Posts Tagged ‘مجتمع’

أحمد م. ياسين
أن تفكّر في ما يجري حولك، او أن تقوم بما يُسمى بجولة أفقٍ على ما يجري، تتفكّر من خلف شاشتك التّي تسجن العالم خلفها وتسجنك معه. ماذا يجري؟ هل تغيّر في حياتي شيء غير بعض المتغييرات في الشّكل، تبديلٌ في شكل اللحية أو تساقط شعر ووزن زائد؟ هل أنا جاهز فعلاً لإستقبال عامٍ جديد؟
تراودنا جميعاً هذه الأسئلةُ على الأرجح، ما معيار القياس في مدى الإستعداد لإستقبال عامٍ جديد؟. عند القيام بجولةٍ على الفضاء الإلكتروني بما يحويه من آلام، خيبات، أحلام، طموحات وغيرها، إن كانت تجارب شخصية أو أحداثاً جماعية، ومن ثم مقارنتها بالعام الذي سبق أي 2013. يظهر الشّبه جلياً لا بل تتعاظم الكوارث مع كل عام، وكأن المصيبة كانت حُبلى وأنجبت طفلتها المأساة على أرض الشّرق الأوسط، فتكبر المأساة كل عامٍ لتأكل من أعمارنا وأيامنا، من أمننا وحيواتنا، من طموحاتنا، حتّى أمسى الطّموح بالخروج من المنزل والعودة إليه أقصى الطّموحات.

ماذا عن ليلة رأس السّنة؟
“كيف ستقضي ليلة رأس السّنة؟”، “وين السّهرة؟”، أحاول جاهداً أن أتجنّب الإجابة، لا أدري لماذا، لكن ربما أصبح لرأس السّنة طقوسٌ معيّنةٌ يجب     على الجميع ممارستها، ماذا لو كانت الإجابة: “في المنزل، كأي ليلةٍ من ليالي السّنة”. ستُرسم ملامح الصّدمة على وجه السّائل، “في المنزل؟!!”، أصبح قضاء هذه الليلة في المنزل فأل نحسٍ على صاحب القرار ربما.
طبعاً، دون أن نُغفل نجوم ليلة رأس السّنة –عدا ليلى عبد اللطيف، فهي نجمة كل شهر-. يحتل المنجّمون الشّاشات التّي تسمّر، يتسمّر وسيتسمّر    خلفها الملايين من الغرقى الباحثين عن خشبة الخلاص. تُستهل التّقارير طبعاً بجولةٍ على إنجازات العرّاف\المنجّم الخارق، كيف أصاب وأين أفلح، مع توريةٍ مقصودة لمكامن إخفاقه وفشله. يرسم العرّاف\العرافة إبتسامةً عريضةً وينطلق الحديث في أجواءٍ من الرّهبة والتّرقب. ماذا سيقول؟ هل ينتظرنا مستقبلٌ مُشرقٌ أم سيستمر النّفق الأسود في التّمدد وهوّة خلافاتنا في الإتساع؟ متى سيتكلّم! في جو توترٍ مترافقٍ مع قضمٍ للأظافر والأصابع ربما، بحثاً عن بارقة أملٍ ولو من عرّاف دجّال، او مشعوذة متموّلة.
قد يبدو الحديثُ شاعرياً، لكن لاعام جديدٍ إن لم يحمل من المتغييرات ما يمسح سابقاته من الأعوام. قليلٌ من الطّموحات أو الأحلام ربما لا تضرّ، ماذا عن وطنٍ عسكره حرّ لا يأسره غير حبّه لوطنه وواجبه بالدّفاع عنه، لا عصاباتٍ تكفيرية إحترفت الإجرام. ماذا عن وطنٍ سماؤه ليست مسرحاً تتراقص فيه سُحب دخان العوادم وغيرها، وطنٍ لا عجقة سير فيه بل نقلٌ عام منظم لا باصاتٍ متفلّتة كأنها قنابلٌ موقوتة، وطن لا تقنين مائي فيه وهو عائمٌ على ثروةٍ مائية، وطن لا يفهم سكّانه معنى كلمة “إشتراكٍ كهربائي” أو “ديجونتور”، وطن للقراءة فيه معنى وللإنجاز العلمي والرّياضي تقدير، وطنٌ بهيئة وطنٍ فعلي.

آمل أن أستقبل ونستقبل عاماً لا موت فيه، لا معاناة، عامٌ فيه قليلٌ من ضميرٍ يمنع إعلامه من الإتجار بأوجاع ضحايا الإرهاب أو الفساد، عامٌ مطابقٌ لأدنى مواصفات العيش الكريم، أو العيش أقلّه، لا الموت على أبواب السّفارات وفي عبّارات الهجرة، أو التّدافع على حجز وظيفة ولو بأجرٍ لا يكفي صاحبها قوت يومه، على أمل، كل عام ونحن كما كنّا من قبله.

(المزيد…)

Advertisements

 

أحمد م. ياسين

“ما تمكّن الجيش اللبناني من فعله في عرسال بيومين عجزت عنه جيوش المنطقة في ثلاث سنوات”، هذه الجملة وردت في تقريرٍ إخباري يحاكي معركة الجيش في عرسال، لو لم نكن في لبنان لكنّا ربما صدّقنا التّقارير والأغاني الوطنية والخُطب الرّنانة، لعل بيان الثّلاثي كبّارة – المرعبي والضّاهر كان الأصدق من حيث النّوايا قبل أن يتراجعوا عنه.

