تمكّن الجيش اللبناني من فعله في عرسال بيومين عجزت عنه جيوش المنطقة في ثلاث سنوات”، هذه الجملة وردت في تقريرٍ إخباري يحاكي معركة الجيش في عرسال، لو لم نكن في لبنان لكنّا ربما صدّقنا التّقارير والأغاني الوطنية والخُطب الرّنانة، لعل بيان الثّلاثي كبّارة – المرعبي والضّاهر كان الأصدق من حيث النّوايا قبل أن يتراجعوا عنه.

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

   من المعيب ونحن في ال 2014 أن أكتب أو أدوّن عن موضوعٍ كالذي سأكتب عنه.

     بينما أدوّن هذه الأسطر، ينشغل القضاء والمحقّقون بالتّحقيق مع زوج كريستال أبو شقرا، لا شيء أكيد بعد ولا إتهام مُثبت بإستثناء ما أعلنته جمعية “كفى” عن أن كريستال “تُوفيت” مسمومة  بمادة الدّيمول. كريستال أبو شقرا وبعد أيامٍ على أبعد تقدير ستصبح رقماً جديداً يُضاف إلى عدّاد الموت الذي لا يتوقّف عن حصد أرواح السّيدات. ستُضاف كرقمٍ وتُنسى، إلى أن تُقتل أخرى فيستحضر الرّأي العام إسمها وتُنسى هي والضّحية الجديدة مجدّداً وهكذا دواليك.

     كريستال هي الضّحية الثالثة في غضون فترةٍ قصيرةٍ بعد رولا يعقوب ومنال عاصي، هؤلاء بعض اللواتي دفعن ضريبة مجتمعٍ إعتاد إخفاء عيوبه كرمى حُججٍ واهية. ليس الزّوج هنا هو الجاني وحده، بل هو القاتل المباشر ومن خلفه قتلةٌ آخرون مسؤولون عن تبرير وتحفيز هكذا نوعٍ من الجرائم. ربما كان حظّ رولا، منال وكريستال عاثراً فأدركهم الموت تحت قبضة “شريك الحياة” المفترض، لكن من قبلهم كانت فاطمة النّشار التي أشبعها زوجها وعائلته ضرباً فقط لأنها أضاعت فاتورة المياه، وغيرهن كُثُر من مَن يضربون، يعنّفون ويموتون دون ان نسمع بذلك أو نعرف به.

      قانون حماية المرأة من العنف الأسري، يجد النّواب والوزراء صعوبةً أخلاقيةً في تقبّل مثل هذه العبارة وإستيعابها. يتوحّد رجال الدّين أو بعض تجّاره ممن يحتكرون صفة “رجال الدّين” ويتّحدون على رفض هذا القانون وإقصائه كلٌ بحجّة، والأنكى، أنّهم يتباكون ويصلّون على جثامين النّساء اللواتي قُتلن بسببهم، على أي حال، يعكس تعنيف المرأة جزء من التّركيبة العقلية للمجتمع الشّرقي والذي ينتمي إليه المجتمع اللبناني. مجتمع الذّكورية بإمتياز الذي يقيس رجولة الرّجل لا بعقله وشخصيته، بل بفحولته وقدرته القمعية، المجتمع ذاته الذي ينظر للمرأة كعورة أو مخلوقة من الدّرجة الثّانية بأحسن الأحوال، ما زال المجتمع يحمل بعضاً من تاريخه الجاهلي حيث كانت توأد الفتيات خوفاً من العار. لكن لا يخفَ على أحدٍ أن المجتمع طوّر تخلّفه وألبسه قميصاً جديدأ فبدل الوأد أصبح يعتمد العنف أو التّصغير والتّحجيم.