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

   من المعيب ونحن في ال 2014 أن أكتب أو أدوّن عن موضوعٍ كالذي سأكتب عنه.

     بينما أدوّن هذه الأسطر، ينشغل القضاء والمحقّقون بالتّحقيق مع زوج كريستال أبو شقرا، لا شيء أكيد بعد ولا إتهام مُثبت بإستثناء ما أعلنته جمعية “كفى” عن أن كريستال “تُوفيت” مسمومة  بمادة الدّيمول. كريستال أبو شقرا وبعد أيامٍ على أبعد تقدير ستصبح رقماً جديداً يُضاف إلى عدّاد الموت الذي لا يتوقّف عن حصد أرواح السّيدات. ستُضاف كرقمٍ وتُنسى، إلى أن تُقتل أخرى فيستحضر الرّأي العام إسمها وتُنسى هي والضّحية الجديدة مجدّداً وهكذا دواليك.

     كريستال هي الضّحية الثالثة في غضون فترةٍ قصيرةٍ بعد رولا يعقوب ومنال عاصي، هؤلاء بعض اللواتي دفعن ضريبة مجتمعٍ إعتاد إخفاء عيوبه كرمى حُججٍ واهية. ليس الزّوج هنا هو الجاني وحده، بل هو القاتل المباشر ومن خلفه قتلةٌ آخرون مسؤولون عن تبرير وتحفيز هكذا نوعٍ من الجرائم. ربما كان حظّ رولا، منال وكريستال عاثراً فأدركهم الموت تحت قبضة “شريك الحياة” المفترض، لكن من قبلهم كانت فاطمة النّشار التي أشبعها زوجها وعائلته ضرباً فقط لأنها أضاعت فاتورة المياه، وغيرهن كُثُر من مَن يضربون، يعنّفون ويموتون دون ان نسمع بذلك أو نعرف به.

      قانون حماية المرأة من العنف الأسري، يجد النّواب والوزراء صعوبةً أخلاقيةً في تقبّل مثل هذه العبارة وإستيعابها. يتوحّد رجال الدّين أو بعض تجّاره ممن يحتكرون صفة “رجال الدّين” ويتّحدون على رفض هذا القانون وإقصائه كلٌ بحجّة، والأنكى، أنّهم يتباكون ويصلّون على جثامين النّساء اللواتي قُتلن بسببهم، على أي حال، يعكس تعنيف المرأة جزء من التّركيبة العقلية للمجتمع الشّرقي والذي ينتمي إليه المجتمع اللبناني. مجتمع الذّكورية بإمتياز الذي يقيس رجولة الرّجل لا بعقله وشخصيته، بل بفحولته وقدرته القمعية، المجتمع ذاته الذي ينظر للمرأة كعورة أو مخلوقة من الدّرجة الثّانية بأحسن الأحوال، ما زال المجتمع يحمل بعضاً من تاريخه الجاهلي حيث كانت توأد الفتيات خوفاً من العار. لكن لا يخفَ على أحدٍ أن المجتمع طوّر تخلّفه وألبسه قميصاً جديدأ فبدل الوأد أصبح يعتمد العنف أو التّصغير والتّحجيم.

     من البديهي أن أطالب ويطالب كلّ مواطنٍ بقانون يحمي المرأة والأطفال من العنف الأسري، لكن هل يرتقي حجم المطالبة على العالم الإفتراضي لمستوى فظاعة الجريمة؟ من قُتلت ليست شخصية إفتراضية بل أمٌ بالأغلب، أمُ خسرها أولادها ودُفنت جسداً، قبل أن تُقتل مرّة أخرى بقرار تبرئة الجاني أي الزّوج أو لفلفة القضية تبعاً للأعراف المجتمعية. من المؤسف أن لا تأخذ جرائم العنف حيّزاً أكبر من حملةٍ لا تُعمّر أكثر من يومٍ أو يومين على الأغلب. بدل أن تُحرّك هذه الجرائم الأجهزة القضائية والمجتمع المدني بجمعياته وحقوقيّه ليضعوا حداً أو يرغموا المسؤولين على تمرير القانون، المجتمع أو المنظمات المدافعة عن المرأة ليست ضعيفةً متى ما آمنت بقدرتها على تشكيل مجموعات ضغط “لوبيّات” وسبق للمجتمع المدني أن أثبت نفسه قادراً، قانون منع التّدخين في الأماكن العامة مثلاً ولو أنّه لا يُطبّق.

   كثيرةٌ هي الجرائم التي ترتكب في حقّ المرأة في مجتمعنا، من تزويجٍ للقاصر، عنف جسدي ولفظي، إقصاء جندري وغيرها، قد يبدو ما أكتبه هنا شاعرياً، لكن أساس المجتمع السّليم هي المرأة، فهي من تبني المجتمع مع بناء أفراده في منزلها، هي من ترسم له هويته وأفكاره وميوله، المعنّفة ستُربّي جيلاً يرضى بالتّعنيف، المُنتفضة إن لم تحقق هي القانون، ستربي جيلاً يعمل على تحقيقه وينبذ العنف أيضاً. من واجبنا جميعاً دفع المعنّفات إلى كسر حاجز الخوف من التّقاليد والأعراف ليتمكّنوا من مواجهة القاتل، مباشراً كان أم غير مباشر، طالما أن شريعة الغاب هي السّائدة، وتزويج القاصر مثلاً مُستمر دون محاسبة من تزوّج، زوّج ورضي يتزويج قاصر، وطالما أن المرأة تُقتل وتُعنّف، فلتردّ هي الصّاع صاعين وتعنّف من عنّفها وتفضحه، ما هو الثّمن الذي ستدفعه؟ ترك منزلها؟ أليس ترك المنزل أفضل من الموت فيه بعد تحوّله سجناً للتعذيب؟ أيّ كان الثّمن، لن يكون أكبر من حياتها وسلامتها، إن عنّفك سيدتي، عنّفيه.

أحمد م. ياسين

   فنّ السّخرية، او الكوميديا الإستهزائية السّياسية ظهر إبّان الثّورات الملوّنة بشكل كبير. الدّكتور “جين شارب” المسمّى ب “مكيافيلي اللاعنف” و”كلاوسفيتس الحرب السّلمية” يعدّ الأب الرّوحي لهذا النّمط من النّقد، هذا النّمط النّقدي لطالما إستُخدم لتحفيز الرّأي العام وتكسير الهالات القدسية للرمّوز، هل هذا ما أراد شربل خليل فعله؟

   السّخرية على بساطتها الظّاهرية، تشكّل أساساً في مضمونها من حيث ضرب عدّة أسس كانت بالأمس القريب مقدّسات. أسلوب “شارب” الإستهزائي تجلّت نتائجه في خلع رموزٍ كانت بالأمس القريب مقدّسة، سلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا مثلاً عام 2000، وكان نموذج إقصائه مطابقاً للنموذج البلغاري في خلع رئيس بلغاريا، الكوميديا السّياسية كانت وسيلةً رئيسيّة في تبديل المزاج العام ليس في صربيا وبلغاريا فقط، بل سلوفاكيا 1998، كرواتيا 2000، والثّورة الوردية في جورجيا والتّي إسنخدمت فيها حركة كمارا أسلوب السّخرية لتخلع الرّئيس إدوارد شفرنادزه لاحقاً، طبعاً دون ان ننسى الثّورة البرتقالية الأكورانية بقيادة حركة يورا في العام 2004. وللسّخرية الإستهزائية أمثلة حيّة من عصرنا اليوم، أبرزها ثورة أو إنقلاب 30 يناير الشّعبي في مصر على الرّئيس محمّد مرسي، كان الدّور الأبرز في إسقاط مرسي إضافة إلى سياساته، الإعلامي السّاخر باسم يوسف وبرنامجه “البرنامج”، هل حقّاً أراد شربل خليل أن يشعل ثورة؟

   بلدٌ مديون، أوضاعٌ أمنيةٌ متردّية وحربٌ أهلية باردة، مجلس نوّاب لا دستوري مُمدّد لنفسه، رئيسيّ حكومة واحدٌ بحكومةٍ مستقيلة وآخر يسعى لدخول غينيس بأطول مدّة تشكيل، مواطنون بلغ فيهم حدّ اليأس عدم الإكتراث حتّى بثروتهم النّفطية، حالة موتٍ سريري للوطن. ظروف الثّورة مهيّأة وتحتاج فقط إلى عرّابٍ يقودها أو يشعلها. لا أسهل من الإعلام وسيلةً للمباشرة بذلك، ما المانع في ان تتكرّر تجربة باسم يوسف، أو يحظى لبنان بجون ستيوارت الخاص به؟ لماذا لا يحرّك الإعلام الشّارع خاصةً في ظلّ تسللّه لكل بيت من بيوت اللبنانيين؟ ربما هذا ما فكّر به شربل خليل قبل أن يستخدم السّلاح الذي بيده، سلاح الكوميديا السّياسية الإستهزائية، أي أن خليل قد عقد العزم على الثّورة وتغيير الحال، لا هالة من القداسة على الأحد “كلّن يعني كلّن”، الخطوة الأولى كانت منذ سنوات، صدم خليل الشّعب اللبناني بتقليده شخص السّيد حسن نصر الله مما أثار بلبلة حينها وإحتجاجات، إذاً عرف شربل خليل مفتاح تحريك شعبٍ في سُبات، قلّد جان بو جدعون شخصية السّيد حسن ثانيةً بتوجيه من خليل، لم يكتفِ بذلك، كي تكتمل عناصر الصّدمة، تطرق خليل للنّبي يونان ومرّر رسائل عدّها البعض في طرابلس تجاوزاً وتطاولاً على الذات الإلهية. نجح خليل في إستفزاز الشّارع اللبناني كلّه، لكن ما الخطوة الثّانية؟ هل وضع خليل سيناريو المرحلة المقبلة أم أنّها مرّة و”بس مات الحراك”؟