     من البديهي أن أطالب ويطالب كلّ مواطنٍ بقانون يحمي المرأة والأطفال من العنف الأسري، لكن هل يرتقي حجم المطالبة على العالم الإفتراضي لمستوى فظاعة الجريمة؟ من قُتلت ليست شخصية إفتراضية بل أمٌ بالأغلب، أمُ خسرها أولادها ودُفنت جسداً، قبل أن تُقتل مرّة أخرى بقرار تبرئة الجاني أي الزّوج أو لفلفة القضية تبعاً للأعراف المجتمعية. من المؤسف أن لا تأخذ جرائم العنف حيّزاً أكبر من حملةٍ لا تُعمّر أكثر من يومٍ أو يومين على الأغلب. بدل أن تُحرّك هذه الجرائم الأجهزة القضائية والمجتمع المدني بجمعياته وحقوقيّه ليضعوا حداً أو يرغموا المسؤولين على تمرير القانون، المجتمع أو المنظمات المدافعة عن المرأة ليست ضعيفةً متى ما آمنت بقدرتها على تشكيل مجموعات ضغط “لوبيّات” وسبق للمجتمع المدني أن أثبت نفسه قادراً، قانون منع التّدخين في الأماكن العامة مثلاً ولو أنّه لا يُطبّق.

   كثيرةٌ هي الجرائم التي ترتكب في حقّ المرأة في مجتمعنا، من تزويجٍ للقاصر، عنف جسدي ولفظي، إقصاء جندري وغيرها، قد يبدو ما أكتبه هنا شاعرياً، لكن أساس المجتمع السّليم هي المرأة، فهي من تبني المجتمع مع بناء أفراده في منزلها، هي من ترسم له هويته وأفكاره وميوله، المعنّفة ستُربّي جيلاً يرضى بالتّعنيف، المُنتفضة إن لم تحقق هي القانون، ستربي جيلاً يعمل على تحقيقه وينبذ العنف أيضاً. من واجبنا جميعاً دفع المعنّفات إلى كسر حاجز الخوف من التّقاليد والأعراف ليتمكّنوا من مواجهة القاتل، مباشراً كان أم غير مباشر، طالما أن شريعة الغاب هي السّائدة، وتزويج القاصر مثلاً مُستمر دون محاسبة من تزوّج، زوّج ورضي يتزويج قاصر، وطالما أن المرأة تُقتل وتُعنّف، فلتردّ هي الصّاع صاعين وتعنّف من عنّفها وتفضحه، ما هو الثّمن الذي ستدفعه؟ ترك منزلها؟ أليس ترك المنزل أفضل من الموت فيه بعد تحوّله سجناً للتعذيب؟ أيّ كان الثّمن، لن يكون أكبر من حياتها وسلامتها، إن عنّفك سيدتي، عنّفيه.

أحمد م. ياسين

   فنّ السّخرية، او الكوميديا الإستهزائية السّياسية ظهر إبّان الثّورات الملوّنة بشكل كبير. الدّكتور “جين شارب” المسمّى ب “مكيافيلي اللاعنف” و”كلاوسفيتس الحرب السّلمية” يعدّ الأب الرّوحي لهذا النّمط من النّقد، هذا النّمط النّقدي لطالما إستُخدم لتحفيز الرّأي العام وتكسير الهالات القدسية للرمّوز، هل هذا ما أراد شربل خليل فعله؟

   السّخرية على بساطتها الظّاهرية، تشكّل أساساً في مضمونها من حيث ضرب عدّة أسس كانت بالأمس القريب مقدّسات. أسلوب “شارب” الإستهزائي تجلّت نتائجه في خلع رموزٍ كانت بالأمس القريب مقدّسة، سلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا مثلاً عام 2000، وكان نموذج إقصائه مطابقاً للنموذج البلغاري في خلع رئيس بلغاريا، الكوميديا السّياسية كانت وسيلةً رئيسيّة في تبديل المزاج العام ليس في صربيا وبلغاريا فقط، بل سلوفاكيا 1998، كرواتيا 2000، والثّورة الوردية في جورجيا والتّي إسنخدمت فيها حركة كمارا أسلوب السّخرية لتخلع الرّئيس إدوارد شفرنادزه لاحقاً، طبعاً دون ان ننسى الثّورة البرتقالية الأكورانية بقيادة حركة يورا في العام 2004. وللسّخرية الإستهزائية أمثلة حيّة من عصرنا اليوم، أبرزها ثورة أو إنقلاب 30 يناير الشّعبي في مصر على الرّئيس محمّد مرسي، كان الدّور الأبرز في إسقاط مرسي إضافة إلى سياساته، الإعلامي السّاخر باسم يوسف وبرنامجه “البرنامج”، هل حقّاً أراد شربل خليل أن يشعل ثورة؟