   لشربل خليل الحقّ في إنتقاد أيٍ يشاء طالما أنّ حقّه مكفولٌ بالقوانين والشّرائع، طالما أنّه لم يتعدّ على حرّية غيره في المعتقد والتّعبير، سخرية خليل من شخص أي إنسانٍ لن يغيّر في نظرة أحدٍ إلى الأخير. لربّما سبّب “سكتش” خليل الأخير إزعاجاً لكُثُرٍ من مناصري نصر الله، لكن أنسي هؤلاء أن هناك فضائياتٍ تشتم السّيد ليل نهار؟ أن هناك شخصياتٍ سياسيّة لبنانية وعربية تهاجمه وتصفه بأبشع الأوصاف في معظم الأحيان حاله حال باقي من يعملون في السّياسة؟ لماذا ثارت ثائرتهم فقط عند تقليد خليل لنصرالله؟ “بس مات الوطن” أصبح من ماضي الكوميديا السّياسيّة اللبنانية لعجزه عن اللحاق بركب التّحديث وتكراره نفسه بحكم تهكّمه على الطّبقة السّياسية الحاكمة ذاتها –من حظّ شربل خليل السّيء أن الطّبقة لا تتغيّر-، كاد ذكر البرنامج ان يختفي عن السّاحة الإعلامية لولا تقليده في كلّ مرّةٍ شخصية يعتبرها النّاس مقدّسة، تارة البطرك صفير وطوراً أحمد الأسير، إنتقاده للشخصيةِ حقّ مقدّس من حريّة الرّأي والتّعبير، لكن ألم نعتد على ذلك؟ يريد خليل تعويم برنامجه مجدّداً ولن يتورّع عن اللجوء إلى أي وسيلة، فمن جعل من برنامجه منبراً للعنصرية تحت شعار “حرّية التّعبير” لن يعنيه كثيراً نتائج سكتشاته على أرض الواقع، هي محاولةٌ يائسة لإستعادة الجمهور لا أكثر، ويمكن لأيٍ كان إنهاء البرنامج بالضّربة القاضية بكبسة زرٍ على أداة التّحكم، مما يعني، لا مُشاهدين، لا مُعلنين، لا “بس مات الوطن”.

     “عندما يتوصّل شخصٌ إلى إضحاك النّاس فترة طويلة، لا بدّ ان يكون عبقرياً”، هذا ما يختصر به المخرج غريغ بارسون تعريف الكوميديا او فنّ الإضحاك. من يتابع مواقع التّواصل الاجتماعي في السّنوات الثّلاث الأخيرة يلاحظ توجّه من الرّأي العام اللبناني لمشاهدة “البرنامج” لباسم يوسف، أو جان ستيوارت، إيلين دي جينيرس وغيرهم، بعد أن إعتاد مشاهدة “لول” على الأو تي في لأنه كان البرنامج الكوميدي الأول من نوعه الذي يكسر التابوهات المجتمعية التي نشأ الشّعب عليها، لم يعش “لول” كثيراً فوقع أيضاً في فخّ تكرار نفسه، هذا الإبتعاد الجماهيري عن البرامج الكوميدية اللبنانية لصالح البرامج الخارجية هو ربما بسبب “عدم الإضحاك”. مع العلم أن بعض البرامج اليوم تستعيد بعضاً من جمهورٍ فضّل النّزوح ولو من خلف الشّاشات. “بس مات الوطن”، “دي إن آي” و”إربت تنحلّ” مجتمعةً لا تستطيع أن تنافس نسبة مشاهدي باسم يوسف في لبنان! بالفعل هذا شيءٌ مُخزي، الإعلام مسؤوليةٌ وسلطة، يا حبذا لو يستعملها شربل خليل وزملائه في المكان والزّمان الصّحيحين، ويا حبّذا لو يتظاهر الشّعب لأجل حقوقه المهدورة، لا لأجل سكتشٍ تافهٍ في برنامجٍ سخيف.

 

 أحمد م. ياسين

    إنّها السّادسة صباحاً، يرنّ المنبّه فأسكته، يرّن مجدّداً ومجدّداً حتى أعالج صراخه بضربة يومية تظهر على شكله ندوباً، أنهض من سريري وأتأمّل وجهي في المرآة، من هذا؟ أرفع يدي وأمسح بها وجهي فأراه مغطّى بالدّماء، أفرك عينيّ وأنظر، لا دم على وجهي أبداً، أبتسم وأقول لصورتي أن اليوم يومٌ جميل، لا داعي للهلع.

    أجوب غُرف المنزل مطمئناً على وجود أفراد عائلتي، ما زالوا هنا، كلّ شيءٍ على ما يُرام ويبدو اليوم جيّداً، أحمل أغراضي وأنطلق نحو العمل، مهلاً، نسيت سماع أخبار الطّرق وزحمتها، نسيت أن أحلق ذقني أيضاً، أو ربما لا، كانت الكهرباء مقطوعة أو المياه، لا أذكر.

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

      لم تنتهِ الحرب الأهلية اللبنانية بعد، 11 نيسان 2005، “نحن هنا لأنّهم مفقودون، لن نرحل من هنا، في حديقة جبران خليل جبران، سيكون اعتصامنا حتّى معرفة مصيرهم”، يقول أهالي المفقودين في الحرب الأهلية، الذين يقبعون منذ ثمانيةُ أعوامٍ وما زالوا، أو بعضاً منهم، بينما يئس آخرون، فاختار الرّحيل الأبدي علّه يلاقي هناك من فقد.

    إلياس يوسف البيطار، لبناني مخطوف منذ أكثر من ثلاثين عاماً، توقّفت عقارب الزّمن عنده بتاريخ 25 تشرين الثّاني 1975 وكانت منطقة القنطاري آخر مكان شوهد فيه، إلياس ليس المفقود الوحيد في السّجون السّورية، مثله كُثُر من المفقودين اللبنانيين، إمّا في السّجون السّورية، الإسرائيلية، أو في مقابرَ جماعيّةً لم تُكتشف بعدُ لتقصير الدّولة عن القيام بذلك.