   بلدٌ مديون، أوضاعٌ أمنيةٌ متردّية وحربٌ أهلية باردة، مجلس نوّاب لا دستوري مُمدّد لنفسه، رئيسيّ حكومة واحدٌ بحكومةٍ مستقيلة وآخر يسعى لدخول غينيس بأطول مدّة تشكيل، مواطنون بلغ فيهم حدّ اليأس عدم الإكتراث حتّى بثروتهم النّفطية، حالة موتٍ سريري للوطن. ظروف الثّورة مهيّأة وتحتاج فقط إلى عرّابٍ يقودها أو يشعلها. لا أسهل من الإعلام وسيلةً للمباشرة بذلك، ما المانع في ان تتكرّر تجربة باسم يوسف، أو يحظى لبنان بجون ستيوارت الخاص به؟ لماذا لا يحرّك الإعلام الشّارع خاصةً في ظلّ تسللّه لكل بيت من بيوت اللبنانيين؟ ربما هذا ما فكّر به شربل خليل قبل أن يستخدم السّلاح الذي بيده، سلاح الكوميديا السّياسية الإستهزائية، أي أن خليل قد عقد العزم على الثّورة وتغيير الحال، لا هالة من القداسة على الأحد “كلّن يعني كلّن”، الخطوة الأولى كانت منذ سنوات، صدم خليل الشّعب اللبناني بتقليده شخص السّيد حسن نصر الله مما أثار بلبلة حينها وإحتجاجات، إذاً عرف شربل خليل مفتاح تحريك شعبٍ في سُبات، قلّد جان بو جدعون شخصية السّيد حسن ثانيةً بتوجيه من خليل، لم يكتفِ بذلك، كي تكتمل عناصر الصّدمة، تطرق خليل للنّبي يونان ومرّر رسائل عدّها البعض في طرابلس تجاوزاً وتطاولاً على الذات الإلهية. نجح خليل في إستفزاز الشّارع اللبناني كلّه، لكن ما الخطوة الثّانية؟ هل وضع خليل سيناريو المرحلة المقبلة أم أنّها مرّة و”بس مات الحراك”؟

   لشربل خليل الحقّ في إنتقاد أيٍ يشاء طالما أنّ حقّه مكفولٌ بالقوانين والشّرائع، طالما أنّه لم يتعدّ على حرّية غيره في المعتقد والتّعبير، سخرية خليل من شخص أي إنسانٍ لن يغيّر في نظرة أحدٍ إلى الأخير. لربّما سبّب “سكتش” خليل الأخير إزعاجاً لكُثُرٍ من مناصري نصر الله، لكن أنسي هؤلاء أن هناك فضائياتٍ تشتم السّيد ليل نهار؟ أن هناك شخصياتٍ سياسيّة لبنانية وعربية تهاجمه وتصفه بأبشع الأوصاف في معظم الأحيان حاله حال باقي من يعملون في السّياسة؟ لماذا ثارت ثائرتهم فقط عند تقليد خليل لنصرالله؟ “بس مات الوطن” أصبح من ماضي الكوميديا السّياسيّة اللبنانية لعجزه عن اللحاق بركب التّحديث وتكراره نفسه بحكم تهكّمه على الطّبقة السّياسية الحاكمة ذاتها –من حظّ شربل خليل السّيء أن الطّبقة لا تتغيّر-، كاد ذكر البرنامج ان يختفي عن السّاحة الإعلامية لولا تقليده في كلّ مرّةٍ شخصية يعتبرها النّاس مقدّسة، تارة البطرك صفير وطوراً أحمد الأسير، إنتقاده للشخصيةِ حقّ مقدّس من حريّة الرّأي والتّعبير، لكن ألم نعتد على ذلك؟ يريد خليل تعويم برنامجه مجدّداً ولن يتورّع عن اللجوء إلى أي وسيلة، فمن جعل من برنامجه منبراً للعنصرية تحت شعار “حرّية التّعبير” لن يعنيه كثيراً نتائج سكتشاته على أرض الواقع، هي محاولةٌ يائسة لإستعادة الجمهور لا أكثر، ويمكن لأيٍ كان إنهاء البرنامج بالضّربة القاضية بكبسة زرٍ على أداة التّحكم، مما يعني، لا مُشاهدين، لا مُعلنين، لا “بس مات الوطن”.