في العام 1996 أقرّ الرّئيس اللبناني إلياس الهراوي بوجود 210 لبنانيين معتقلين في السّجون السّورية، وبعد عامين أعلن الرّئيس السّوري بشار الأسد أنه سيطلق سراح 130 لبنانياً ويحتفظ بـ 25 آخرين لأنهم تعاملوا مع اسرائيل. الرقم المذكور يختلف عن الرقم الذي أعلنه سابقاً الهراوي، ويختلف أيضاً عن عدد اللبنانيين الذين أفرج عنهم لاحقـاً (121)، مما يعني أن عدد اللبنانيين الذين لا يزالون محتجزين لدى سوريا هو 34 لبنانيّاً، لكن الدفعة الجديدة التي أفرج عنها في شهر كانون أول من عام 2000، تضمّت 56 لبنانياً. علماً بأن الدولة اللبنانية كانت قبل ستة أشهر قد أوصت بتوفية جميع المفقودين اللبنانيين في اسرائيل وسوريا ولبنان، من بينهم المفرج عنهم، عبر لجنة تقصّي مصير المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية التي أنشأتها الحكومة في شهر كانون الثاني من العام ذاته.

(المزيد…)

 أحمد م. ياسين

       “ليه ما عنّا إنترنت سريع؟”، سؤالٌ يختصر سوء خدمات الإنترنت في لبنان، ومع أنّ الخدمات تحسّنت عما كانت عليه في السّابق، لكن يبقى لبنان في مراتب متأخرّة فيما يخصّ خدمات الاتصالات والإنترنت.. طيب، ما ومن السّبب؟ هل نستطيع حقاً أن نحصل على إنترنت سريع؟

   الموضوع هنا ليس سياسياً أبداً. قد نتفق مع نيكولا صحناوي في السّياسة وقد نعارضه، قد يروق لنا أداؤه وقد نرفضه. الموضوع هنا موضوعٌ تقنيٌ بحت ويعني اللبنانيين جميعاً على إختلاف انتماءاتهم. مجدّداً    أسأل: “هل نستطيع حقاً أن نحصل على إنترنتِ سريع؟”. الجواب بسيط وربّما يجهله البعض: نعم نستطيع ولدينا القدرة التّقنية اللازمة لهكذا خدمات، لكن السّؤل الذي لا شكّ يطرح نفسه أكثر هو: لماذا لا ولم نحصل على هذه الخدمات بعد إذاً؟!

  لم نحصل على الخدمات بعد، وببساطة، لأن مدير عام أوجيرو السّيد عبد المنعم يوسف لا يريدنا أن نحصل عليها. حتّى اليوم، ما زال يوسف يحجب توقيعه عن قرار تقديم الخدمات. لا يعلّل يوسف رفضه    التوقيع بأي سببٍ حتّى ولو لم يكن مقنعاً. لا يردّ يوسف أصلاً على المقالات أو الإستفسارات، يتحصّن في اوجيرو مدعوماً لا ندري ممن، يمنع إصدار بطاقات الكلام حيناً “قبل إنتقالها إلى ليبان بوست”، ويحاول عرقلة مدّ شبكات الـ DSL أحياناً وإنّ عن المناطق التي تتبع لتيّاره السّياسي. لا خلفيةً سياسيةً لأفعال عبد المنعم يوسف، فمنع خدمات الإنترنت أو تطويرها لا أظن أنّه يضرّ تيّار المستقبل أو يخدم التّيار الوطني الحرّ وحده، لا بل نحن كلبنانيين نقع جميعاً تحت رحمة يوسف الإلكترونية، فهو يجلدنا لسببٍ لا نعرِفه، فبإغلاق عبد المنعم يوسف “حنفية” نطاق السّرعة التّرددي يعطّل تقدّم لبنان في مجال الاتصالات ولحاقه بدول الجوار، فدولة الاحتلال الإسرائيلي تسبقنا بمرّة ونصف كحدّ أدنى حيث تصل فيها السّرعة إلى 100 ميغابايت، بينما الأسعار في سوريا أقلّ من لبنان ب 30%، بينما نملك نحن القدرة على مجاراتهم، لكن عبد المنعم يمنعنا.

Visual

(المزيد…)

أحمد م. ياسين

   دخل ميشال عون وتيّاره معركة الأرثوذكسي، مثل ما دخل حرب 13 تشرين، حمل عون شعاراتٍ كالدفاع عن حقوقٍ يصادرها المستقبل والإشتراكي منذ ما بعد الطّائف، دخل عون المعركة وإنتصر فيها قبل    أن يسمع حتّى ما آلت إليه الجلسات والمفاوضات.

   إنطلق عون في تأييده مشروع اللقاء الأرثوذكسي من إجماعٍ أجبر القوّات والكتائب على السّير فيه، نسّق مع بكركي، حمل لواء إسترداد الحقوق مع مَن يهيمن عليها حتى ولو بالأرثوذكسي، فتح باب النّقاش،    كان دائماً يدعو لقانونٍ بديلٍ يؤمّن عدالة التّمثيل في بلدٍ طائفي الأعراف والتّطبيق، أو إلى النّسبية خارج القيد الطّائفي على أساس لبنان دائرة واحدة، بدا عون متصالحاً مع نفسه وتيّاره، مع شعبه وحتّى مؤيّدي باقي الأطراف المسيحيّة، ببساطة، نصّب نفسه أباً روحياً لمعركة إعادة الحق لأصحابه، وأجبر حلفاءه على السّير خلفه.

   يعرف وعرف عون جيّداً أن الأرثوذكسي لن يمر، جرّ جعجع إلى المعركةِ التي كادت تودي بتحالف الأخير مع المستقبل، كذّب عون مزاعم جعجع بلسان الأخير، فعون ليس مطيةً للمشروع الإيراني، مشروع    “ولاية الفقيه” الذي ما إنفكَ جعجع يخيف الرّأي العام المسيحي به، عون ليس غطاءً لحزب الله ومشروعه، عون هو من إنتزع مقاعد جزّين الثلاثة من فم برّي في الانتخابات الماضية، عون هو من بدأ بالمشاريع التّنموية في مناطقَ لم تعرف إلّا الإهمال في عهد بطرس حرب ومن معه من نوّاب عهد الوصاية السّورية، بينما جعجع ينتظر في معرابَ مقعداً هنا ووظيفةً هناكَ يمنّ بها عليه حلفاؤه، عون أثبت نفسه حليفاً قوياً، بينما جعجع رضي بلعب دور التّابع، لا أدري لماذا.

   لا يخفى على القاصي والدّاني أن مشروع اللقاء الأرثوذكسي، أو الفرزلي كان تقسيميّاً بإمتياز، لكن ألا يعكس الأرثوذكسي ما في نفوس اللبنانيين ساسة ومواطنين؟ ما الحلّ الأنسب في مواجهته؟ أليس النّسبية    خارج القيد الطّائفي؟ ألا يعطي هكذا قانون لكل مواطنٍ حقّه؟ لمَ لم نسمع من قوى 14 آذار أي إشارةٍ للقانون بينما سمعناها من عون وحلفائه؟ عدوان تنازل عن عشرة مقاعدَ كما قال حفاظاً على مصلحةِ البلد، هل يملك عدوان عشرةَ مقاعدٍ أصلاً؟ من أعطاه الحقّ في ذلك؟ مجدّداً خذلت القوّات مناصريها وتاريخها قبل أي أحد، ليست المرّة الأولى، فقد فعلها جعجع سابقاً إبان مرحلةِ إقرار إتفاق الطّائف.

   “عون سرق الاتصالات والطّاقة، عون عمّم الفساد!”، إعتدنا سماع هذه الجمل حتّى باتت روتيناً يوميّاً، هل تعلمون أن باسيلَ لا يملكُ طائرةً خاصةً عكس ما يُشاع؟ هل تعلمون أن نقولا صحناوي ربح في    جميع الدّعاوى المقدّمة ضدّه من قبل نوّاب المستقبل وفي طليعتهم غازي يوسف؟ هل تعلمون أن كتاب “الإبراء المستحيل” دفع بالمستقبل لشراء كمّياتٍ هائلةٍ من النّسخ كي يُخفي ما فيه، وعندما عجز أصدر كتاباً مضادّاً ذي مضمونٍ سياسي؟ هل تعلمون أن من يُهاجم عون اليوم بتهمة التّبعية هم ذاتهم من نُصّبوا نوّاباً وزعماء بأمر عمليات سوري أو سعودي، هم من أمعنوا في السّرقة والفساد، عون إنتزع وزاراتٍ خدماتيةً وجعل منها وزاراتٍ سياديةً يتهافت الفرقاء على أخذها، ماذا فعل جعجع حينما كان في الحكومة؟ لا للمسيحيين، بل لمصلحة البلد التي يدّعي حرصه عليها، ماذا فعل جعجع؟ من ال 2005 لليوم، ماذا فعل غير تعديلاتٍ في أبياتَ شعريةٍ يلقيها من مناسبةٍ إلى أخرى، لم نسمعه يتحدّث عن المخاطر التي تُحدق بلبنان، “فليحكم الإخوان”!

   مصلحةُ البلد تقتضي تسليمه للمستقبل والإشتراكي بحسب ما ترى القوّات، على ما يبدو، لم يرَ جعجع بعد مآثر المستقبل على إقتصاد البلد، أو أنه تجاهل عن قصد سكّان “بريح” الذين لم تُدفع تعويضات    تهجيرهم كاملةً بعد من وزارة المهجّرين التي إبتلع صُندُوقها جنبلاط، الأرثوذكسي وحده يهدّد البلد بنظر جعجع، لا إنتشار السّلاح والمجموعات التّكفيرية، لا هجرةُ الشّباب بفعل الفساد الذي أورثتنا إياه الطّبقة السّياسية بشقّيها، لا الطّائفية المقيتة، خلاص البلد بنظرِ جعجع هو بالتّنازل عن عشرة مقاعدَ مباشرةً، وعن أربعة عشر مقعداً بشكلٍ غير مباشر، إميل رحمة وطوني بو خاطر يمثّلان المسيحيين أكثر من إيلي سكاف وسليم عون مثلاً؟ أم ان الطّائفية لا تسري إلّا على السّاحة المسيحية، بالفعل، ذهب جعجع حيثُ لا يجرؤ الآخرون، ذهب نحو شقّ الصّف المسيحي في وقتٍ هو بأمسّ الحاجة إليه حفاظاً على لبنان مما يُحدق به من مخاطر.

    لن يصدّق الجيل الجديد بعد اليوم حكايات البطولة التي يردّدها جعجع عن القوّات، الجيل القديم ذهب نحو الحركةِ التّصحيحيّة، لكن الجيل الجديد المعبأ مسيحياً على يدّ جعجع سيقف مصدوماً اليوم، “كيف يُفيد    التّخلي عن عشرة مقاعد البلد، لمَ يجب علينا نحن أن نتنازل؟ لماذا تنازل حزب الله لعون بينما أجبرنا المستقبل والإشتراكي على أن نتنازل؟ ألهذا سقط الشّهداء؟”، لا أعرف إن كان جعجع اليوم قادراً على إقناع هذا الجيل بصوابيةِ قراره بالتّخلي عن الفرصة الوحيدة في تمثيل المسيحيين، لا أدري إن كان المختلط بصيغته الحالية يؤمّن لجعجع تمثيلاً أصلاً دون الإستعانة بأصوات الحلفاء، بينما يجلس “الحكيم” محاولاً الحدّ من خسائره، يبتسم ميشال عون منتصراً وواثقاً بأنه اليوم كما الغد، الزّعيم المسيحي الأول والحليف النّد، لا التّابع المُتلقّي، فعلها ميشال عون مجدّداً، يحتسبُ الأصوات، في الأشرفية المصدومة من قوّاتها، في زحلةَ التّعايش والمقاومة، حتّى في البترون مع إنفراط عقد التّحالف القوّاتي مع تركة النّظام السّوري بطرس حرب، على جعجع البحث عن خشبة النّجاة في محيطٍ أغرق نفسه به، فالبرتقالي يحضّر لتسونامي جديدٍ مهّد له جعجع بزلزال كسره الإجماع المسيحي.