     “عندما يتوصّل شخصٌ إلى إضحاك النّاس فترة طويلة، لا بدّ ان يكون عبقرياً”، هذا ما يختصر به المخرج غريغ بارسون تعريف الكوميديا او فنّ الإضحاك. من يتابع مواقع التّواصل الاجتماعي في السّنوات الثّلاث الأخيرة يلاحظ توجّه من الرّأي العام اللبناني لمشاهدة “البرنامج” لباسم يوسف، أو جان ستيوارت، إيلين دي جينيرس وغيرهم، بعد أن إعتاد مشاهدة “لول” على الأو تي في لأنه كان البرنامج الكوميدي الأول من نوعه الذي يكسر التابوهات المجتمعية التي نشأ الشّعب عليها، لم يعش “لول” كثيراً فوقع أيضاً في فخّ تكرار نفسه، هذا الإبتعاد الجماهيري عن البرامج الكوميدية اللبنانية لصالح البرامج الخارجية هو ربما بسبب “عدم الإضحاك”. مع العلم أن بعض البرامج اليوم تستعيد بعضاً من جمهورٍ فضّل النّزوح ولو من خلف الشّاشات. “بس مات الوطن”، “دي إن آي” و”إربت تنحلّ” مجتمعةً لا تستطيع أن تنافس نسبة مشاهدي باسم يوسف في لبنان! بالفعل هذا شيءٌ مُخزي، الإعلام مسؤوليةٌ وسلطة، يا حبذا لو يستعملها شربل خليل وزملائه في المكان والزّمان الصّحيحين، ويا حبّذا لو يتظاهر الشّعب لأجل حقوقه المهدورة، لا لأجل سكتشٍ تافهٍ في برنامجٍ سخيف.

أحمد م. ياسين

   إستفاق اللبنانييون صباح الثّاني  والعشرين من تشرين الأول على مفاجأة تتعدّى في أهميّتها دخول غينيس عن إنجاز أكبر صحن حمّص. لبنان الآن أصبح على رأس أكبر المنظّمات الأمنية العالمية، هكذا ودون مقدّمات، لبنان يترأّس الإنتربول الدّولي.

     رئاسة الإنتربول؟، هذا ما بدأ الإعلام اللبناني والمحسوب على المرّ بإشاعته، الرّجل عبر من الدّاخلية إلى العالمية الأممية، بحسب إعلامه، إرتقى الوزير الطّيار رتبةً فطار من المستوى اللبناني الضّيق إلى الفضاء العالمي، لم يعد المرّ منتظراً في منزله أن يُمنح وزارةً من حصّة الرّئيس، أصبح الرّجل رئيساً يُشهد له، رجل محاربة عبدة الشّيطان ذو القبضة الحديدية.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

    مقاتلو حزب الله إلى الواجهة مجدّداً، هذه المرّة من باب وحشيتهم في تصفية وقتل بعض “الثّوار” السّوريين، والدّليل هو مقطع فيديو مسجّل لمدّة دقيقة وقرابة الأربعين ثانية، للوهلة الأولى، يُصدم المُشاهد بما يرى، مقاتلون بزيّ عسكري يُخرجون جرحى وجُثث من سيارةٍ رباعية الدّفع، يشتمونها قبل أن يفرغوا مخازنهم في رؤوس الجرحى العُزّل، كما يقول العنوان، هكذا يتعامل حزب الله مع الجرحى.