أحمد م. ياسين

   حان الموعد، رمى حقيبته التي حملها أكثر من أربعين عاماً جانباً ورحل، مجنون الحي ما عاد حي، إختار لنفسه حياةً هادئة تكاد تشابه المستنقع في ركودها، مع ذلك، كان مجنون الحي، قليلةٌ هي الكلمات التي    سمعتها منه، لم يكن يهوى الكلام ولو أن لعيونه قدرةً على الكلام، لكانت فاضت بمكنونات قلب الدّكتور، الدّكتور المجنون.

   بعيداً عن العالم الفعلي والإفتراضي، قطن الدّكتور العجوز وزوجته في عالمهما الخاص، كنّا نراه عائداً من بيع أوراق اليانصيب، يرتدي ربطة عنقٍ باليةٍ وبنطالاً قديماً، ننتظر مجيئه كي نسخر منه، هذا الرّجل    هو حجرُ أساسٍ قامت على مثله طفولتي، كنّا زمرةَ أطفالٍ ومراهقينَ نتلهّى بمشاكل النّاس، وإن لم تنوجد المشاكل، نختلقها، وكنّا قد حفظنا ميعاد عودة المجنون من جولته اليومية، كلّما دقّت السّاعة معلنةً عن بلوغها الخامسة، خرجنا ننتظره عند باب الحي، نسخر من لباسه وساعة يده، بينما هو يبتسم ويوزّع علينا الحلويات، حتّى كبرنا ولا زالت ملابسه على حالها، طبعاً كان الزّمن كفيلاً بمسح ألوانها، لكن، بقي المجنون على حاله حتّى باغته الأجل، أو أنّه كان ينتظره منذ زمن، زمنٍ بعيد.

   لا أعرف، أجدني نادماً على ما مضى، لقد رحل المجنون ولم أكن أعرفه، مع أنّي إعتدت لقاءه يومياً ورفاقي، لم أفكّر يوماً في أن أتبعه إلى حيث يذهب، لم أزره في منزله أبداً عندما كان على قيد الحياة، لم اظن أصلاً أنه جسدٌ محسوس، بل أكثرَ منه ميّزة تميّز بها الحي كعلامةٍ دالةٍ عليه، لم تكن حياة المجنون صاخبةً أبداً، على العكس، لم يركب حصاناً خشبياً أبداً، لم يهذِ، ما كانت تصرّفاته مخالفة للطبيعة أو غريبة، إنّما صمته وساعة يده، كان يضع في يده ساعةً رقميةً زرقاء اللون، رُسم عليها سوبرمان.

   ربما أصلُ صيت الجنون، كان هذه السّاعة مشتركةً مع الزّمن الذي هَتَمَ فمهُ حتّى كاد يخلو من الأسنان، إلّا الصّفراء منها والتي بدورها كانت ضحيةً لسجائر اللف، فنزعت عنها بياض لونها ليكسوها الصّفار،    كأنها مرآة لوجه الدّكتور، حمل المجنون شهادتي دكتوراه في الفيزياء والهندسة الميكانيكية، لكنه ما كان محدّثاً ذو فصاحةٍ وبلاغة، لم يأتِ بعمره بالكلام الحسن المبين على الرّغم مما يحملُ من شهادات، لطالما عانى من عدم التّلاؤم بين جُمله ووصول المعنى المقصود مهشّماً تماماً، كان أوضح ما فيه شكلاً ومضموناً هو تلك السّاعة، كانت لغزاً إكتشفناه بعد الرّحيل.

   لم تكن السّاعة اللغز الوحيد، بل منزل الرّجل أو مكتبته، كانت تعجّ بالكتب والمراجع العلمية، بيته مؤلّفٌ من ثلاث غرفٍ إحداها فارغةٌ إلّا من سريرٍ لطفل، مع أنّي وحسب ما أعرف، لا طفل للرجل،    للصّراحة، لم أسأل يوماً إذا ما كان له طفل أم لا، في خزانته ملابسٌ غير تلك التي إعتدنا أن نراه فيها، أحذية غير مستعملة، تلك الخزانة تُشبه متحفاً لأزياء التّسعينيات، بيد أن ساعة تجديد ما فيها توقّفت قبل حلول الألفية الجديدة، الشّيء الوحيد الذي تجدّد دورياً هو المكتبة، حتّى أن في محفظته كتاباً جديداً لربما إشتراه قبل أن يرحل، لم يكن المجنون مجنوناً!