   لكن ماذا لو تحقّقنا من التّسجيل؟ حسناً، هنا تبدأ الأسئلة الجدّية بطرح نفسها بعيداً عن الإفراط في المشاعر والأحاسيس، طبعاً مع التّأكيد على هول ما ورد في التّسجيل وبربريّة منفّذيه :

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

  “أرجوك فتّشني”، يبدو الأمر للوهلةِ الأولى جزءاً من مسلسلٍ أو فيلم، لكنه في الواقع، جزءٌ من الواقع اليومي، واقعٌ مترجم على الأرض بحواجز ونقاط تفتيش، إنّها الضّاحيةُ الجنوبية لبيروت، حيث حواجز الحماية للأهل والوطن.

   يتشابه شعار “أرجوك فتّشني” والعرس الذي أقيم بعد تفجير الرّويس، يشبهه في محاولة أصحابه إظهار الحواجز كنموذج حياةٍ وحماية طبيعية، لا مُشكلة في وجود الحواجز، لن تُوقف التّفجيرات حبّنا للحياة ولا إرادتنا على البقاء، لم نركع أمام عدوٍ مستترٍ ولم نركع سابقاً أمام قوّة أعتى منه، أي “إسرائيل”، مع ذلك لا مشكلة مع وجود الحواجز، رغم ما يمكن أن تسبّبه من تأخيرٍ وازدحام للسير، يهون الانتظار أمام خيارٍ آخر لونه أحمر يلوّنه رسّامه بدماء الأبرياء، لكن، “أرجوك فتّشني”؟ لماذا؟ هل أنا مجرمٌ أصلاً كي تُفتّشني؟

   لم تأتِ حواجز الضّاحية، الجنوب والبقاع من العدم، ولا تلبيةً لغاياتٍ في نفس حزب الله كإنشاء دويلة، فرض منطقة أمنٍية أتى بعد تفجيريّ بئر العبد والرّويس، وكان الشعار المكتوب على الحواجز “حماية لأهلنا والوطن” تعبيراً عن هدف الإجراءات الأمنية، لكن الحاجز أو من كتب الشّعار نسي أو ربّما تعمّد ان يتناسى إكمال الجملة بـ “بعد أن أقرّت الدّولة بعجزها عن ذلك”، ولعلها ليست المرّة الأولى التي تتقاعس فيها الدّولة عن واجبها بحماية أمن مواطنيها، هذا ما أوجد المقاومة أصلاً منذ سبعينيّات القرن الماضي.

(المزيد…)

 

 أحمد م. ياسين

    إنّها السّادسة صباحاً، يرنّ المنبّه فأسكته، يرّن مجدّداً ومجدّداً حتى أعالج صراخه بضربة يومية تظهر على شكله ندوباً، أنهض من سريري وأتأمّل وجهي في المرآة، من هذا؟ أرفع يدي وأمسح بها وجهي فأراه مغطّى بالدّماء، أفرك عينيّ وأنظر، لا دم على وجهي أبداً، أبتسم وأقول لصورتي أن اليوم يومٌ جميل، لا داعي للهلع.

    أجوب غُرف المنزل مطمئناً على وجود أفراد عائلتي، ما زالوا هنا، كلّ شيءٍ على ما يُرام ويبدو اليوم جيّداً، أحمل أغراضي وأنطلق نحو العمل، مهلاً، نسيت سماع أخبار الطّرق وزحمتها، نسيت أن أحلق ذقني أيضاً، أو ربما لا، كانت الكهرباء مقطوعة أو المياه، لا أذكر.

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

      لم تنتهِ الحرب الأهلية اللبنانية بعد، 11 نيسان 2005، “نحن هنا لأنّهم مفقودون، لن نرحل من هنا، في حديقة جبران خليل جبران، سيكون اعتصامنا حتّى معرفة مصيرهم”، يقول أهالي المفقودين في الحرب الأهلية، الذين يقبعون منذ ثمانيةُ أعوامٍ وما زالوا، أو بعضاً منهم، بينما يئس آخرون، فاختار الرّحيل الأبدي علّه يلاقي هناك من فقد.

    إلياس يوسف البيطار، لبناني مخطوف منذ أكثر من ثلاثين عاماً، توقّفت عقارب الزّمن عنده بتاريخ 25 تشرين الثّاني 1975 وكانت منطقة القنطاري آخر مكان شوهد فيه، إلياس ليس المفقود الوحيد في السّجون السّورية، مثله كُثُر من المفقودين اللبنانيين، إمّا في السّجون السّورية، الإسرائيلية، أو في مقابرَ جماعيّةً لم تُكتشف بعدُ لتقصير الدّولة عن القيام بذلك.

في العام 1996 أقرّ الرّئيس اللبناني إلياس الهراوي بوجود 210 لبنانيين معتقلين في السّجون السّورية، وبعد عامين أعلن الرّئيس السّوري بشار الأسد أنه سيطلق سراح 130 لبنانياً ويحتفظ بـ 25 آخرين لأنهم تعاملوا مع اسرائيل. الرقم المذكور يختلف عن الرقم الذي أعلنه سابقاً الهراوي، ويختلف أيضاً عن عدد اللبنانيين الذين أفرج عنهم لاحقـاً (121)، مما يعني أن عدد اللبنانيين الذين لا يزالون محتجزين لدى سوريا هو 34 لبنانيّاً، لكن الدفعة الجديدة التي أفرج عنها في شهر كانون أول من عام 2000، تضمّت 56 لبنانياً. علماً بأن الدولة اللبنانية كانت قبل ستة أشهر قد أوصت بتوفية جميع المفقودين اللبنانيين في اسرائيل وسوريا ولبنان، من بينهم المفرج عنهم، عبر لجنة تقصّي مصير المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية التي أنشأتها الحكومة في شهر كانون الثاني من العام ذاته.

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

   الجيش هو الحامي للحدود والضّامن للامن الوطني، هو المسؤول عن صدّ الاعتداءات الخارجية من أي طرف أتت، بينما تُناط بقوى الأمن الدّاخلي مهمّة صون الأمن الدّاخلي وحل الاشكالات بين أبناء الوطن الواحد، أو الموجودين على اراضيه من نازحين ولاجئين، هذا هو البديهي في أي دولة في العالم، دولةٍ تحترمُ نفسها، إلا في لبنان، فلا يكادُ كادرُ الصّورة أن يخلو من مسلح، حتى يظهر آخر في منطقة أخرى، عدا عن حشر كل طرفٍ أنفه في حربِ سورية الأهليةِ الداخلية، إذاً، في لبنان تختلف الشّرائع والأعراف، في لبنان سلاحٌ غير شرعي خارجٌ عن سيطرة الدولة كلياً.

  أصبح من المعروف أن مشكلة لبنان الثّانية بعد الاقتصاد هي الأمن مع أن الأمن يتقدم على الاقتصاد أحياناً، سلاحٌ منفلتٌ في كل مكانٍ ولكل طرفٍ تبريراته، هذا ما نعيشه منذ زمنٍ بعيدٍ لا أذكر إن كنت قد ولدت حينها أم لا، آخر فصول هذا الانفلات كان هجوم الارهابيين على الجيش في عبرا، سقط خلاله أكثر من ١٧ شهيداً للجيش على مذبح الوطن ودرءًا لفتنةٍ أعد لها الأسير ومن دعمه عن سابق إصرارٍ وتصميم، فتنة ما كانت لتبقي أحداً، وأول ضحاياها هم من يحاولون اشعالها، أي الفريق المغطي سياسياً للأسير والظّواهر المشابهة له، أي من غطى فتح الإسلام في نهر البارد سابقاً، من غطى ودعم جند الشّام وعصبة الأنصار، هذا الطّرف هو المسؤول الأول عن دماء الجيش، لكن كالعادة وفي وطنٍ قضاؤه مرتهن، لن يحاسب أحد ورحم اللّه من سقط شهيداً! هل سلاح الميليشيات هو الوحيد المنتشر؟ بالطّبع لا، بل سلاح حزب الله أيضاً، هذا السلاح الذي يستخدمه الفريق الداعم للظواهر المتطرفة كغطاءٍ يبرر فيه مخططاته، سلاح الميليشيات مقابل سلاح الحزب، معادلةٌ يحاول البعض ارساءها وسيفشل. (المزيد…)