   أمّا السّاعة، فكانت ساعةَ صاحب الغرفة الفارغة، ساعة وحيده الذي قضى دهساً في أواخر التّسعينيات، توقّف الزّمان عند الدّكتور ساعةَ توقّف قلب إبنه عن النّبض، فكانت السّاعة الزّرقاء رفيقة ذكراه الدّائمة،    أكاد أجزم أن الرّجل كان يرى فينا إبنه، وكان يشتري الحلويات خصّيصاً  لا له كما كنّا نظن، كان المجنون أعقل منّا، كان العاقل الوحيد، كان أكثر تعقّلاً من الجميع، فكلما زادت الإهانات، بادلها بالصّمت المطبق والإبتسامة، تخيّلوا لو أنه لم يكن “مجنوناً” وردّ على ما كنّا نفعل، يبدو أننا نحن من كنّا المجانين، أيها الدّكتور، رحلت قبل أن تسنح لي الفرصة كي أعتذر منك، رحلت ولم تقبل منّا إعتذاراً لم تسمعه.

أحمد م. ياسين

   يدخل لبنان قريباً نفقاً من الفراغ المؤسساتي بإنتهاء صلاحيّات نظامه، كما ويستعد لإستحقاقاتٍ داهمةٍ قد تقوّض إستقراره الهشّ أيضاً، يبدو أفق الحلّ مقفلاً في ظل إصطفافات ما قبل التّقاتل خلف متاريس   المصالح، هذا في عالم السّياسة، ماذا عن العالم الحقيقي؟

   أكاد أجزم أن أكثر من ثلثي المجتمع اللبناني لا تعنيه الانتخابات البرلمانية، لا بل ويعرف جيداً نتيجتها حتّى قبل حدوثها، تلتقي هذا المجتمع المتشابه رغماً عن التّقسيم في كل مكان، في ضاحية بيروت   الجنوبية، طريق الجديدة، الأشرفية، صيدا، طرابلس، باب التّبانة وجبل محسن وصولاً إلى عكّار، ما نفع الانتخابات؟ شكلٌ من أشكال الدّيمقراطية أم مسرحية تضفي الشّرعية على زعماء الحرب وحلفائهم؟ أيّ كان القانون، السّتين، الأرثوذوكسي أو المختلط، ما الفرق؟ أليست الطّبقة ذاتها من تعمل في مطابخ التّشريع على إقرار القانون وتلقائياً إعادة إنتاج نفسها؟ هل سنرى وجوهاً ذات نهجٍ جديدٍ مثلاً؟ بالأحرى، هل سنرى شيئاً جديداً غير أيامٍ سوداء لم نكن لنتخيّلها قبل؟

   يعني، الحكومة العتيدة الجديدة برئيسٍ جديدٍ أم قديم ماذا ستعالج؟ هل ستعالج الملفّات التي توحّد اللبنانيين؟ كالفقر، الهجرة، غياب البنى التّحتية من ماء وكهرباء، سوء التّعليم الرّسمي أو الإنفلات الأمني على   سبيل المثال لا الحصر؟ الجواب معروف لنا ليس من اليوم، بل منذ أكثر من 20 عاماً أي منذ ما بعد إتفاق الطّائف، ستهتم الحكومات بجيوب وزرائها، كما بتقديم فروض الطّاعة لمن عيّنها من أولياء أمرها في الخارج، وهي عادةً ما تكون نتاجاً لنزاوج مصالحٍ إقليميةً تلد علاقتها طفلاً مسخاً يتحكّم برقابنا، بحكومةٍ أم من دونها، هل هناك أي فرق؟ ما الفرق؟

   حتّى قبل أن تولد الحكومة الجديدة، بدء الأقطاب بتقاسم الحصص والوزارات، النّفط أبرزها، من كان ليصدّق اننا بلدٌ نفطي، كان حلماً أكثر منه حقيقة، وهذا ما سيعمل على تكريسه الزّعماء واقعاً، بعد الحلم   بأن نصبح بلداً نفطياً، سيصبح الحلم أن نعامل كبشرٍ في بلدٍ نفطيٍ وإن سُرقنا، أن لا يُستعبد الفقير، أن لا يتسلّح الطّفل بغير قلمٍ ودفتر، أن لا يغادر الشّاب وطنه إلّا إذا كان عائداً أو في رحلة سياحة، أن لا يخاف المواطن من لاجئٍ يحتاج الأمان، بل أن يساعده، أن يثق المواطن بأجهزة الأمن، فلا يتوقع السّرقة أو القتل في أي لحظة، عندها بمكن القول أننا في وطن ذو حكومة ومؤسسات، لا في مساحةٍ جغرافيةٍ تحكمها المصالح ويسود فيها تقاسم الحصص.

   لبنان، بتاريخه الذي أطرب آذاننا به أساتذة التّاريخ وإن كان مزيّفاً أو مشغولاً حسب المناطق، بمناخه وإن تغيّر وتعدّل يعد إقتراب الغابات من الإنقراض لصالح المباني السّكنية، بشعبه وإن هاجر معظمه،    بتنوّعه وإن حوّله الزّعماء إلى لعنة طائفية ستطيح بالوطن في أي لحظة، بأحيائه المتشابهة كباب التّبانة وجبل محسن وإن تقاتلوا، بإبتسامة بائع الورد الصّغير الذي يبيع السّعادة رغم بؤسه، بشهدائه الكثر، هو اليوم أمام مسؤوليةٍ ولحظة مصيرية، نظامه متهالك ويترنح، إقترب موته وإكرام النّظام دفنه، كي نأتي بنظامٍ يعالج كل المآسي التّي توحّد اللبنانيين، علّهم يتوحّدون حول الإنجازات والفرح الغائب عن ساحاتنا، بدلاً من التّوحد حول الألم، ليكن بعضاً من أمل.